غادة عبد المنعم
ghada_amoneim@yahoo.com
Blog Contributor since:
27 February 2010

كاتبة وصحفية عربية من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
تأملات فى أزمة اليونان المالية؟

عند تأمل وضع اليونان فى أزمتها الاقتصادية الحالية والحلول التى تقدم بها وساهم فى تنفيذها الاتحاد الأوربى لتسوية أوضاعها ومساعدتها فى سد عجز ميزانيتها سنجد أن دول الاتحاد الأوربى قد ألزمت اليونان بالحل التقليدى لأزمتها، حيث قدمت لها قرض مالى مرفق بشروط لخفض الإنفاق الحكومى وغير ذلك من الإجراءات المتبعة لمزيد من التقشف ، وعلاوة على أن حل القرض المالى الميسر قد أثبت فى غالب الأحوال أنه حل غير عملى لتسوية أزمات الدول الاقتصادية حيث يحملها مستقبلا بضغوط سد القرض وفوائده، وهو ما يدفع الدولة المتأزمة لمزيد من الإجراءات الضاغطة التى تفرضها على المواطنين من زيادة فى الضرائب وهو ما سيؤدى غالبا لكثير من الإضرابات ولتدهور أحوال الطبقات الوسطى والطبقات منخفضة الدخل والتى غالبا ما ستتسع ويزيد عدد أفرادها حيث ستستقبل الكثير من أفراد الطبقة المتوسطة ممن ستتدهور أحوالهم من سيء لأسوأ 

 ونعلم جميعا ومن العديد من التجارب المؤلمة للكثير من دول العالم الثالث أن قروض الحكومة والتى كثيرا ما تؤدى لزيادة نسبة الفقراء فى أى دولة ولمزيد من الإجراءات التى غالبا ما تعوق التنمية الاقتصادية، يجب أن تعتبر دائما حلا أخيرا لا تلجأ له الدول المتأزمة اقتصاديا إلا بعد نفاذ جعبتها وعدم تمكنها من الانخراط فى وسائل أكثر ملائمة لحل مشاكلها ، وفيما يخص اليونان كان على اليونان من جهة وعلى دول الاتحاد الأوربى من جهة أخرى أن يتعاملا مع أزمتها المالية كما تتعامل كتلة واحدة مع مشكلة جزء منها لا كما يمكن لدول الاتحاد أن تقدم مساعدة لدولة ليست عضوا فيه لحل مشاكلها الاقتصادية.. وقد كان أولى بالاتحاد أن يقوم سواء بناء على مبادرة من دوله أو بعد مطالبة من اليونان بعدد من الإجراءات البسيطة التى من شأنها أن تقدم حلا تلقائيا لمشاكل اليونان فكان بإمكانه

مثلا: 1- تشجيع السياح الأوربيين على الارتحال لليونان لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مستخدمين تذاكر طيران وقطارات مخفضة – وهو الإسهام الذى كان يمكن لرجال الأعمال والدول التى تستثمر فى وسائل المواصلات أن يرحبوا بتقديم الكثير من التسهيلات فيه – وقد كان من شأن هذا الإجراء البسيط أن يضيف لدخل اليونان الكثير من السيولة وهى سيولة ستتوجه مباشرة لجيوب المواطنين وستساهم فى رفع متوسط دخل المواطن اليوناني وتوفر للكثيرين فيه عملا مؤقتا، وبالتالي ستساهم فى تنشيط المبيعات وما قد يتبعه من تنشيط مباشر للاقتصاد اليونانى ، وكان بالإمكان تسمية تلك المبادرة بمسمى ثلاث ليال أجازة من أجل اليونان وكان من شأن مثل تلك الدعوة أن تلقى إقبالا من الأوربيين حيث أنها ستزيد من تأصيل مشاعر الوحدة الاقتصادية وتفعل تلك الوحدة فى نفوس المواطنين فى جميع أنحاء أوربا وسترسى تقليد اقتصادى جديد لدى المواطن الأوربى فى مواجهة الأزمات الاقتصادية التى تواجه دول الاتحاد.

 2- كان بإمكان الاتحاد الأوربى وبالاتفاق مع الحكومة اليونانية حث رؤوس الأموال المستثمرة فى أصول صناعية سهلة التحرك، حثها على التحرك للعمل داخل اليونان، وهو ما يعنى أن يتم نقل بعض المصانع السهلة النقل والتى تقوم بالتجميع والتعبئة لليونان، ذلك بدافع الاستفادة مثلا من أجور العمال المنخفضة التى ستكون بلا شك أقل عن مثيلاتها فى باقى أوربا، أو بأي دوافع أخرى يتم تقديمها كحوافز مؤقتة لجذب رؤوس الأموال من باقى أوربا وذلك بعد اتفاق اليونان مع غيرها من دول الاتحاد على خصها ببعض المميزات الاستثنائية لجذب هذه الأموال وذلك لعدد محدود من السنوات وحتى يتم لليونان التعافى من أزمتها الاقتصادية.

 3- الإجراء الثالث – وهو عكس الإجراء الثانى – وهو تصدير بعض العمالة من اليونان للعمل فى دول أوربية أخرى وهو تحريك قد يتم بناء على رغبة من العمال اليونانيين وبدافع ذاتى منهم أو بالاتفاق بين دول الاتحاد ولمدة محدودة. إن هذه الإجراءات الثلاث هى صورة لما يمكن اتخاذه أو تشجيعه من إجراءات غير تقليدية لحل أزمة اقتصادية لدى دولة تتميز عن غيرها من الدول بوجودها صمن اتحاد اقتصادى، وهو ما يعنى بشكل بديهى سيادة مبدأ الوحدة الاقتصادية الواحدة، بمعنى تضامن كل أجزاء الاتحاد لإنقاذ الجزء المتضرر وحتى لا تتسع رقعة الضرر وتضم إليها دول قد تكون على وشك التضرر الاقتصادي - وهو وضع ممكن فى حالة الاتحاد الأوربى بسبب وحدة العملة وسهولة الحركة للمواطنين ولرؤوس المال – والإجراءات من هذا النوع هى إجراءات قد تؤدى لخسائر قليلة لكل دولة أوربية على حدى ولكن من شأنها تقديم إنقاذ سريع للدولة التى تتعرض لمشكلة ضخمة 

 والمدهش فى طريقة الاتحاد الأوربى فى تقديم الحلول الاقتصادية لدوله أنه يبدو دول ومواطنين كمن لم يستوعب حقيقة وحدته بعد..؟ فالاتحاد الذى نشأ أساسا كاتحاد اقتصادى بعدما توفرت له كل مؤهلات هذا التوحد من سهولة تنقل للعمال ولرؤوس الأموال وبعد سيادة ثقافة التنقل عبر الكتلة الأوربية الواحدة والذى دعمت وحدته بعد زوال العقبة الوحيدة المتبقية والتى كانت تتمثل فى تعدد العملات النقدية والاتفاق شبه الكامل على استخدام عملة اليورو الموحدة فى معظم دوله، مازال حتى الآن يدفع لحل مشكلات الدول المكونة له بنفس التصور الذى كان يستخدمه منذ خمسين عاما ماضية عاجزا بعد عن استيعاب حقيقة واقع الاتحاد الاقتصادى ، حيث يقصر إدراكه لهذا الواقع فقط على المصالح النفعية لحرية تنقل رأس المال والبشر دون أن يوسع إدراكه ليرى احتمالات ومناطق جديدة لحل المشكلات الاقتصادية للأجزاء المكونة لوحدته.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز