د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
أكتوبر والانتصار على الذات

في يوم السادس من أكتوبر العظيم 1973 تحقق نصر عظيم بتوفيق الله تعالى لجنودنا، وقادتنا في التخطيط والإعداد والتنفيذ، هذا على المستوى العسكري بكل ما له وما فيه وما أحاط به. أما على المستوى الاجتماعي والإنساني فقد كان النصر أكبر وأعظم؛ إذ اختفت الذاتية وحل محلها الوطن والأمة، فالنصر العظيم من الناحية العسكرية صاحبه نصر أعظم من الناحية الإنسانية.

وعلى المستوى المصري الخالص توحدت جهود الشعب المصري في كل مكان، وكنت صبيا لما أكمل العاشرة من عمري حين أذاعت الإذاعات المصرية نبأ العبور العظيم، وطرنا فرحا أطفالا وصبيانا وشبابا ورجالا ونساء، وتوحدت المشاعر، وارتقت صورة الإنسان فوق الإنسان، واختفت الحاجة، وشكوى العجز والفاقة؛ وإذا بالفقراء الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئا يستدينون ليتبرعوا للمجهود الحربي، ومن كان عنده القليل حاول بيعه ليقدم ثمنه لأولئك الذين على خط النار في ملحمة إنسانية نادرة، وإذا بالشباب الذين بلغوا سن الثامنة عشرة يتوافدون على سجلات التطوع للدفاع المدني.

الأسر التي كان أبناؤها على خط النار كانت سعيدة وفخورة بما فعل الجيش دون النظر إلى أن أبناءها يمكن أن يكونوا في عداد الشهداء، أو أنهم مازالوا على قيد الحياة؛ كانت لحظات عامرة بالفرحة عاشها الشعب وهو يعاني نقص الغذاء والكساء. وما كان الشعب ناقما مع النقص الشديد في موارد الحياة الأساسية.

في تلك اللحظات الرائعة توحد الشعب المصري كما لم يتوحد من بعد، فالجنود على الجبهة كانوا مصريين دون تفرقة بين جنوبي وشمالي أو مسلم ومسيحي؛ إنما مصريون جمع بينهم الوطن وحب الوطن، وألف بينهم الهدف الواحد وهو تحرير الوطن، وامتزجت دماؤهم معا على أرض الوطن، ولم تكن هناك نعرات للتفريق بين أبناء مصر تفرقة مصطنعة لم يعرفها تاريخ مصر العاقل؛ لكنما يراد من ورائها تمزيق مصر الحديثة وإضاعة قوتها، وتشتيت طاقاتها بمحاولات رأب صدع مصطنع في الداخل.

فأين روح أكتوبر التي لم يكن المصريون فيها على الجبهة في مواجهة الأعداء يعرفون غير مصر، وأين الصيحة التي رددها المسلمون والمسيحيون على الجبهة: الله أكبر؟ وأين الدماء التي خضبت وجه أرضنا الحبيبة سيناء؟ هل كانت دماء مسلمة فحسب؟ هل كانت دماء مسيحية فحسب؟ كلا بل كانت دماء مصرية مصرية، هذه الوحدة التي حققها أكتوبر في حربه وفي نصره نريدها من جديد، فمصر للمصريين جميعا دون تفرقة بين دين أو عرق أو موقع.

أين روح العطاء التي تحلى بها المصريون البسطاء الذين عشت فيهم– وأنا منهم- في زمن الحرب؟ أين التفاني في خدمة هذا الوطن العزيز؟ وأين روح التسابق التي كان يتحلى بها أبناء الوطن في ذاك الوقت، وقد رأيتهم يتدافعون إلى صحن الدار ليتبرع كل منهم بما يستطيع التبرع به لمسئول المجهود الحربي. أين هذه الروح يا أبناء الوطن العزيز؟

أين روح الإقدام والتضحية التي تحلى بها كل مصري في وقت الحرب؟ لم يكن هناك متخاذل واحد في ربوع الوطن العزيز. فأين ذهب كل هذا؟

أين ميثاق الشرف الذي التزمه الجميع دون أن يُكتب أو يوثق أو تفرضه الحكومة؟ أين ذلك الميثاق الذي منع اللصوص من ارتكاب جريمة واحدة إبان الحرب؟ هذا الميثاق هو ميثاق المصرية هو روح مصر التي تجري في دماء المصريين جميعا، فتدفعهم للعطاء وتمنعهم من ارتكاب ما يضر بمصر، وما يسيء إليها.

أين مصر أكتوبر يا أبطال أكتوبر؟

د. حسن محمد عبد المقصود

كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز