سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
كلمة السر لحل مشاكل وأزمات العرب

أعلم أنني تأخرت في كتابة هذا المقال،حيث أنني في نهاية الجزء الخامس من سلسلة مقالات«في رمضان...حال العرب مقلق ولا يسر»قلت بأن المقال القادم والذي يتضمن حلا مقترحا للحالة العربية الراهنة،سينتشر بمشيئة الله بعيد عيد الفطر،وهاهو شهر شوال قد ودعنا ونحن في ذي القعدة،وما أخر كتابتي ونشري لهذا المقال إضافة إلى كثرة المشاغل الشخصية العادية والطارئة؛ هو أنني ازددت قناعة بما سأقترحه من حل،لاسيما وأن الفترة الماضية شهدت تطورات دراماتيكية على الساحة العربية،فمخاطر الانقسام والتشرذم والفتن تهدد أقطار عربية عدة،وإسرائيل تمعن في استكبارها وصلفها بشكل لم يسبق له مثيل،مقارنة بهوان عربي قاهر،لا أريد أن أكرر ما ذكرته في سلسلة المقالات السابقة،كما أنني كنت في الفترة السابقة أراجع صفحات من تاريخ فردوسنا الضائع أي الأندلس،وشعرت بذهول وقلق شديدين،فما حدث لنا هناك يمكن أن يتكرر من جديد لتشابه الظروف والمعطيات.

وقد سأل بعض القراء عن العنوان «في رمضان..حال العرب مقلق ولا يسر»:هل حال العرب في شعبان أو رجب أو شوال أفضل منه في رمضان؟ وهم على حق في هذا،ولكن اختياري للعنوان هو أن شهر رمضان المبارك كان فرصة للوقوف وللمراجعة الذاتية وهذا ما حاولته في سلسلة المقالات الرمضانية المارة مرورا سريعا على حال العرب،والذي كتب عنه دراسات مفصلة وكتب محققة وعرضت على الشاشات برامج وحوارات كثيرة؛ولكن هناك اتفاق على أن حال العرب مزرٍ وهناك تدهور في كل مناحي الحياة،وأن مقولة «العرب في ذيل الأمم»لم تعد تصلح لوصف الحال،بل الأنسب القول أن العرب أصبحوا خارج صناعة تاريخ الأمم المعاصر.

العرب لم يعلنوا ولم يعلن أحد موتهم ،رغم ما هم فيه من شقاء وهوان على الناس،وتخلف ونفاق وتراجع متواصل،بحيث نشعر أن أمس أفضل من اليوم واليوم خير من غد،فهل إلى مخرج من سبيل؟الجواب:نعم،وأعلم أن لكل وجهة نظره في طريقة الخروج من الحالة الراهنة،وكثيرون يدلون برأيهم ولا أريد مناقشة كل رأي على حدة،إلا أنني أزعم وعن قناعة تامة ازدادت رسوخا في الأيام الماضية أنني أعرف كلمة السر لفتح قفل هذا الباب لنخرج من الانحطاط والتراجع.

هناك حل لو قدِّر للناس حكاما ومحكومين أن يعملوا به على بساطته وسهولته لأصبحت معظم- ولا أقول كل- مشاكل العرب على مستوى الأفراد العاديين تاريخا ونسيا منسيا.

 تمهيد

يحكى أن جمال عبد الناصر قال لأبي عمار:إذا قال لك أي زعيم عربي (يفهم ضمنا بمن فيهم عبد الناصر نفسه)أن لديه في درجه خطة من أجل تحرير فلسطين فلا تصدقه!

نعم هكذا كانت حقيقة الحال،ولهذا هزمنا في عام 1967م وأصبحنا نطالب بالتراجع عن نتيجة هذه الحرب التي خضناها؛ ولكن ورغم كل ذلك كان العرب في حالة معنوية جيدة جدا؛طرب الناس وتفاعلوا مع أغاني عبد الحليم حافظ الوطنية،وصفقوا لخطابات عبد الناصر القومية الثورية،وتجاوز الناس مسألة التفكير المبالغ فيه في لقمة الخبز وهم العيال،وعلت الهمم وسمت النفوس نحو هدف نبيل،أنا لم أولد إلا بعد الهزيمة وما تلاها من نصر ولو محدود(ولدت في 1974م) بيد أنني أستشعر كما يستشعر أبناء جيلي كيف كان الناس، وكيف تغيرت النفوس وتبدلت من المحيط إلى الخليج، وكيف انقلبت الأولويات من معالي وعظائم الأمور إلى سفاسفها وصغائرها.

أنا وكما يعلم الجميع لست ناصريا ولن أكون،وهذا آخر ما يمكن أن أوصف به،وأعلم الكثير عن أخطاء وخطايا تلك التجربة وما جرى في تلك الحقبة الزمنية من تراجعات، وأدرك أنه كان ثمة خطيئتين ارتكبتا:الأولى استبعاد العامل الديني العقائدي من المعركة خاصة النفسية والإعلامية، مع العلم أن الدين هو أهم المحركات وصاعق تفجير الطاقات لأمتنا،والثانية ملف حقوق الإنسان الذي شهد اختراقات وتجاوزات تقشعر لها الأبدان.

ولكن-والحق يقال-في المقابل كان العربي يمشي مرفوع الرأس،يعيش على الأمل،يحلم أحلاما جميلة بالنصر والنهضة والتحرر من الإمبريالية،والأنانية القطرية كانت شبه معدومة فعلى العربي أن يقف مع أخيه الواقع في محنة ويأخذ بيده،أما اليوم فإن الدين يحارب وإن بطرق أكثر ذكاء من مسألة الاستبعاد والتجاهل التي سادت قبل أربعة أو خمسة عقود،وملف حقول الإنسان اسألوا عنه من كان به خبيرا،مع ما ذكرته في المقالات السابقة من تدهور وتراجع،وشعور العربي-عموما-بالنقص والحيرة والعجز عن مواجهة المؤامرات والتحديات.

هذا وكما قلت،أن قيادة العرب،لم تكن جادة في نية تحرير فلسطين،ولكن خطابها الإعلامي وتوجهاتها السياسية الظاهرة  سمت بالإنسان العربي،وكان ما نراه من أزمات ومشاكل هذه الأيام أشبه بكابوس في تلك الأيام.

فحين وجه العرب سياستهم وإعلامهم نحو فلسطين ولم يتقوقعوا على أنفسهم،وحين كانوا ولو بالكلام يتصدون لإسرائيل،بل حتى إن هذه الكلمة(إسرائيل)لم تكن متداولة في الإعلام العربي قبل نكبة حزيران 1967م حين كانوا بالحد الأدنى مع فلسطين، كانوا بخير،أو أفضل حالا بكثير مما هم عليه اليوم...أليس كذلك؟هل يختلف أحد معي على هذه المسألة الهامة...أفرأيت لو كان العرب جادين فكيف سيكون الحال؟

كلمة السر والمفتاح السحري

فلسطين هي كلمة السر،وهي المفتاح السحري الذي سيفتح للعرب بوابة الخلاص  من كل البلاء الذي يعيشون فيه والذي يهددهم بمزيد من التمزقات التي ستحيلهم إلى شظايا عن شظايا موجودة منذ عشرات السنين.

فلسطين والالتفات الجاد نحوها من الشعب والحكومات والمعارضة والعوام والخواص وما بينهما هي بلسم الشفاء،فلسطين ستداوي الجراح، وتقي من الأمراض،وتقضي على الجراثيم.

هناك أسئلة وملاحظات متوقعة على هذه الفرضية منها ما هو ساخر أو يائس ، ومنها ما هو طالب للتفسير والتفصيل ومنها ما هو حائر ومتشكك،وسأحاول أن أجيب على هذه التساؤلات المفترضة في السطور التالية ضمنا،ولكن أنا أؤكد بلا تردد أن كل ما يعانيه العرب من مشاكل داخلية وخارجية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية سيحل معظمه إذا كانت فلسطين هي ما يوجهون نحوها البوصلة.

إن فلسطين لها علاقة بكل ما يجري في بلاد العرب من مشاكل وفتن كما أن هناك استحقاقات عقائدية وتاريخية وسياسية أجملها في الملاحظات التالية:-

1)      فلسطين هي مسرى النبي،صلى الله عليه وسلم، والقدس معراجه إلى السماء وهذا أمر لا يجوز التقليل من شأنه أو إبقاؤه في إطار الخطب والشعارات التي تلقي بمناسبات متفرقة.

2)      هناك استحقاق لشعب فلسطين على العرب؛لست هنا كي أنكأ الجراح، أو استحضار أوجاع الماضي،لكن هناك أخطاء وخطايا عربية بحق فلسطين؛لسنا من أوقف أو أجهض ثورة 1936م،ولم يبخل أهل فلسطين بدمائهم وأعمار أبنائهم واقتصادهم في سبيل وطنهم،ولكن وعند كل محطة كان الموقف العربي دون أدنى مستوى مطلوب للتعامل مع المعطيات.

3)      خطط تقسيم البلاد العربية مرة أخرى،والفتن الطائفية والعرقية مرتبطة بوجود إسرائيل ورغبتها بإبقاء من حولها ضعفاء ممزقين،فالعرب إنما يدافعون عن أنفسهم إذا ما حولوا البوصلة نحو فلسطين.

4)      لقد جرب العرب لسنوات طوال إهمال القضية الفلسطينية وإن غلفوا هذا الإهمال بكلام جميل منمق نحفظه عن ظهر قلب،فماذا كانت النتيجة عليهم أولا و قبل الفلسطينيين أنفسهم؟ضعف وفقر ومشاكل متصاعدة ومتنامية.

إرضاء أمريكا

من الأسئلة التي تطرح نفسها أو يطرحها من يستهجن فكرتي هي أن العرب يرغبون في إرضاء أمريكا وأفضل الطرق لذلك هي مهادنة إسرائيل وتقديم القرابين لها؛فكيف تطلب منهم إغضاب العم سام؟

لقد كتب الأستاذ عامر عبد المنعم مقالا بعنوان «أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان» فردت القيادة المركزية الأمريكية على هذا المقال بنفي ومناقشة سطحية لما جاء فيه،وأرى أن مجرد رد القيادة المذكورة على المقال تصديق لما فيه ولو أن الرد جاء نافيا مستنكرا،إن عدة دول بدأت ترفع صوتها في وجه أمريكا وتستخدم الـ«لا» في أكثر من موضع،إلا معشر العرب الذين تسببوا في تغوّل إسرائيل لتهاونهم معها إرضاء لأمريكا، ثم بمقياس الربح والخسارة ألا ترون أن أمريكا لا تخلص لحلفائها العرب وتسعى لتقسيم بلدانهم وتنبذهم رغم موقفهم من إسرائيل؟ فلم الاستمرار بهذا الموقف،ليس الأمر شعارات وأحلام وأمنيات بل منطق واحد زائد واحد،فلا فائدة من الجري وراء أمريكا عبر البوابة الإسرائيلية،هذه سياسة فاشلة بامتياز؛فلماذا محاولة تقليل حصة مصر من مياه النيل ،ولماذا تفتح المنابر الأمريكية لأصوات الانفصاليين المشعلين للفتنة الطائفية،مع أن مصر وقعت كامب ديفيد ،واتخذت سياسات كثيرة ليس هذا محل نقاشها،ولكنها لم ولن تسلم من مخططات التقسيم والتهميش والإضعاف،ومصر مثال على كثير من أقطار العرب.

أنظمة وشعوب

هناك من يقول بأن الأنظمة العربية لا تعبر عن شعوبها،فهذه الشعوب تواقة لنصرة فلسطين وشعبها،لكن المشكلة في الأنظمة، ورغم أن هذه المقولة لها رواج كبير في  أوساط العامة والخاصة من الناس إلا أنها تحتاج إلى تفنيد،وأنا شخصيا مللت من هذه المعزوفة التي لطالما رددها شيوخنا الأجلاء على المنابر وخطتها أقلام الكثير من كتابنا المحترمين ورددها الكثير من المتحمسين عبر الفضائيات أعني مقولة أن الأنظمة العربية في واد وشعوبها في واد،على العكس،فالناس على دين ملوكهم.

فالشعوب ليست في حالة انفصال عن الأنظمة،ولا في خصام معها،هذه أسطورة سخيفة،فأي حاكم عربي يستطيع ودون إيعاز تحريك مئات الألوف من الجماهير للتظاهر تحت الشمس الحارقة أو الأمطار الغزيرة ،وهم يرفعون صوره ويهتفون بشعارات الولاء له ولنظامه،هذا ليس نفاقا أو إجبارا كما يتصور البعض،هذه هي الحقيقة ودعكم من الأوهام،بل قد تضطر أجهزة الأمن والشرطة لتفريق هؤلاء المتظاهرين الهاتفين بحياة زعيمهم، وإذا انتقد شخص من القطر سين ولو بشكل مؤدب أو خجول زعيم القطر صاد تقوم قيامة الناس في القطر صاد، وتخرج منهم مواقف غاية في التعصب وإبداء الولاء للنظام.

والبعض يقول أن التظاهرات المتضامنة مع الفلسطينيين تقمع من الأنظمة وأجهزتها،وهذا قول مردود عليه من بابين؛الأول أن لا فائدة من التظاهرات ولا المسيرات إذا كانت معزولة عن أفعال حقيقية والثاني أن أجهزة الأمن تفرق المتظاهرين بالهراوات وخراطيم المياه، فيعتبر هؤلاء أنهم قاموا بواجبهم  وأنهم لا يستطيعون سبيلا؛بخ بخ،ما قولكم في الفلسطينيين الذين يواجهون أعتى آلة حربية في المنطقة فيسقط منهم الشهداء والجرحى الذي يتحول جزء منهم إلى طابور الإعاقات الدائمة وأسرى يقضون زهرات شبابهم وراء القضبان؟إن منطقة مساحتها لا تتعدى الكيلو متر مربع وعدد سكانها اقل من عدد سكان برج سكني في مدينة عربية (مخيم جنين)قد تصدت لألفي جندي إسرائيلي ومائتي دبابة متطورة وست طائرات أباتشي والعديد من الجرافات الضخمة التي سوت البيوت في الأرض،هذه حجج واهية،وأنا أؤكد هنا أنني لست بصدد الدعوة إلى التمرد على الأنظمة ومواجهتها في هذه المرحلة لأن هذا سيجر مزيدا من الخسائر فلا يربح العرب ويخسر الفلسطينيون وتكسب إسرائيل وهو ما سأناقشه في الفقرة التالية،وبالمناسبة مؤخرا سمحت السلطات في البلاد العربية بالتظاهرات والمسيرات بل وأحيانا تشارك فيها!

المعارضة وقضية فلسطين

بصراحة وعلى بلاطة أوجه نداء إلى المعارضة العربية عموما وجناحها الإسلامي خصوصا،وهو الأبرز والأكثر شعبية وتأثيرا،سواء من اختار معارضة النظم وسياساتها من داخلها عبر المشاركة في مؤسسات الحكم المختلفة،أو من اختار طريق العنف وسبيل المواجهة،أو من التزم ترك الشأن السياسي والاكتفاء بالتربية الروحية والدعوة إلى الله رافعا شعار من السياسة ترك السياسة،أقول لهم بلا مواربة ولا مجاملة:إنكم تقيمون الدنيا ولا تقعدونها من أجل رواية أو مقالة لكاتب يبحث عن الشهرة، أساء أو تطاول أو طرح فكرة شاذة، ربما تحت تأثير الكحول أو غيرها،وتنتفضون بسبب راقصة أو فنانة من ذوات اللحم الرخيص أساءت القول أو الفعل،فتجعلون من هؤلاء رموزا لها شهرة وحضور ومتعاطفين،وتزيدون من حيث تدرون أو لا تدرون حجم أرصدتهم في البنوك، وفي مقابل ذلك لا نرى منكم نفس الحدة والحماسة في الدفاع عن فلسطين التي تهوّد درتها بيت المقدس وتحرق بيوت الله،مع نسخ من كتابه العزيز في قراها،وتكتب شعارات تنال من نبيها على جدران هذه البيوت،فماذا دهاكم وأين هو فقه الأولويات في قاموسكم؟أم أن انقلابا في أولوياتكم قد سيطر على تصرفاتكم؟

أقول للمعارضة أن ثمة صفقة يمكن عقدها مع الأنظمة تتضمن زهدكم في الحكم على الأقل في الوقت الراهن،وابتعادا عن تضخيم مسائل تتعلق باللباس والمقاهي ودور السينما،بشرط أن توجه النظم بوصلتها نحو فلسطين،فهذا مربح لكم وللأنظمة على حد سواء.

إنكم إذا تسلمتم مقاليد الحكم سواء بطريقة ناعمة أو خشنة فلن تستقر الأوطان وما الصومال والسودان منكم ببعيد،فستحاصرون وتنشأ عندكم مشاكل العرقيات والطوائف،وسوف تنجرون بقصد أو بغير قصد إلى تأسيس نظام بوليسي يفوق في بطشه ما هو قائم اليوم،انظروا إلى الأحزاب الإسرائيلية فهي تختلف في كل شيء إلا مسألة الأمن،ولا ضير من الاتعاظ بالغير ولو كانوا أعداء.

ومن يحلم بالقضاء بالقوة على الأنظمة فهو واهم،فالخسارة ستكون على الأوطان والحريات والاقتصاد،وسيهاجر الملايين لغسل الصحون في النرويج أو السويد أو غيرها،ولن تربح فلسطين وسترتاح إسرائيل؛فهذه أنظمة أمنية بامتياز تمرست على البقاء والتحكم والسيطرة،أما حين تكون فلسطين هي محور الخلاف،فالأمر جد مختلف،فهي ستكون محور الاتفاق بين مختلف شرائح الشعب،ومن يشذ سيكون معزولا ومنبوذا،حاكما كان أو محكوما،سلطة أو معارضة،مسلما أو مسيحيا،سنيا أو شيعيا،قوميا أو اشتراكيا أوسلفيا أو صوفيا، فكروا بالمعطيات والحقائق والوقائع،واتركوا عنكم الأوهام ودعوا الأساطير جانبا.

وحين أوجه الكلام للمعارضة لا أنسى الأنظمة؛فالأنظمة باتت في خطر وجودي،وهذا ما يهمها،لأن مشروع السيطرة الإمبريالي له أطماع تتجاوز ما تظنه الأنظمة اتفاقا وتماهيا مع هذه المشاريع بحيث تضمن السلامة لنفسها،والحل وكلمة السر أولا وثانيا وعاشرا وأخيرا فلسطين ولاشيء سوى ذلك.

ما المطلوب بالضبط؟!

هل المطلوب أن يشن العرب حربا ضد إسرائيل؟هم غير جاهزين لذلك نفسيا ولا ماديا،وهذا الخيار أسقط من حساباتهم منذ سنوات طويلة.أعلم هذا،ولكن الرأي قبل شجاعة الشجعان،وكل شيء له أوان فالمطلوب أولا تغير الثقافة ونمط التفكير،واعتبار فلسطين كما قلت في البداية مفتاحا لحل جميع المشاكل العربية بأنواعها وتفرعاتها وأن يشعر العربي أيا كان وإلى أي شريحة ينتمي أن ثمة قضية عادلة عليه أن يجعلها أمام ناظريه.

لقد قرأت وشاهدت برنامجا أو أكثر عن أساتذة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية الذي انزعجوا حين رأوا الأمريكيين يصبون جل اهتمامهم على العناية بحدائق بيوتهم،فقرروا أن يوجهوا أنظارهم إلى قضية كبيرة وهدف اعتبروه ساميا وهو محاربة ما يعتبرونه شرا وكان الاتحاد السوفياتي هو ذاك الشر آنذاك،ثم انتقلوا لاحقا إلى محاربة ما يسمونه الإرهاب لاحقا،حيث اعتبر هؤلاء أن الأمريكي مطلوب منه أن يسعى لأهداف وقضايا كبرى.

فكيف الحال عند العرب وهم أصحاب آخر الرسالات،ومنهم آخر الأنبياء والمرسلين،وقضيتهم هي فلسطين التي هي في غنى عن الكلام والتعريف،أيكون مجانين المحافظين الجدد الذين عشش الوهم في عقولهم واستحوذت الخرافات على تفكيرهم، من الساعين للقضايا الكبرى لشعوبهم وأصحاب القضية العادلة يتلهون بالتوافه من الأمور؟

حين ينشغل الشاب بفلسطين فلن يكون جل اهتمامه بالتفحيط ولا بسوبر ستار ولن يتلهى بمعاكسة الفتيات بالمحمول أو في الشارع،ولن ينجر إلى عالم المخدرات والجرائم،فالهدف حين يقتنع به المرء يتغير سلوكه وينعكس الإخلاص للوصول إليه على تفكيره،فلا يعود مجرد كائن ممسوخ يأكل ويشرب. والفتاة حين تندمج مع فكرة الهدف النبيل لن تشغل نفسها بأفضل طريقة لإغواء الشاب باللباس الفاضح،ولن ترتاد الأماكن المميعة للأخلاق،وستكون الموضة في آخر اهتماماتها،لأن الأمر الذي يشغل تفكيرها أهم.

قد رشحوك لأمر لو فطنت له***فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

إن الفن والأدب حين يوجهان إلى فلسطين سيحققان الإبداع والتميز ويرفعان معنويات الناس،وقد تحدثت في بداية المقال عن أغاني عبد الحليم حافظ الوطنية،ونقرأ في تاريخ الحروب الصليبية كيف أن الشعراء والأدباء جعلوا جل همهم المساعدة بمواهبهم لتحرير ما اغتصبه الفرنجة من أرضهم،فأبدعوا بشعرهم:-

أتسبي المسلمات بكل ثغر*** وعيش المسلمين إذن يطيب؟!

                    أما لله والإسلام حق ***يدافع عنه شبان وشيب؟

فقل لذوي البصائر حيث كانوا*** أجيبوا الله ويحكموا أجيبوا

بل وقبل ذلك وفي حروب العباسيين مع الروم البيزنطيين تغير نمط القصيدة العربية التي كانت تستهل بالغزل دوما حتى لو كان محورها وموضوعها الرثاء،فهذا أبو تمام يستهل إحدى قصائده

              السيف أصدق أنباءً من الكتب*** في حدّه الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف *** في متونهن جلاء الشك والريب

علما أنه قبل هذه القصيدة التي نظمت عند فتح الخليفة المعتصم لعمورية،كان الشغل الشاغل هو مسألة خلق القرآن،والخوض المذموم في تأويل الأسماء والصفات،ولكن حين أصبح الهم استعادة الكرامة ،والاستجابة لصرخة المرأة الأسيرة:وامعتصماه،أبدع من لديه بذرة الإبداع،فيا من تتباكون أو تبكون على لغتنا وثقافتنا وفننا،في فلسطين ما يقلب بكاءكم فرحا وعزما وحيوية وجمالا.

 وفي الاقتصاد ستتراجع مفاهيم الاستهلاك والتنابز بين الناس لأنهم سينشغلون بتحقيق هدف سام.

 أما مخططات التقسيم فسوف تزول وسيدمغ من يدعو إليها بما يستحق حين يكون الهدف العام هو فلسطين...أنا أتحدث في عموميات أو أساسيات والأمر يحتاج |إلى تفصيلات كثيرة وشرح مطول،إلا أن الشيء المؤكد هو أن المشاكل والعقبات والمنغصات والأزمات والمخاطر التي تتهدد العرب حاضرهم ومستقبلهم ستزول إذا وجهوا بوصلتهم نحو أولى القبلتين وثالث الحرمين.

عمر الإنسان قصير

يقول البعض أن خمسة أو ستة عقود لا تساوي شيء في مقياس التاريخ وعمر الحضارات والأمم والشعوب،هذا صحيح على المستوى العام،لكن على المستوى الفردي هو مؤلم ومحزن،فهل يفترض بالفرد العربي أن يعيش ستين أو سبعين سنة هي عمره الافتراضي،في مذلة وهوان وغم ونكد وفقر ومؤامرات وشعور دائم بالدونية والقلق،أو غرقا في سفاسف الأمور وتوافه الأشياء؟

هذه نظرية يجب التخلص منها في سبيل أن يحيا الفرد العربي بكرامة.

عقود مضت على ذلنا وهواننا على الناس وتبعيتنا للشرق والغرب،ونلاحظ أن التراجع مستمر والإحباطات تترى،فلماذا لا يعيش العرب حياة كريمة كما كانوا؟ ولم لا يستعيدون عزتهم ويعيشوا مثل باقي الشعوب التي تحترم نفسها؟بيدهم ذلك،بشرط ألا يتركوا فلسطين تواجه مصيرها وفي التاريخ خير عبرة فحين دخل الفرنجة إلى القدس إبان الحروب الصليبية وقتلوا عشرات الألوف من الناس،لاذت حواضر العرب كبغداد ودمشق والقاهرة والحجاز بالصمت وتحلت بالسلبية فكانت النتيجة أنهم لم يسلموا من الأطماع الصليبية وعاشوا فترة في ذل وقلق وخطر وحتى أن بعضهم وضع يده في يد الصليبين ضد إخوانه،فلنأخذ العبرة من تلك التجربة المريرة.

ملاحظة:قال البعض أن فكرة تقسيم المقالات إلى أجزاء تشتت القارئ وتذوب الفكرة،خاصة أن الأجزاء الخمسة عن حال العرب نشرت في شهر رمضان حيث المشاغل كثيرة،فيفضل لو جمعت هذه الأجزاء مع هذا المقال في ملف واحد.هذه فكرة جيدة،وبمشيئة الله سأقوم بتجميعها لاحقا مع إدخال بعض الإضافات والتنقيحات.

 والله الموفق







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز