المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
صراع الامم ... دراسة في حلقات ج 16

تتصرف الأمم والدول وفقا لمصالحها وحدها ، أو على أقل تقدير ، بإعطاء هذه المصالح أولوية خاصة  A priori)  ) فى أعمالها سواء كانت هذه الأعمال إيجابية أو سلبية ، علنية أو خفية ؛ وقد تتوافق هذه المصالح ، ولو فى مرحلة معينة ، مع رغبات وتصرفات أمة أخرى أو دولة ثانية ، أو مجموعة بذاتها أو نظام بعينه ، فإذا بالأمة أو الدولة على محالفة مع غيرها ممن تتفق مصالحهما معا .

وقد يستمر هذا التحالف خلال فترة محددة ، أو أثناء مسألة بذاتها ، ثم ينفض وينتهى ، وقد تتوافق المصالح لمدة طويلة فى مسائل كثيرة ، فيظل التحالف طويلا ؛ لكنه من الخطأ الكبير أن يُطلب من أمة أو من دولة أن تتصرف بما فيه مصلحة أمة أو دولة أخرى ، خاصة إذا ما كان فى هذا التصرف ما تراه الأمة أو الدولة التى يُرجى منها القرار أو التصرف ، ضارا بمصالحها أو بالأقل كان لا يتفق على نحو أو آخر مع أهدافها وأغراضها .

بهذا التقدير يمكن فهم سياسة وتصرف كل من الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتى وبريطانيا وفرنسا ، وغيرها ، فى الشرق الأوسط ، وفيما يسمى صراع الأمم .

(ق) بمجرد قيام الانقلاب فى يوم 23 يوليو 1952 أُوفد ضابط عن الانقلابيين (على صبرى) إلى السفارة الأمريكية ، ولم يذهب موفد منهم إلى السفارة البريطانية ، مما كان يقطع بسفور الإتجاه إلى الولايات المتحدة بدلا من بريطانيا ، وهو ما كانت الولايات المتحدة تُخطط له وتعمل على تحقيقه ، إذ كان من مقتضى وجود نفوذ لها فى الشرق الأوسط أن يزول النفوذ البريطانى والنفوذ الفرنسى منه .
وفى الأسكندرية جلس القائد العام للقوات المسلحة الفريق محمد حيدر فى مقهى وصرح بأن الانقلاب زوبعة فى فنجان ، ولم يتحرك إلى المناطق العسكرية فى الأسكندرية ، ولا إتجه إلى القاهرة مباشرة لمواجهة هذه الزوبعة ؛ ذلك لأنه كان على علم بها ، إن لم يكن هو صانعها ، إنتقاما من فاروق كما هدد وتوعد ، وربما إتفاقا مع السياسة الأمريكية التى كانت تستهدف من قيام إنقلاب عسكرى تغيير البنية الأساسية لمنظومة الحكم فى مصر حتى تستبعد بريطانيا ، وكى تتخلص من الديمقراطية النامية فى مصر ، التى كانت تتجه بالوفد إلى التحالف أو حتى التوافق ، مع الإتحاد السوفييتى ؛ وهذا ما يؤكد أن سياسة الوفد الخارجية ، وحقيقة حالته الداخلية ، كان لهما أبلغ الأثر فى حدوث إنفجارات متوالية فى مصر ، ثم فى الشرق الأوسط ، ساعدت فى تفعيل وتضخيم صراع الأمم .

(ر) منعت الولايات المتحدة بريطانيا من تحريك قوات عسكرية من الإسماعيلية إلى القاهرة للقضاء على الإنقلاب . وهذا التحرك كان قد دخل فى حسابات قادة الإنقلاب ؛ وبالتفاهم مع قيادة الإخوان المسلمين  ، وقف أفراد من جهازها السرى ، على طول الطريق من الإسماعيلية إلى القاهرة لمنع وصول القوات البرية إلى القاهرة بسهولة وسرعة ، لكن التدخل الأمريكى وقف التحرك العسكرى البريطانى ، وكان بذلك عاملا حاسما فى نجاح الإنقلاب .
واستطاع السفير الأمريكى فى القاهرة آنذاك (جيفرسون كافرى) أن يُقنع الملك فاروق بالتنازل عن العرش لإبنه ، وهو يمنّيه بأن ذلك لن يكون إلا لفترة قليلة يعود بعدها ملكا لمصر كما كان ، الأمر الذى دفع فاروق إلى أن يتنازل عن العرش بسهولة ويسر ، ثم يخرج من مصر فى هدوء ، وهو يظن أنه فى رحلة مؤقتة ، بينما كانت مغادرته مصر فى إتجاه واحد لم يعد منه أبدا ، (وهذا الذى حدث مع فاروق تكرر بنصه مع شاه إيران عام 1979) ووقف كافرى يودع فاروق وهو يغادر مصر ، وكأنما كان يطمئنه حتى يغادرها فى هدوء دون أية مقاومة .

(ش) كان الاتفاق بين قادة الانقلاب أن يعمدوا إلى تطهير الجيش من المفسدين ، كما جاء فى البيان الأول لهم ، وأن يعملوا على إعادة الديمقراطية التى وقر فى ظن  الشعب المصرى أن فاروق كان هو العائق أمام تحقيقها ، فأيدوا الإنقلاب بشدة ، لكن توالى الأحداث بسرعة ونجاح أدى إلى سقوط كرة الحكم وصولجان السلطة فى حجورهم  ؛ وكما يحدث عادة ، فإن كثيرا من الساسة القدامى أرادوا استغلال قادة الإنقلاب لتنفيذ أغراض لهم ، كانت فى الأساس ضد وجود الوفد وعودته إلى الحكم ، باعتباره صاحب الأغلبية آنذاك . وعزز ذلك رغبة أكثر قادة الانقلاب فى عدم إفلات الحكم والسلطة منهم ، فوقع صراع عنيف بينهم ، وقف فيه محمد نجيب (قائد الثورة) فى جانب عودة الديمقراطية ، ومعه يوسف صديق ذو الميول الماركسية ، والضابط الذى حرك القوات التى وقع بها الانقلاب ، واستولى على قيادة الجيش كما قبض على قادته ، وكان فى هذا الجانب كذلك خالد محيي الدين الذى كان يُلقب بالصاغ الأحمر ، وهو الذى ذكر فى كتابه "الآن أتكلم" أنه حلف يمين الولاء للنظام السرى للإخوان المسلمين هو وعبد الناصر معا ، وأنهما كانا معا كذلك عضوين فى التنظيم الماركسى "حدتّو" . وإلى جانب هؤلاء ، وقفت أكثر قوات الجيش ، وكان فى الجانب الآخر باقى أعضاء مجلس قيادة الثورة برياسة عبد الناصر .
وقد صار من المؤكد حالا (حاليا) أن الولايات المتحدة نصرت ودعمت الإتجاه الدكتاتورى على الإتجاه الديمقراطى ؛ ذلك أن سياستها فى الشرق الأوسط آنذاك ، ما كان يمكن تحقيقها أو تنفيذها إلا من خلال نظم ديكتاتورية ، أو شبه ديكتاتورية ، أو شمولية أو أوتوقراطية ، تستبعد كلها جميع الشعوب من العمل السياسى ، ومن المشاركة فى صنع القرار ، والمساهمة فى إتخاذه . وبهذا إنتهت أزمة مارس 1954 بإنهزام الديمقراطية وإنتصار  الدكتاتورية .

(ت) اتجهت الوزارة التى تشكلت  برياسة عبد الناصر إلى المفاوضة مع السلطات البريطانية للحصول على معاهدة تنتهى بالجلاء عن مصر ، بلا قواعد ولا تحالف ، أى على نفس النهج والمسار الذى تحدد خلال  وزارة الوفد الأخيرة . وحدثت عقبات فى المفاوضات ذللتها الإدارة  الأمريكية ، فإنتهى الأمر إلى معاهدة بجلاء القوات البريطانية عن مصر (19 أكتوبر 1954) ، وكان الثمن هو الفصل بين السودان ومصر ، وهو الوضع الذى تسبب فى نكبات عظمى لكل من مصر والسودان ، كان الساسة القدامى يضعونه فى التقدير ، ويرفضون الموافقة على أية معاهدة يتحقق بها الجلاء عن مصر ، ما لم تتضمن الإعتراف  بوحدة وادى النيل .

(أأ) بعد توقيع المعاهدة مع بريطانيا ، تصورت الحكومة المصرية أنها تفرغت لحل المشكلات الأخرى ، لكن السياسة الأمريكية كانت تريد  توجيهها إلى عقد صلح مع إسرائيل والدخول فى حلف بغداد ، الذى كان صيغة أخرى لحلف البحر المتوسط ، الذى كانت حكومة الوفد قد رفضته من قبل .وبهذين المطلبين أثبتت السياسة الأمريكية أنها لم تكن قد فهمت بعد نفسية وعقلية العرب ، ومنهم المصريون . ذلك أن هؤلاء وهؤلاء يحملون عواطف وطنية عارمة ومشاعر قومية جياشة ، وقد قامت الثورة المصرية عام 1919 على مبدأ إخراج السلطة البريطانية وتحقيق إستقلال مصر ، وظلت الأجيال تتوارث هذا المبدأ الذى تركزت حوله وتحددت فيه آمال المصريين . وكان بعض الزعماء ، فى ثقافة شفهية كلامية ، يلحّون على هذا المبدأ لتهييج الجماهير (أو الجماهر ، على المفهوم الذى فصلناه فى دراسة لنا منشورة من قبل عن : هوس الجمهرة) ، خاصة إذا اقتضى الحال محاربة خصم أو إتهام منافس ، ومع كثافة وإستمرارية  تعبئة الجماهير بمبدأ الجلاء ووحدة وادى النيل ، لم يعد من الممكن لها أن تتنازل أو أن تحيد أو أن تتفاهم فى هذا المبدأ . ووقع الزعماء الذين ساهموا فى تعبئة الجماهير أسارى هذه التعبئة التى قاموا بها فلم يعد فى إمكان مصطفى النحاس زعيم الأغلبية أن يتفاوض بشأنها أو أن يقبل حلا وسطا ، فإما الكل وإلا فلا ، إما الاستقلال التام وإما الموت الزؤام ، على ما كان الهتاف الدارج آنذاك . وإذ كان عبد الناصر يهدف الى الزعامة ، خاصة أن الأوضاع السياسية هيأت له أسبابها ، فما كان من الممكن أن يقبل أمرا أو وضعا أقل مما كان عليه إجماع الشعب ، إلا إذا وقع حدث خطير ، أو عَمَل هو على إخفائه بمناورة ، أو مضى وقت طويل استطاع فيه تهيئة الشعب لقبول ما لم يكن يقبله ؛ وكذلك الشأن فى الصلح مع إسرائيل ، فلم يكن عبد الناصر عام 1954 قد صارت له زعامة شعبية تستغرق بشدتها أية معارضة أو منازعة حتى يقبل هذا الصلح . وكان الشعب منذ عام  1948  قد تمت تعبئته مرة أخرى بالعداوة ضد إسرائيل ، كما كانت هزيمة الجيش المصرى عامى 1948 ، 1949 صدمة مريرة له لايفيقه منها إلا الإنتصار فى حرب ضد إسرائيل ؛ يضاف إلى ذلك أن الانقلاب العسكرى كان قد ركز على هذه الهزيمة ليعزف على أوتار مشدودة لدى الشعب ويعدهم بالحرب والنصر ، وهذه كلها أسباب لم تكن تسمح لعبد الناصر أن يعقد صلحا مع إسرائيل ، فى أوانه وفى مكانه .

(ب ب) سمع بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل من شخص أجنبى كان فى مصر قبل أن يراه فى إسرائيل أن النظام العسكرى فى مصر لا يريد أن يدخل فى حرب مع إسرائيل ، إنما يريد أن يعمل فى هدوء لحل مشاكل مصر الداخلية ، فقال بن جوريون إن هذا هو أسوأ خبر سمعه . وذلك يعنى أن سياسة إسرائيل فى ذلك الوقت ، وإلى وقت بعيد بعد ذلك ، كانت تهدف إلى جر مصر إلى الحرب معها ، ما دامت لم تعترف بها ؛ لأن حل مصر لمشاكلها الداخلية ، وعملها على تنمية مواردها البشرية والمادية ، كان يجعل منها قوة ضخمة ، قد يتعذر على إسرائيل مواجهتها أو إجهاضها فى المستقبل ، وبعد أن تشتد وتستقر .
وفى عام 1955 إتفقت المصالح الإسرائيلية فى وقف أى تقدم لمصر ، مع المصالح الأمريكية فى رفع الهراوة أمام النظام المصرى ليكف عن معارضته الشديدة لحلف بغداد ، ومن ثم فقد هاجمت القوات الإسرائيلية موقعا مصريا فى العوجة بصحراء سيناء ، وجرح هذا الهجوم كرامة الرئيس عبد الناصر ، وأراد الانتقام لها ، أو على الأقل الاستعداد للرد على أى هجوم مماثل ربما يحدث فى المستقبل .

(ج ج) العمل السياسى البارع مثل لعب الشطرنج بمهارة ، بتحريك القطع فى حذق على مستوى رقعة الشطرنج كلها ، وبإدخال كل الإحتمالات المتوقعة من تحريك أى قطعة فى أى مناسبة . ومع أن كل لاعب حريص على الفوز والنصر ، فقد يتظاهر بغير ذلك ، وفى سبيل الغلبة قد يقدم قطعة كالطابية طعما حتى يدفع إنتباه الخصم عن الحصان ، وقد يسمح لهذا بإغتيال الفيل فرحا بذلك ، دون أن ينتبه إلى أنه خسر الوزير ، وهكذا .

كان يوجد قرار للدول الغربية بعدم تسليح أى بلد من بلدان الشرق الأوسط ، لكن الولايات المتحدة كانت ترغب فى مد إسرائيل بأسلحة منها ، ومن ثم عرض رجل المخابرات الأمريكى كيميت روزفلت على عبد الناصر أن يحصل على السلاح من الإتحاد السوفيتى ويزعم أنه من تشيكوسلوفاكيا ، حتى لا يؤدى عمله هذا إلى إستفزاز (إحراج) الولايات المتحدة ، وكأن هذه لا تعرف حقيقة الأمر . وبالفعل عقد عبد الناصر صفقة السلاح هذه ، وسوّقها للشعب تحت شعار "زود جيش أوطانك" (مع أن هذه الصفقة لم تكن فعالة لأن مدة التدريب على الأسلحة كانت ثلاث أشهر فقط) .

 وبهذه الصفقة حققت الولايات المتحدة أكثر من مكسب ، فقد مكّنتها من تزويد إسرائيل بالسلاح بدعوى حفظ التوازن بينها وبين البلاد العربية ؛ كما أنها ساعدت عبد الناصر فى تهريب أسلحة سوفيتية إلى الجزائر ، التى كانت الولايات المتحدة ترغب فى إخراج الفرنسيين منها ، وما كان فى مكنتها أن تزودها بأسلحة منها هى تقاوم به الجيش الفرنسى .

بصفقة الأسلحة السوفيتية دخل الاتحاد السوفيتى إلى منطقة الشرق الأوسط ليحقق حلم القياصرة ، وكانت الولايات المتحدة هى التى ساعدت على ذلك ، مما يؤكد ما أثبتناه من قبل فى دراسة سابقة عن مستقبل الشرق الأوسط (نشرت فى هذا الموقع) من أن بعض نظم الحكم وبعض الإدارات لا تسعى دائما  إلى السلام والهدوء  ، لكنها قد تعمل على إحداث إضطرابات  أو نشوب حروب أو خلق مشاكل ، تفيدها على المدى الطويل فى تحقيق سياستها ، وتنعش فى الوقت نفسه تجارة السلاح لديها . وأوضح مثال لذلك ما صرح به الجنرال فادرينكوف رئيس القوات البرية السوفيتية فى أفغانستان (1979-1985) ، من أن الولايات المتحدة كانت تعلم أن الاتحاد السوفيتى سوف يدخل بقواته إلى أفغانستان (وقد كانت تساعد المجاهدين منذ 3/7/1979) ، لكنها لم تصرح بذلك أو تشير إليه ، ولم تبد أية ملحوظة عنه ، ولم تصدر أى تحذيرات بشأنه ، لأنها كانت ترغب بالفعل فى أن تدخل القوات العسكرية السوفيتية إلى أفغانستان ، لأسباب متعددة ؛ منها أن يقع السوفييت فى مستنقع حرب العصابات ، وأن ترتب الولايات المتحدة النتائج التى استتبعت دخول القوات  السوفييتية إلى أفغانستان فى 24/12/1979 .

مفاد ذلك أن الولايات المتحدة ، لسياسة محسوبة لديها ، أظهرها تسليح إسرائيل ودفع مصر إلى الحرب معها ، سمحت للإتحاد السوفييتى بمهارة المخابرات وشطارة السياسات ، أن يدخل إلى الشرق الأوسط . وهذا الوجود السوفييتى فى مصر لم يستمر طويلا ، إذ بدأ عام 1955 ، وانتهى فعلا عام 1967 ، أى إنه لم يستغرق إلا أثنى عشر عاما ، خرج بعدها الإتحاد السوفييتى من مصر ، فى تجربة مريرة لهما ، وقد كانت هذه الفترة كافية لتحقيق أطماع إسرائيل التوسعية لتصبح إسرائيل العظمى ، فعلا لا هزلا ، مع عدم الإضرار بأى مصالح أمريكية على الإطلاق .
فاللاعب الأمريكى شد إنتباه خصمه إلى  الفيل ، بينما تحين بذلك فرصة لخطف الوزير ثم اغتيال الملك (Checkmate) ، وانتهى اللعب لصالحه تماما ، وعلى ما يقول المثل العربى "العبرة بالخواتيم" أى إن الخاتمة هى التى تحدد كم وكيف النجاح ، حتى إن بدت الأمور عكس ذلك أثناء اللعبة أو خلال العملية أو طوال الوقت .

(دد) فى عام 1956 صدر دستور جديد ، وأُجرى إستفتاء على رياسة الجمهورية صار الرئيس جمال عبد الناصر بمقتضاه رئيسا لمصر بنسبة (99.9 ٪) وهى النسبة التى صارت حسبة تقليدية فى أغلب بلاد العالم الثالث . وكان مقتضى ذلك ، فى المنطق الدستورى والتحليل القانونى ، أن تتحول الثورة (إن كانت بالفعل ثورة ) إلى نظام للحكم ، وأن يُصار بفقه الثورة إلى فقه الدولة ؛ غير أن ذلك لم يحدث ، فقد ظل عبد الناصر وهو رئيس الجمهورية ينزع فى أقواله وأعماله منزع قائد الثورة ، وهما وصفان متعارضان ، إذ لا يكون الثائر حاكما أبدا ، ولا يكون الحاكم ثائرا قط ؛ ذلك أن الثائر قد يتخطى فى أعماله وأقواله كل التقاليد والنظم ، ويتجاوز بتصرفاته وتحركاته كل القواعد والأعراف ، وليس ذلك الشأن فى الحاكم الذى يتعين عليه أن يصدر فى كل ما يقول ويعمل ، فى كل تحرك وتصرف عن إحترام كامل للدستور والقانون الداخلى والقانون الدولى ، بل والأعراف المستقرة محليا وإقليميا ودوليا .

وما حدث من عبد الناصر كان له أثران مهمان للغاية ، تغازلا وتناسجا ليكونا عاملا فعالا فيما يسمى صراع الأمم (أولهما) أنه إستن نهجا خاصا ، انتهجه من بعده ، وعلى غراره ، كل الرؤساء العسكريين فى البلاد العربية ، فخلطوا ما بين الثورة والدولة ، واضطربوا بين الإحترام الواجب عليهم للقوانين والخروج اللازم لهم على القوانين . (ثانيا) أنه أتخذ قرارات مصيرية للشعب المصرى والعربى بأسلوب قائد الثورة الذى لا يلتزم شيئا ؛ مع أنه إستخدم فيها أدوات الدولة ، كرئيس للجمهورية . وفيما يتصل بصراع الأمم ، فإن ذلك يظهر بجلاء فى واقعات ثلاث ، وهى فى الحقيقة واقعة واحدة ذات ثلاث مراحل .

• فى 26 يوليو 1956 ، وبعد جلاء القوات البريطانية عن مصر فى 18 يونيو 1956 ، وقّع عبد الناصر قرارا بقانون يقضى بتأميم شركة قناة السويس . ومع أنه إستخدم فى هذا التأميم أداة الدولة ، وهو القانون ، فإنه لم يتّبع آلية الدولة ، بل إلتفت عنها ، فلم يعرض القرار بقانون على مجلس تشريعى منتخب من الشعب ، إنتخابا حرا نزيها ، ولم يأخذ رأى مجلس الوزراء ، ولا حتى مجلس قيادة الثورة ، ولم يعرض الأمر على الدبلوماسية المصرية لإبداء الرأى ، ولا على هيئة أركان الجيش لتقدير العواقب العسكرية ، ولم يستشر رجال القانون المختصين (العالمين والمخلصين) بالشئون الدولية ، لكنه تسلح بالسرية التى لا يجوز أن تكون عماد تصرف رئيس الجمهورية . وقبل إعلان القرار بساعات قليلة جمع أعضاء مجلس الثورة وأعضاء مجلس الوزراء ، وذكر لهم ما إستقر عليه رأيه وأجمع عليه قصده ، فصفقوا جميعا ، ولم يجرؤ أحد على الإعتراض أو حتى على طلب تقدير الإحتمالات وحساب العواقب .
وبعد إعلان قرار التأميم تبين أن التأميم ليس تأميما بالمعنى  القانونى ، لكنه كان مجرد إستيلاء على المجرى المائى للقناة ، والمبنى الإدارى لشركة قناة السويس ، مع بقاء أسهم الشركة فى أيدى حامليها (Shareholders) البريطانيين والفرنسيين ، ونصح بعض المستشارين القانونيين بشراء الحكومة المصرية لهذه الأسهم  حتى لا يتقدم حاملوها بطلبات إلى القضاء البريطانى أو الفرنسى فيأمر بتوقيع الحجز على طائرات أو بواخر لمصر بما يعطل ملاحتها الجوية والبحرية ، وإضطرت الحكومة المصرية إلى تكليف سمسار يهودى يقيم بالاسكندرية فإشترى لها الأسهم ، بعد أن دفعت ثمنا غاليا . أما باقى الأسهم التى كانت فى يد الحكومات أو الهيئات فقد دفع فيها ثمناً باهظاً نتيجة لما تم عليه الإتفاق فى مؤتمر بروما سنة 1959 .
ولو أن رأى هؤلاء المستشارين العلماء المخلصين كان قد أُخذ إبتدأ لما وقع التأميم بهذه الصورة ، ولتفادت مضر تداعياته الخطيرة التالية .

• انتهزت كل من بريطانيا وفرنسا هذا التأميم فرصة تستغلانها لإستعادة نفوذهما فى الشرق الأوسط ، وقد أدركتا أن الولايات المتحدة قد سلبته منهما ، واتفقت مصلحتهما مع إسرائيل ، فوقع العدوان الثلاثى فى 29 أكتوبر 1956 . ولما أنذرت الولايات المتحدة أولا كلا من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالجلاء من المواقع التى إحتلتها ، ثم تبعها الإتحاد السوفييتى ، بإنذار مماثل ، خرجت جميعا ، لكن إسرائيل (التى خرجت فى مارس 1957) حصلت مقابل جلائها على حق المرور فى خليج العقبة ومضايق تيران ، وثبت لها ذلك فى وثيقة سرية مع أمين الأمم المتحدة (يوثانت) ، ومع وجود شرطة دولية فى أرض مصر وعلى حسابها لحماية هذا الحق . ومنح حق المرور لإسرائيل فى خليج العقبة أمر خطير كان ينبغى أن يوافق عليه المجلس التشريعى ويعلم به الشعب ، إن كانت الأمور تدار فى دولة وليس فى ثورة .

• عندما أرادت الولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء عهد عبد الناصر ، وتحقيق مكاسب جديدة لإسرائيل عملت على إستفزازه بإعلان ما  ورد فى الاتفاق السرى من السماح لإسرائيل بحق المرور فى خليج العقبة ومضايق تيران ، وهو فى القانون الدولى عمل من أعمال الحرب ، وبهذا تم استدراج النظام المصرى إلى حرب 5 يونيو 1967 التى أسفرت عن نتائج سوف يظل أثرها ، وتفاعلاتها وتداعياتها ، مستمرة حتى قرنين مقبلين من الزمان . على أن أهم الآثار هو إستيلاء إسرائيل على القدس وحائط المبكى الذى كان اليهود قد مُنعوا من زيارته منذ عام 1948 .
والاستيلاء على القدس هو الذى سوف يفجر صراع الأمم ، على نحو تفصله الدراسة القادمة .

من المحرر:

لقراءة الحلقة 15 من هذه الدراسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=18038

 لقراءة الحلقة 14 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17943

 لقراءة الحلقة 13  انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17890

لقراءة الحلقة 12 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17733&a=1

 لقراءة الحلقة الحادية عشرة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17664

لقراءة الحلقة العاشرة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17579

 لقراءة الحلقة التاسعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17467

 لقراءة الحلقة الثامنة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17372

لقراءة الحلقة السابعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17296

 لقراءة الحلقة السادسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17205

لقراءة الحلقة الخامسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17137

لقراءة الحلقة الرابعة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17049&a=1

لقراءة الحلقة الثالثة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17000&a=1

لقراءة الحلقة الثانية انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16910&a=1

لقراءة الحلقة الاولى انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16815&a=1


طارق   مقال أكثر من رائع   October 15, 2010 8:26 AM
مقال أكثر من رائع و تحليل موضوعي بعيد عن العواطف و المشاعر.

ابو سفيان ابن حرب الاموى   انجح انقلاب دبرتة المخابرات الاميكية   October 22, 2010 4:58 PM
1- لانة فوت على مصر -ومن ثم على الدول العربية --فرصة تطور ديموقراطى حقيقى سيواكبةازدهار اقتصادى
2- نجح فى سلخ السودان عن مصر وهو الشىء الذى وافق علية العسكر بسهولة ووجد معارضة ضارية من الملك والنحاس
3-وضعت امريكا نعلها الغليظ فى المنطقة واستولت على ثرواتها وتعاقبت الانقلابات العسكرية تعصف بالمنطقة ولا خوف منها فمصيرها الارتماء فى الحضن الامريكى مما ساعدة بالنفراد بالعالم كقطب اوحد
هذا قليل من كثير الم اقل انة انجح انقلاب دبرتة المخابرات الامريكية فى تاريخها
شكرا لسيادة المستشارعلى مقالاتة وتحليلاتة الرائعة وننتظر المزيد







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز