نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
وطار وزير الثقافة السوري

صدر مرسوم رئاسي سوري بإعفاء، واللهم شماتة، السيد رياض نعسان آغا، من منصبه كوزير للثقافة، وتعيين. وقضى المرسوم رقم 425 بتسمية الدكتور محمد رياض حسين عصمت وزيراً للثقافة بدلاً من رياض نعسان آغا والدكتور جورج ملكي صومي وزيراً للري بدلاً من نادر البني.

 لم يصدر قرار سوري أثلج صدري كقرار "إعفاء" وزير الثقافة السوري رياض نعسان آغا، إذ أن وجوده على رأس الثقافة في بلد متعدد الثقافات والأعراق، هو ضربة في الصميم لهذه الثقافة، أولاً، وإساءة لصورة البلد الثقافية بشكل عام. وبرأينا لقد تمادى السيد الوزير السابق كثيراً في توجهاته "المحافظة" ولن نقول غير ذلك، ما أعطى انطباعاً سيئاً عن الثقافة السورية التي اتسمت تاريخياً بالانفتاح والتنوير ولم تشهد انتكاساتها الكارثية، وصبغها بلون أحادي طاغ عليها، إلا على يدي الوزير "الجليل"، ولم يكن ينقص الوزير السابق إلا العمامة كي يعبر عن المرحلة الثقافية التي تميز به عهده غير الميمون، ثقافياً، هذا والله أعلم.

 وسأحاول وبعجالة استعراض محطات ثلاث أبرز بالنسبة لي على الأقل، من خلال معايشتي وتتبعي لمسيرة الثقافة الوزارية. ففي كل مرة كنت أقرأ له مقالاً في الجرائد الخليجية، وما أدراك ما الجرائد الخليجية، كنت أتحرى عمق الجرعة وحجم الضخ المحافظ، والميول والنزعات، الماضوية الظلامية التي كانت تتراءى بين سطور مقالاته وكان كل مقال يصلح لاعتباره خطبة من خطب الجمعة إياها التي تلقى أمام رهط من المغادرين إلى أفغانستان، وكشمير. وكان أفظعها على الإطلاق تلك المعلقة المدائحية التي أثنى بها على السلطان عبد الحميد في معتبراً إياه واحداً من أبطال وصناديد التاريخ المجيد "الدموي" إياه، وما غيره، معلناً عن ذهابه وبفرح عظيم إلى اسطنبول لحضور احتفالية، بمئوية ما، أو ما شابه، لهذا السلطان المستبد الذي كان مسؤولاً عن مذابح "وخوازيق"، لم يدنها السيد الوزير لا تصريحاً ولا تلميحاً، ولا مرة من باب أضعف الإيمان، طالت "أقليات مضطهدة" في جبالهم نفوا وعزلوا فيها مئات السنين، ليأتي لنا بعد حين ودهر مر من الاضطهاد والزمن المهين ليبارك قتلته وجلاديهممجداً أمام ناظري واحداً من كبار مستبدي هذا التاريخ وبإعجاب منقطع النظير، ما كان يشكل لدي عصاباً وألماً قاتلاً.

 ناهيكم عن المذابح التي ارتكبت ضد الأرمن في عهده، والتي لا تزال تركيا نفسها تعيش تداعياتها، ووقفت هذه المذ1ابح وذيولها، وإن بشكل نسبي، أمام دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، ليأتي السيد الوزير الهمام، مبجلاً، ومعظماً، ومفخماً، بهذا "الخليفة" العثماني، وفي وجود نسبة مواطنين لا يمكن تجاوزها، من أبناء سورية العظيمة، من أصول أزمنية كريمة نعتز ونفتخر بوجودهم بيننا، وندين، ونلعن كل يد آثمة امتدت إليهم في أي زمان ومكان في التاريخ القريب والبعيد. ومن "نهفات" الوزير الماضوية الأخرى، تصريحه العلني، والغريب، وفي ذروة اندفاع طالباني، ومن على شاشة تلفازنا الوطني السوري، الذي يمثل عشرين مليوناً من السورين، ومثلهم في بلاد الاغتراب الفسيح، ومن شتى المشارب والاتجاهات والأعراق والأديان والمذاهب المتنوعة التي تمثل عظمة وعراقة وتنوع وحضارة وتسامح الشعب السوري العظيم، مع مذيع من "لهلوب وحبوب وطيوب" كان يستمع إليه بورع إيماني يحسده عليه أبو حمزة المصري، إذ قال وبالحرف الواحد: " يجب أن "نمكن" (لاحظوا التعبير) اللغة العربية فقط من أجل حفظ القرآن والحديث"، ونحن لا اعتراض لنا على مثل هذا التصريح الجهادي العنيف، ولكن لو كانت سوريا فقط دولة مثل السعودية التي يستكتب السيد الوزير في صحفها، أواليمن، وباكستان وأفغانستان

 ولا أخال أن السيد وزير الثقافة قد نسي أو تناسى، أن هناك أطيافاً سورية غير إسلامية، فاته أن يقول لها أية لغة تتعلم، ولا ندري ماذا سنقول وكيف سنعتذر لها، ولماذا يفرض عليها إذن تعليم اللغة العربية، إن كانت غير معنية لا بالقرآن، ولا بالحديث؟ كما كان لإلغائه مؤتمراً عن العلمانية، وليس "الغلمانية" انتبهوا، كي لا تختلط على أحد الأمور، أثراً بالغاً وحزيناً في نفوس كثيرين من أصحاب التيار العلماني والتنويري بسورية، والحجة الواهية التي قدمه سيادته، مع وزارة بطولها وعرضها، لديها ميزانية لا بأس بها وأعتقد باستطاعتها شراء مكبرات صوت، هو عطل في مكبرات الصوت. ما شكل واحدة من الطعنات المؤلمة لمسيرة التنوع الثقافي التي اشتهرت بها سوريا، وقدمت من خلالها عظماء ورواد ومبدعين في مجال الانفتاح، والتحرر من أسر الماضوية والتراث العقيم، وهي واحدة من سمات سوريا المعاصرة، حاولت ممارسات الوزير السابق طمسها عبر ممارساته، وسياساته، وكتاباته، لتقديم نمط مغاير للثقافة السورية، عبر منع كتب وكتاب تنويريين من معارض للكتب في سوريا، ولن أستشهد سوى بمنع كتاب أبي حسن هويتي من أكون، في الطائفية والإثنية السورية" وهو مثال حاضر وقريب، وعايشته بنفسي، وسكتنا في حينه، ليس كرمى لأعين لسيد الوزير، كلا وألف حاشانا وحاشاه، ولكن لاعتبارات خاصة قد يصعب سردها، أو فهمها في هذا السياق الضيق والمحدد.

 لم أر نفسي كسوري عادي في أي من كتابات أو تصريحات وسياسات الوزير الآغا الثقافية، كما أن وضع الثقافة السورية، وصورتها لم تكن تسر بالمرة، في أيام السيد الوزير السابق، ويمكن القول بأنها وصلت إلى أردأ وأسوأ مراحلها وقد كتبنا في حينه عدة مقالات وشكاوي مبطنة، والشكوى لغير الله مذلة، حول وضع الثقافة السوري التي حاول الوزير طبعها بطابع ماضوي سلفي واحد، "لا شريك له"، وكان من أبرز مقالاتنا لماذا لا يكون وزير الثقافة علمانياً، على الأقل يعني، وليس من أجلنا كعلمانيين وتنويريين، ولكن من أجل صورة سورية الحضارية المشرعة المتعددة، لا سوريا باب الحارة والوزير نعسان آغا وتكريس القيم الوافدة من وراء كثبان الرمل الصحراوي. ومن هنا نضع هذه الصورة "الكئيبة" لما وصلت عليه صورة الثقافة السورية بين يدي الوزير الجديد، آملين له النجاح في مسؤولياته الجدية وإعادتها إلى صورتها التنويرية المتعددة المنفتحة على الجميع. (بالمناسبة أجرى لي الوزير الجديد ذات مرة مقابلة لاختيار صحفيين لجريدة كويتية كان في لجنتها الفاحصة، وكنت متقدماً لها، وطبعاً كان لنا شرف الرسوب "المجلجل" في تلك المقابلة، وكل الحمد والشكر لله، والله ولي الأمر والتوفيق).







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز