د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
نعم، لن يموت الناس إذا تركوا أكل الطماطم

هل أقول: إنها كلمة حق أريد بها الباطل؟ نعم لن يموت الناس بتركهم أكل الطماطم حتى ينخفض سعرها؛ ولكن ماذا سيأكلون؟ عندما نطلب من الناس ترك شيء يجب أن نقدم لهم البديل، فهل هناك البديل؟ هل قدمت حكومتنا الذكية البديل الحقيقي؟

ثم تعالوا نتناقش بهدوء وقد وصل سعر كيلو الطماطم اثني عشر جنيها، وكيلو الخيار شيئا مشابها، والبامية، والملوخية، والكوسة وغيرها وغيرها.. بالطبع لن أتكلم عن أكل اللحوم؛ فقد صار أكلها نوعا من الترف في ظل حكومتنا النظيفة الذكية. ماذا يأكل الناس يا حكومتنا الذكية؟ بالطبع لن يأكلوا الكيك!!!

لو افترضنا أن موظفا حكوميا غير مرتش يتقاضى راتبا قدره ألف جنيه، وهو يعمل في وظيفة حكومية محترمة؛ فهل يمكنه أن يعيش حياة آدمية، ولا أقول حياة كريمة؟ هل يمكنه أن يعيش يا حكومتنا الذكية؟

أريد مسئولا محترما يجيب عن هذا السؤال.. أو تعالوا نحسبها معا.

هذا الموظف المحترم سيشتري في الشهر 30 كيلو من الطماطم بمعدل كيلو جرام في اليوم له ولأسرته، فيكون قد أنفق 360 جنيها في شراء الطماطم، ولعله يحب السلطة، وحتما أفراد أسرته يحبونها، فسيشتري نصف كيلو خيار في اليوم، فيكون قد أنفق 180 جنيها في الخيار، وبالطبع هو وزوجته وثلاثة من الأبناء يحتاجون جميعا إلى الخبز، فسيشتري خمسة عشر رغيفا بمعدل ثلاثة أرغفة لكل فرد في اليوم، فالرجل يعمل على ترشيد الاستهلاك، وحتى لا يصاب بالتخمة هو وأبناؤه وزوجته يأكل الفرد منهم ثلاثة أرغفة يوميا، فيدفع ثمنا للخبز112.5 ، ولا بد أن يشتري خضارا للطبيخ، وليكن أي نوع من الخضار بسعر عشرة جنيهات للكيلو، فنضيف 300 جنيها أخرى للخضار، وبالطبع هذا الخضار يحتاج إلى البصل، فلا يمكن الطبخ من غير بصل، وبحاجة إلى بعض الملح، وبحاجة إلى الغاز، والكهرباء، وبحاجة إلى الماء، والصابون.

انتهى الراتب دون أن يكفي الخضار والسلطة، ولم نتكلم عن اللحم الذي يعد ترفا عند الموظفين الحكوميين، ونسينا أن نتكلم عن المشروبات، فهي مضرة بالصحة عند الموظفين الحكوميين، ولم نتكلم عن أجرة المواصلات التي سوف يستقلها هذا الموظف غير المرتشي كي يذهب إلى عمله، فالرجل يخرج من بيته مبكرا وقبل أن يزدحم الشارع، ويقضي وقته سيرا على الأقدام في رياضة إجبارية لمدة ساعة ونصف يوميا في الذهاب، فيذهب وقد أنهكه الجهد من المشي، وذلك الجهد لن يؤثر بالطبع على عمله، فهو رجل مخلص يؤدي عمله كما يجب حبا في الوطن وإرضاء للحكومة الذكية. ولكن المشكلة الكبرى إذا مرض أحد أفراد عائلة هذا الموظف المحترم، فكيف سيذهب به إلى الطبيب، فهو لا يملك أجرة الميكروباس لا التاكسي، فالمسكين لا يمكنه أن يركب التاكسي، ولو فكر أو حلم بأن يركب التاكسي فلن يتمكن من ذلك، فقد انتهى الراتب، ومازالت الأشياء الأساسية غير مقضية. ماذا يفعل موظف كهذا؟؟ ثم أين أجرة الطبيب، وثمن الدواء؟

هل تستطيع حكومتنا الذكية الإجابة عن هذا السؤال؟

أيرتشي ليستطيع توفير حاجاته الأساسية؟ أيسرق ليركب مرة ما تاكسي ويشعر أنه مثل باقي خلق الله؟ هل نتوقع من موظف بهذا الشكل أن يُتْقن عمله؟ وهل نستطيع أن نلومه إذا لم يتقن هذا العمل؟ وهل نطلب منه أن يُضحي بطعامه الأساسي، ولا يشتري ثيابا جديدة أو مستعملة، ويتقشف لصالح الوطن؟

لعل مثل هذا الموظف كان يقبل التقشف، ويرضى بأن يصوم، ويأكل وجبة واحدة في اليوم لو أنه وجد نوعا من العدالة في توزيع ثروة البلد، لكنه لا يمكنه أن يقبل هذا الوضع وهو يرى السيارات الفارهة تسير إلى جواره في تحد صارخ لإنسانيته، ومكانته وقيمته. لا يمكنه أن يقبل هذا وهو يشم روائح العطر الفواح تملأ بعض الأماكن، وهو لا يعرف من هذه العطور إلا أن يشمها من الآخرين. لا يمكنه أن يرضى بالصوم عن بعض أصناف الطعام لأنها صارت ترفا بالنسبة له، وهي متاحة لغيره.

ترى هل يمكن لمعالي الوزير- الذي أعلن أن الناس لن يموتوا إذا لم يأكلوا الطماطم- أن يعيش أسبوعا من غير أن يتناول السلطة والخضروات؟ هل يمكن لمعالي الوزير أن يعيش لشهر دون أن يأكل اللحم أصنافا وأشكالا؟ وهل يمكن لمعالي الوزير أن يلبس ثوبه مرتين دون أن يتم غسله وكيه؟

وهل يمكن... وهل يمكن... وهل يمكن؟؟؟ الممكنات الممنوعة على الناس والمتاحة لمعالي حكومتنا الرشيدة تجعل مصداقية هذه الحكومة عند الناس صِفرا، ولو خرجت مئات التصاريح بأن الحكومة تعمل على رفع المعاناة عن الشعب.

أيتها الحكومة الرشيدة الذكية، إذا أردت أن يُصدقك الناس فعليك أن تَصْدقي مع نفسك ومع الناس، وإذا أردت أن يحترمك الناس؛ فعليك أن تعيشي مع الناس في خندق واحد، يأكل رجالك مما يأكل منه عامة الشعب، ويمتنع رجالك عن أكل ما تريدين لعامة الشعب أن يمتنعوا عن أكله. وبهذا فقط يمكن للشعب أن يصدق ما تقومين به وما تقولينه. وبغير هذا تكونين كمن يتناول الفاكهة اللذيذة أمام أبنائه، وهم ينظرون إليه يسيل لعابهم رغبة في مشاركته، لكنه يرفض إشراكهم في أكل الفاكهة بججة أن الفاكهة ضارة بصحتهم.

أيتها الحكومة الذكية الرشيدة النظيفة، لقد فشلت في توفير السكن، في توفير العمل، في توفير الطعام، في توفير النظام، في توفير التعليم الجيد، في توفير المواصلات المناسبة، في توفير الكرامة.... ففي أي شيء نجحت؟

حكومة فشِلت في توفير الطماطم.. ماذا يراد منها؟

د. حسن محمد عبد المقصود

كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز