د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
مجلس الشعب ومحاسبة الحكومة

        أعضاء مجلس الشعب هم نواب الشعب الذين قام بانتخابهم ليمثلوه في محاسبة الحكومة، وسن القوانين والتشريعات التي تحفظ للشعب حقه داخليا وخارجيا، وتعمل على ترسيخ الديمقراطية، وإقامة العدل، وضمان تكافؤ الفرص بين أفراد هذا الشعب.

        ليس من شك في أن المرشح إلى مقعد في مجلس الشعب يكيل الوعود قبيل الانتخابات في عملية إغراء للعامة والبسطاء كي يقوموا بانتخابه؛ فيعلو على منافسيه في هذه المنافسة الشرسة، فيعدهم بما لا يمكنه أن يفعل من الأصل، ويعدهم أيضا بما يمكنه أن يفعل، فإذا انتخبوه ونجح، ولم يتنكر لهم كما يفعل الكثيرون؛ فإنه يحور وعوده، ويحاول التنصل من تنفيذها، أو يقوم بتعليق عدم التنفيذ على شماعات الآخرين، ويحاول تنفيذ القليل منها.

        ولنا أن نتخيل أن عضو مجلس الشعب الذين يناط به مراجعة القوانين والدستور، وسن القوانين، وإصلاح الفاسد من القوانين الحالية يبدأ حياته النيابية بالكذب والوعود التي لا تنفذ!! كيف يمكن أن نعتقد أن ما يقوم بعمله في مجلس الشعب سيكون لصالح الشعب؟ أو بشكل أوضح كيف سنصدقه، وقد كذب علينا قبل أن تطأ قدماه أرضية مجلس الشعب.

ولنا أن نتصور أيضا أن عضو مجلس الشعب الذي يناط به حماية حقوق الشعب والعمل على إرساء مبدإ تكافؤ الفرص يسعى وراء وزير ما من الوزراء كي يحصل على توقيعه السامي الذي يفتح الأبواب المغلقة، ليتم تعيين ابن من أبناء الدائرة في وظيفة ما هادما بذلك مبدأ تكافؤ الفرص من أساسه، وهو الذي يعد مسئولا عن تطبيقه.

        ولنا أن نتخيل مرة أخرى بعد أن يتم تعيين هذا المواطن في تلك الوظيفة المرموقة بناء على طلب عضو المجلس الموقر من الوزير المحترم. لنا أن نتخيل هل يستطيع هذا العضو أن يقوم بمساءلة الوزير على تجاوز يقوم به، أو على تقصير في أداء الأمانة الموكلة إليه؟ أو على خطإ وقع فيه كبار رجاله؟ أيمكنه أن يسائله في يوم ما وهو يريد منه التكرم والتعطف بتعيين هذا، ونقل ذاك، وترقية ذلك؟ أيمكنه أن يفعل ذلك؟

        مادام عضو المجلس الموقر لا يمكنه أن يسأل مسئول الحكومة عما ارتكبه من مخالفات، فهل يمكن أن يطالب يوما ما بإسقاط الحكومة أو سحب الثقة منها نتيجة عبثها بمقدرات البلاد، وعدم التخطيط الجيد للخروج بالبلاد من مضيق مظلم إلى فسحة منيرة ومضيئة؟ 

        إن بعضا من السادة أعضاء المجلس يستغلون مواقعهم والحصانة المكفولة لهم لارتكاب أبشع الجرائم، فيتاجرون بأرواح الناس؛ وما قضية العبارة منا ببعيد، ويقومون بالتهريب وهم المسئولون عن حماية المجتمع من الحكومة؛ فإذا بهم يتهربون من دفع الضرائب الجمركية إلى الحكومة، وما قضية الهواتف المهربة على يد عضو المجلس الموقر أيضا منا ببعيد. ثم نطلب منهم بعد ذلك أن يراقبوا الحكومة ويقوموا بمساءلتها من حين لآخر فيما ترتكبه من أخطاء، وما تجنيه من تجاوزات؟

        لقد علل العضو المحترم صاحب الهواتف المهربة بأنها ليست للتجارة؛ إنما هي هدايا لبعض أبناء الدائرة؛ وتلك كارثة؛ إذ إنها تعني أنه يشتري أصوات أبناء الدائرة بأمواله، أو بأموال الشعب. فهم لم ينتخبوه لأنه الأصلح؛ ولا لأن لديه خطة يريد تنفيذها والقيام بها في مدة عضويته بالمجلس، فتعود بالخير على المجتمع؛ إنما انتخبوه لأنه الذي استطاع أن يدفع أكثر، وهو في المجلس لا يَعْنِيه إلا أن يعيد ما دفعه أضعافا مضاعفة؛ فلا هو مُهْتم بسن القوانين والتشريعات، ولا هو مشغول بمراقبة سلوك الحكومة في تعاملها مع الأزمات، وفي مواقفها من الأفراد والمواطنين.

        كثير من الأعضاء يصلون إلى العضوية عن طريق العصبية، والتربيطات الكثيرة التي تتم من أجل منافع مشتركة بين العائلات والتكتلات. فالوصول إلى كرسي البرلمان ليس مبنيا على الكفاءة دائما. وقضية التربيطات هذه قد اخترقت كل مؤسساتنا الحكومية الكبيرة، ولهذه المسألة مقال آخر في يوم ما من الأيام إن شاء الله.

        بعض الأعضاء يحصلون على الأصوات عن طريق تعيين بعض الفتوات (البلطجية) مراقبين خارجيين للجان الاقتراع؛ فإذا ما وجدوا جماهير الخصم قادمة افتعلوا الخناقات وقامت المشكلات؛ حتى يمنعوهم من الوصول إلى مقار اللجان والإدلاء بأصواتهم.

        كثير من أعضاء المجلس الموقر يتقدم للعضوية؛ لأنه يملك الوصول إلى العضوية؛ لا لأن لديه أهدافا وطنية يحاول تحقيقها للوطن لا لنفسه فحسب. ومن ثم فهم مشغولون بجمع توقيعات السادة الوزراء في أثناء وجودهم بالمجلس وأثناء مناقشة القضايا الهامة، فالقضايا التي تناقش في المجلس ليست مما يعنيهم في شيء. والتوقيعات هي التي تعنيهم.

       بعض من السادة النواب لا علاقة لهم بالقانون ولا بشئونه، ولا يعرفون من المعارف النظرية ما يزيد على القراءة والكتابة، وقد حدثت فضائح منذ سنوات حين شكا بعض المرشحين بعض منافسيهم بأنهم أميون لا يجيدون القراءة والكتابة، وباختبارهم في القراءة والكتابة رسبوا رسوبا ذريعا، وهم الذين مثلوا دوائرهم في مجلس الشعب مرارا، وهم لا يجيدون القراءة والكتابة؟؟؟؟؟

        هل مجلس حصل الأعضاء فيه على عضويتهم بهذا الشكل وتلك الصورة يمكنه أن يقوم بدوره الحقيقي في مراقبة الحكومة أو في سن القوانين والتشريعات بما يعود على المجتمع كله بالنفع والخير؟

        وهل مجلس بهذا الشكل يمكنه أن يفكر في تطوير المنظومة القانونية والدستورية للبلد؟

        وهل مجلس بهذا الشكل يمكنه أن يحاسب الحكومة فيما تأتي أو تدع؟

        بالطبع هناك أعضاء محترمون يقومون بواجباتهم المنوطة بهم، لكنهم على كل حال ليسوا بالكثرة التي تسمح لهم أن يحققوا الغرض من وجودهم في مجلس الشعب والمنتفعين؛ خصوصا إذا ما لجأ رئيس مجلس الشعب إلى التصويت.

          فهل مجلس كهذا يصلح لحياة نيابية سليمة؟

د. حسن محمد عبد المقصود

كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز