نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أنا طائفي إذاً أنا موجود

 شتان كثيراً بين ما قاله الفيلسوف والعالم الفرنسي الكبير ديكارت حين قال أنا أفكر إذن أنا موجود، إذ قرن ما بين التفكير والوجود الإنساني، فما يميز الإنسان هو التفكير، وجاء في القرآن القول: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ الصافات 92، وقديما قال إفلاطون أيضاً الإنسان حيوان ناطق، أي يفكر وينطق ، نقول شتان بين ذاك وما هو جار اليوم على ساحة هذه البؤرة الشرق أوسطية المنغلقة على ذاتها حيث لا يوجد أي نوع من العقلانية والتفكير مع هذا الجنون والسعار الطائفي المقيت، وحيث بات الكل يصدح بخطاب طائفي وحيث أصبحت الطائفة هي الملاذ للإنسان، بدل الأوطان كما هو مفترض.

 ولم يعد مكان للخطاب الوطني، ولم يعد هنا أدني حيز للتفكير العقلاني والمنطقي والإنساني ببعده الأشمل والأسمى والأرقى والأمثل. وصارت الهويات الانتماءات، وكذا، التفكير، والميول والتطلعات طائفية بامتياز وصارت دول الطوائف وغيتوهاتها أمراً واقعاً في غير مكان. إذ لم يعد من باب العجب أن يكون ذاك المفكر يمثل الطائفة الفلانية، أو يكتب بخطاب طائفي، أو أن تكون الأحزاب طائفية بحتة وتدعو لدول الطوائف والخلافة بدل الذوبان في الدول الوطنية، وليس من قبيل التشاطر والتذاكي التذكير بطائفية المعارضات الشهيرة، وبطبيعة الاصطفافات الجارية على الساحة اليوم.

وليس من قبيل العجب، أو المستغرب، أن يصبح داعية كويتياً شيعياً أقرب لإيران، مما هو أقرب وطنه الكويت، كما ليس من قبيل الغرابة أن يصبح تياراً لبنانياً أقرب إلى السعودية من كل ما هو موجود من مكونات وطنية على الساحة اللبنانية، بل يجد في انتمائه للسعودية عامل أمان وفخر أكثر من انتمائه اللبناني. كما هو الحال بالنسبة للأحزاب العراقية، الأكثر من الهم على القلب هذه الأيام، التي شطبت "العراق" الوطن من أجندتها، ومن سلم أولوياتها وصارت خياراتها، وشعاراتها، وبرامجها طائفية بامتياز.

 ولقد كانت تصريحات الأنبأ بيشوي طلقة الرحمة على رأس الوطن المصري بشكله التقليدي المعروف، كما كانت تصريحات مواطنه الإخواني سابقاً عن المسلم الماليزي الذي هو أحب وأقرب إلى قلبه من أي قبطي مصري، وربما كانت تصريحات الأنبأ بيشوي رداً قبطياً، غير مباشر ومتأخرة جداً، وفي غير زمانها ومكانها، ومع عدم تبريرها بحال، ورفضها بالمطلق في كل الأحوال، على الاستفزاز الإخواني الشهير. ولكن السؤال المنطقي، والفيزيائي الذي يحكم الكون الفسيح، أليس لكل فعل رد فعل؟ وسط هذا الضجيج الطائفي الممنهج، والمدار بمهارة واقتدار وحرفية، وبتحكم عن بعد، من وراء المحيط الكبير، تضيع كل الأصوات العقلانية، وسط هذا الضخ الطائفي الهادر العنيف، وكأن ثارات الأربعة عشر قرناً الماضية، صحت اليوم على حين غرة، لتظهر عمق التشرذم البنيوي لهذه المجتمعات، والحجم المهول للكبت المزمن الطائفي.

 قدر الطائفة والانتماء المذهبي يتلبس الجميع فغابت، عندئذ الدولة الوطنية وغاب الانتماء الوطني. فمن هو الذي يقول اليوم أنا مصري، أو سوداني، أو عراقي، أو سعودي، وكويتي ولبناني، أو يفخر بانتمائه الوطني؟ وحين تسمع عن أي نجم مجتمعي، أو عالم، أو فنان، أو أي مبدع، أو حتى "راقصة" في هذا الأتون الجهنمي، سرعان ما يأتيك السؤال الشيطاني، ما هي طائفته/ا؟ وما هو انتماؤه/ا المذهبي؟ وحين تعجب بسين أو عين، يأتيك صوت أحدهم" "ولكنه كذا، أو كذا، أو ذيّاك" مما يتفتق عليه ذهنه الطائفي العبقري، أي أن هذا الانتماء حاجز بينه وبين حب الآخر الوطني؟ وحين ساقتنا أقدارنا المرة والقاهرة للعمل بما يسمى بالدول العربية كان رهط من أصحابنا وأبناء "وطننا" متفرغاً لتعريف الآخر "العربي" بانتمائنا الطائفي المذهبي وكأنه حقق الفتح المبين وأسقط فريضة واجبة عن المؤمنين.

 بكل أسف وحسرة، لم يعد المرء يجد مكاناً له خارج القبيلة، والعشيرة والطائفة، حتى لو حاول هو ذلك، وأراد التخلص من هذا "الثوب" البدوي المريب، وحتى لو لم يرد ذلك لنفسه. وأصبح الشعار الوحيد، المرفوع في سماء المنطقة، أنا طائفي إذن أنا موجود. أنه السقوط والانهيار المجتمعي. والسؤال الأخير إلى أين تذهب هذه المجتمعات وإلى أين يمضي هؤلاء المجانين؟ بالطبع ليس إلى الفردوس أوالنعيم الإلهي المقيم، كما يتخيل بعض الحالمين، بل إن الجميع، ذاهب، ولا محالة، إلى الجحيم، ولا يوجد "ناج" وحيد منه، وكل الحمد والشكر لرب العزة العظيم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز