نورالدين أماريب
namarib256@yahoo.com
Blog Contributor since:
01 June 2010



Arab Times Blogs
الدعاة المسلمون و غياب الشمولية في الفكر و الخطاب .

      لا يكاد يختلف اثنان في أهمية الدور الذي اضطلع به الدعاة المسلمون على مر التاريخ , و لا يكاد أحد يبتغي الغض من مكانتهم في قلوب المسلمين ,كما لا يروم احد إنكار فضلهم على المسلمين و دينهم منذ فجر الاسلام , حيث كانوا للعامة نبراسا منيرا , و للسلاطين كانوا مبشرا و نذيرا , و يعلم الله وحده جسامة المامورية الواقعة على من أخذ على نفسه دعوة الناس الى صراط ربهم , انها مسؤولية يمكن وصفها بكل وصف  الا بالسهولة . و لارتباط مهمتهم هذه بالناس , و بحكم خضوعها لسيرورة الزمان و انصياعها لخصوصية المكان , كانت دائما يُراد منها التجدد و الاصطباغ بروح المواكبة , و القدرة على الانسياب الى دواخل الافراد و الجماعات و الاحاطة بفكرهم و ثقافاتهم بغية تحصيل فرص اتصال أكبر قد تتيح وسطا ملائما لما يرومونه من تبليغ , و تفتح الأبصار و الأفئدة لما يرجونه من اقناع و هداية . غير أن دعاتنا في أيامنا هذه نسأل الله لهم جزيل الأجر و الثواب , غيبوا أو يكادون مفاهيم الحيوية و المرونة الفكرية التي إن نهجوها فسيكون لجهودهم من الاثر ما لم يكونوا يحتسبون .

   أول ما يُلا حظ على الدعاة و الوعاظ في عالم اليوم , هو قلة المامهم بمن يواجهون , فهم في واقع الحال غير دارين بالخصم الذي ينازلون , أهو الشاب المحترق بلهيب الغرائز الراكض خلف نداءات الضلال و الانفلات الأخلاقي لا يلوي على شيء ؟ أهي الفتاة التي عصف العصر بعقلها عصفا و أتتها إغراءات الزيغ عن الأيمان و عن الشمائل فهي لا تعرف أين المفر؟ هل ينبغي على المرشدين و حاملي لواء الدعوة أن يولوا دعوتهم صوب أصحاب القرار و الممسكين بزمام الامور من اولي الحل و العقد ؟ الحقيقة أنه بقدر ما يتبين للداعية و المرشد من ينازله , يكون أوفق في اختيار سبيله , و أنجب في تبليغ رسالته إلى قلوب الناس .

  إن الدعاة المسلمين اليوم في منازلة فكرية و روحية مع أعتى مذاهب الفكر و مسالك الثقافة المختلفة التي لا تدخر نفسا و لا نفيسا في سبيل مد رقعتها على الأرض و على عقول الناس , و ما الفرد المسلم و غير المسلم الذي يحسبه دعاتنا خصمهم الا ضحية محتجز في خطوط النار رغما عن أنفه , خطوط نار خَلْفها صناديد غلاظ شداد يريدون لتهلكاتهم الفكرية أن تنتشر و لا يهمهم كيف و لا أخواتها , إن الدعاة اليوم في مواجهة وسائل إعلام يُضخ فيها من الأموال ما يطير لسماعه الرشد , و هي منابر مشتعلة نار ضيافتها لكل ذي لسان ضال مضل أو قلم سام يروم بث سمه في الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا , و كل من أراد حمل لواء الدعوة و خوض غمارها , عليه أن يستحضر حجم الداء و من وراءه فذلك أنفع له في مسيرته الدعوية .

  سمعت يوما بعض دعاتنا يصر على سامعيه أن يصلوا ركعتين ثم يدعوا بما شاؤوا و قد يكون في ذلك بداية النهاية لكل معاناة , و بشرا بين يدي كل خير , و لا أحد يجهل فضائل الصلاة و التضرع إلى الله تعالى و الابتهال بين يديه سبحانه , و لا ينكر أحد أن يكون حُرم بركاتها رغم إتيانه بها على وجهها , و لكن كيف غاب عن داعيتنا أن يستثمر من وقته أقصره , و من جهده أهونه ليقوم بما قام به رسول الله في الناس قبل أن تفرض على الناس صلاة ؟ لم أعرف لماذا أبى ان ينبه سامعيه الى أهمية جودة الفرد و حسن تكوينه الروحي و الفكري , و أن ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بتحقق مبتغاه من صلاة الركعتين , قبل تسليم الفرد إلى نفسه و تركه إلى ذاته كم هو جدير بالدعاة و المرشدين أن يتحققوا من جاهزيته للقيام الذاتي و استعداده للتحليق منفردا دون أن يُخشى عليه , و ذلك لا يكون إلاّ  ببناء فكره و عقيدته بناءا محكما , و موازنة تركيبته الشخصوية عبر تركيز أكبر قدر من القناعات و أسس التفكير السليم , لأن الإسلام لم يأت دينا ليُصدّق فحسب , أو ليُمَارَسَ و كفى , بل أتى كذلك لتعيه العقول و تتشربه الأرواح فيفيض عزة في القلوب و نباهة في الأبصار و حكمة في الألسن , فإذا صُليَت الركعتان بعد ذلك , فبها و نعمت , يكون لها في نفس المؤمن عظيم الأثر و يرجو منها كبريات الفضائل.

    كما يلاحظ في الكثير ممن أخذوا على عواتقهم الدعوة إلى سبيل ربهم محدودية الإلمام بالمظاهر الحقيقية للانحراف و الفساد في أمتهم , فترى أحدهم غاضبا لأن الناس تركوا النوافل , و تجد الآخر ناقما لأن المسلمين لا يفشون السلام , و حق لهما أن يغضبا , و لكن حري بهما أن لا يقف إدراكهما عند خللين لا يُجاوزهما , حبذا لو أحاط المرشدون علما بجل انحرافات و أمراض الأمة المستشرية, أخلاقية كانت أو معاملاتية , جنسية كانت أو فكرية , و لا بأس في إحاطتهم بأصناف المخدرات و المسكرات , و علمهم بمكامن الزلات , لأنهم أطباء الأرواح و النفوس , و أقل ما يُرجى من الطبيب هو معرفته بطبيعة الداء , و ذلك لا محالة سوف يكون لهم عونا على العودة إلى شط الامان و على أكتافهم العديد ممن أُحكمت حولهم حبال الإدمان و سُلبت منهم الإرادة في منازلة الضلال .

   و هناك فريق آخر من دعاتنا جزاهم الله عنا خير الجزاء , ممن اقتصر دعوته على تحريك المشاعر , و راهن على مخاطبة الأحاسيس مُرغّبا مُرهّبا , يجول بالناس بين الجنة و النار , مهيبا بهم للفوز بالأولى , محذرا لهم من الثانية و شرها , و لو علم هذا الفريق ان من الناس من يتبع مللا و أديانا تبشر اتباعها أن مصيرهم إلى الخلد في جهنم فما يكون من أمرهم ؟ هناك معتقدات لها من التابعين نصيب غير قليل تتمنى ان تكون صيرورتها الى نار جهنم , فما يضيرها إن قال لها أحد أن جحيما في انتظارهم ؟ سيقولون ذلك ما كنا نبغي . إن القاريء لسورة البقرة يلاحظ فيها من الإشارات الربانية الشيء العجيب , فالله سبحانه و تعالى يُنوع أساليب خطابه علما منه جل و علا بتنوع المخاطَب ,فللذين يخافون العذاب الأليم , ينصحهم بأن يقوا أنفسهم و أهليهم نارا وقودها الناس و الحجارة , فتقع نصيحته تعالى لهم حيث يشاء فإذا هم مهتدون , و لمحبي النعم و الخيرات و متمني المواهب الإلهية يعدهم جنات تجري من تحتها الأنهار , و لذلك الوعد الرباني ما له في النفوس التي تطلب الجنة و نعيمها , أما لأرباب الفكر و عشاق التحديات الذهنية فلا يضل ربي و لا ينسى , "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " قمة الإفحام و روعة الختام , لا تمدّنّ عينيك , إن هذا هو القصص الحق , و أما لهواة البلاغة و متتبعي عالي البيان فلهم في آية الكرسي و سلاستها و روعة تركيبها ما تطيش له الألباب , هذه هي المدرسة الربانية المحيطة علما بمن خلق الله , لأن الله تعالى يعلم عدم جدوى الخوف مع بعض خلقه , قال عز من قائل " و نخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا "فلذلك يعدهم , و يعلم عدم جدوى الوعد مع بعضهم "ما وعدنا الله و رسوله الا غرورا" فلهذا يخوفهم ,و يعلم عجز البعض عن التفكر و التدبر " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " فيكون لهم في الترغيب و الترهيب ما يعيه الذهن البسيط , على دعاتنا أن يكونوا ذوي عقل و نقل , يرشدون المسلم الضال , و يحاجون الداهية المغرض ,و يجادلون عابد الشيطان بما يكسر فيه الغواية و يفتح ناظريه على النور الإلهي الذي طالما عمي عنه . و ختاما نسال الله لهم خير الجزاء , و إن اريد الا الإصلاح ما استطعت , و ما توفيقي الا بالله .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز