عنان العجاوي
an.ajjawi@gmail.com
Blog Contributor since:
16 October 2009



Arab Times Blogs
الأُم (قصة)
مع إطلالة الفجر, أفاقت الخارطة من وحدتها, نثرت الغبار عن مدنها المنسيّة, ووقفت تتجمل أمام المرآة مثل بنات العيد: زينتي الرصاص الذي أطلق عليّ.

سرّحت شعرها الأسود وجدلته بالأسلاك الشائكة, مدت يدها على الخاصرة ونزعت كبسولة صاروخ قديم, أفرغت منه البارود وكحلت عينيها, لبست القنابل خواتم, والأحزمة الناسفة أساور, ثم عقدت الكوفية على كتفيها, وراحت تتمشى في الشوارع القريبة..
سارت تائهة في الطرقات تسأل:
"- أبنائي أعلم أين هم, ولكن أين الأحزاب؟"
"-.. لم نرهم منذ فترة"
كل إجابة تسمعها تنقص من عمرها قدراً, مشت وفي رأسها الكثير من الاحتمالات, أقلها أن يكونوا ارتدوا ثيابا جديدة وذابوا في حداثة الدنيا.. أو يكونوا هم المارة المتنكرين.

وقفت في آخر شارع يتفرع منه ثلاثة طرق, هزيمة, حياة, نصر, احتارت أين تكمل, فسألت أحد المارة الذي بدت عليه البساطة:
"-أين أجد الأحزاب؟"
"- أنا غير متابع.. ولكن لو سلكوا طريق النصر, لأتوكي مكللين بالغار"
ثم نصحها أن تسلك طريق الهزيمة ومشى حتى غاب في زحمة السيارات, ندهت طفلا يلعب وكررت عليه ذات السؤال, فقال "- هم لم يسلكوا طريق الهزيمة لأنه مزدحم ولا يكفي لضيوف جدد" ثم مشى الطفل يكمل اللعب, لم يبقى أمامها سوى طريق الحياة, فأكملت تمشي به وتتأمل حولها السيارات الفارهة والقصور المذهبة, تجار الخبز, والموظفين.. أخذت تقرأ لافتات المحلات وهي تتمنى أن لا يكونوا هنا, حتى اصطدمت بمقهى الحياة, كان مغلقاً . لكن ثلة من الرجال يجلسون على بابه وينتظرونه حتى يفتح, عرفتهم, وقبل أن تقترب لثمت وجهها بالكوفية, فلم يعرفها أحد, رأتهم يصطفون على الرصيف صفين كي يلعبوا ندين, حزب يحمل أوراق اللعب ويتمرن على ترتيبها, والثاني يرمي حجري النرد على الأرض (ثمانية, أربعة), يعيد الرمية (سبعة, ستة) يحتار أي رمية يختار.. فيعلوا صوتهم, يتضاربون بكؤوس الشاي البارد, تحليلات, تنظيرات, مراجعات, ثم يمدون أيديهم يتسولون تكاليف اللعبة وثمن المشروبات..

يأتي من آخر الطريق رجل مهتريء الثياب يمشي من أمامهم ويردد "- كل من عليها خان".
نهروه كي يصمت, فازداد صوته علواً "- اللعب للأحياء والانتماء استنفذه الشهداء".
زاد الجدل وتطايرت الكؤوس, فوضعت يدها على خدها وضحكت - قِمار؟
عرفوها من ضحكتها فقالوا للرجل الفقير "- برئت ذمتنا ها هي تضحك بخير".

حافظت على ابتسامتها ثم وقفت صامتة وغادرت القهوة تتكىء على خيبتها ولا تسمع سوى تكسر الزجاج وصوت الرجل االفقير يصرخ "- كل حيّ هنا خائن حتى تثبت تضحيته". لوحت يدها للفقير مودعة, وابتعدت حتى وصلت لآخر الشارع فهدأ ضجيجهم فجأة "- هل شبعوا؟" سألت والتفتت إليهم فرأت المنقسمين قد اجتمعوا في دائرة حول الفقير, مدوا أياديهم حول رقبته وخنقوه, فصرخت "- أبني..." وقبل أن تكمل أسكتوه بكاتم الصوت. ارتبكت, ظنت الدور سيأتي عليها, فركضت خائفة واختبأت في الشارع الخلفي, توارت وراء شجرة, نظرت حولها لم ترى أحداً, اطمأنت لنجاتها, نزعت عن وجهها اللثام, وبكلمات ملؤها التصميم قالت "- أهلي نسوني, والمقامرين يتاجرون بي.. سأعتمد على نفسي".

ثم أكملت المشي في الأزقة وبين الخيام, وضعت عينيها في الأرض خجلا, قاومت يأسها حتى وصلت لمدخل مطبعة, مسحت دموعها بكفيها, وأخفت خيبتها وراء ابتسامه شاحبة, ثم دقت على باب المطبعة..
"- صباح الخير"
فرد العمال: صباح الخير يا فلسطين لم جئتِ هنا
حشرج صوتها وبكت "- أرجوكم.. ارسموني على النقود ليبقى أثري في نفوس الناس".

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز