د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
أكتوبر وإعادة بناء الشخصية المصرية

        ذكرت في حديثي عن أكتوبر أن الناس كانوا مستعدين لعمل أي شيء لصالح مصر، ولم يكن هناك فرد واحد يقول: (على قد فلوسهم)؛ إنما كان هناك العطاء بلا حدود. والسؤال المشروع الذي يجب أن يُطرح الآن هو: لماذا تغيرت الحال، وأصبح غالب الناس ينظر إلى البلد الذي يعيش فيه على أنه شيء يجب سرقته؟ وأن الممتلكات العامة نهيبة لكل فهلوي يستطيع الحصول عليها دون أن تناله يد العدالة؟

لِمَ تغيرت التركيبة الشخصية للمواطن المصري؟ ومن المسئول عن هذا التغير؟

        بالطبع كانت هناك قضية للمواطن المصري يعمل لها، والآن لا قضية. كانت الحكومة تعمل ليل نهار على أن تقدم شيئا مهما ومفيدا للوطن والمواطن، وعندما أعلنت الحرب كانت الحكومة في أزمة حقيقية، وقد شعر الشعب بأن الحكومة صادقة في التعامل مع الأزمة التي تمر بها، وأن كل مساعدة يقدمها الشعب للحكومة في ذاك الوقت إنما هي مساعدة واجبة، ونتيجتها تعود إلى الشعب كله، ولا تختص بها الحكومة، ومن ثم فقد اندفع الشعب يعطي بلا حدود؛ فقدم كل ما لديه من إمكانات يمكن أن تساعد الحكومة لإدارة أزمتها إدارة جيدة، والوصول بالشعب إلى برِّ الأمان.

        والآن يرى الشعب أن الحكومة تختص نفسها بأشياء يُحرم منها المواطن، وقد اتجهت الحكومة بنظم التعليم فيها وجهازها الإعلامي لتمييع القضايا، وإضاعة الشخصية المتكاتفة التي تجلت بوضوح في أثناء حرب أكتوبر، فقد أصبح الإعلام يصور حياة بعض المترفين (وهم قلة) بصورة تكرس الإحساس بالنظام الطبقي لدى البسطاء (وهم الكثرة) مما جعل الجميع ينظر إلى الحكومة ومن إلى جوارها من المقربين على أنهم من جنس آخر، ومن طينة أخرى، وبدأ الشعب يشعر بالفارق الكبير الذي بينه وبين حكومته.

        اتخذت الحكومة لنفسها من التدابير ما يحميها من الشعب، وكأنه العدو الأول الذي عليها أن تحذره، فلا تجد مسئولا كبيرا يسير دون حراسة، ولا يستطيع فرد من عامة أفراد الشعب أن يخاطب مسئولا كبيرا وجها إلى وجه إلا مصادفة ونوعا من الدعاية الإعلامية، ولا يستطيع عامة الشعب أن يجدوا قوتهم في سهولة ويسر، وفي المقابل يجدون الإعلام يصور لهم بعض الأفراد يعيشون حياة خرافية في نظر أفراد الشعب.

فعلى سبيل المثال يقوم التليفزيون من حين لآخر بعرض أفلام أو مسلسلات يصور فيها أسرة تعيش في فيلا خاصة بها، وبهذه الفيلا من الأثاث والمفروشات ما يكرس الطبقية وينشر الحقد في طبقات الشعب الفقيرة، وهم كُثر- كما ذكرت آنفا- في مقابل أن معظم أبناء الشعب يعيشون في صناديق أو علب صغيرة تكاد أنفاسهم تخنقهم من ضيق المكان، يتوسدون أذرعتهم أوبعض الوسائد البسيطة البالية، ويلتحفون ما تيسر من البطاطين الفقيرة التى يستخدمها أفراد القوات المسلحة في التدريب والمخيمات العسكرية.

        هل يمكن لعالم نفس أن يصور لنا شعور أولئك البسطاء وهم يشاهدون هذا المسلسل بما فيه من مظاهر الغنى والترف، وهم على ما هم عليه من حياة الفقر والتقشف غير المختار؟ هل يمكن لعالم اجتماع أن يحلل لنا هذا الموقف، ويفسر لنا رد فعل هذا الشعب المسكين الذي انعزل عن حكومته، وصارت هي تستمتع بمقدرات الشعب، والشعب يتضور معظمه جوعا؟

        هل يمكن لنا أن نتخيل رد فعل الشعب وهو يرى هذا الترف من جانب ويعيش هذا التقشف من جانب آخر؟

        ثم تأتي تصريحات لا يمكن لأحد أن يصدقها بأن الحكومة تعمل على رفع المعاناة عن محدودي الدخل. ومن هم محدودو الدخل الذين تقصدهم الحكومة؟ هل تعني الحكومة الذين لا تكفيهم دخولهم لكي يحيوا حياة كريمة؟ إن كانت الحكومة تقصد ذلك فكل الشعب إذن من محدودي الدخل مع استثناء كبار رجال الأعمال واللاحقين بهم، والسادة الوزراء ونوابهم، وما عدا هؤلاء فهم من محدودي الدخل. فهل تعني الحكومة حقا أنها سترفع المعاناة عن الشعب جميعا؟

لا أحد يمكنه أن يصدق ذلك.

يا حكومتنا الذكية؛ لقد ذكرتنا بجحا حين كذب ثم صدق الكذبة.. فكفاك ما فعلت بنا، ونستميحك عذرا بأن ترحلى عنا غير مأسوف عليك بعد كل الجنايات التي ارتكبتها بحق شعبنا المسكين، وأخطر تلك الجرائم جريمة تمييع الشخصية المصرية، وبث الأنانية بدل التكافل، وتكريس الطبقية بأبشع صورها.

فلترحلي ولتتركي الأمر لغيرك كي يعيد بناء الشخصية المصرية على أسس من العدل الاجتماعي، وتقريب الفوارق الكبيرة بين الطبقتين الحاليتين، ويعيش مع الشعب على أنه واحد منه، لا على أنه عدو له.

د. حسن محمد عبد المقصود

كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز