خالد جواد شبيل
kalidjawadkalid@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 June 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
حري بتاريخنا أن يُنبش!

 كأني بالشاعر العربي القديم حين قال: وما حب الديار شغفن قلبي**ولكن حب من سكن الديارا..كأني به يعلم أنْ سيأتي آت بعد نضيد من القرون ، ليغمز قناة الشعراء الواقفين على الأطلال ، أو ليعيب بابا من أهم أبواب "ديوان العرب" طرّا ، وأكثرها سموا وجموحا وأصدقها عاطفة وأجملها تصويرا مما يعد مفخرة للشعر العربي بشهادة المستشرقين والباحثين الأجانب. ولئن سخر الشاعر أبو نواس سخريته المريرة في قصيدته : قل لمن ظل على رسم درسْ**واقفا ما ضُرّ لو كان جلسْ ؟! أو قصيدته : دعِ الأطلالَ تسفيها الجَنوبُ**وتبكي عهدَ جِدتها الخطوبُ ، وكذلك قصيدته : عاج الشقيُ على رسم يسائلهُ.....يبكي على طلل الماضين من أسد...الخ . وإذا كان أبو نواس غير ملوم لاعتبارات منها أنه شاعر ينساق وراء عواطفه ، وتلك طبيعة الشعراء ! وانه شاعر ماجن معاقر للخمر ولا يستطيع من معاقرتها فكاكا ، ولكن ما عذر الأستاذ الجامعي الكريم حين يبدأ مقالته بالتهكم على الماضي ، ويعتبر الرجوع الى الذاكرة القريبة وقوفا على الأطلال ؟

تحرص كل الدول التي مستها يد الحضارة أن تميط اللثام عن وثائقها بعد أجل مسمى وتقدمها للباحثين ولغير الباحثين ، إدراكا منها أن التاريخ ملك للشعوب لا للأفراد حتى وإن كانوا حكاما لا زالوا يحكمون...ولكننا لسنا من هذه الأمم في شيء ، فالوثائق تطوى في أقبية رطبة وتتعرض للتلف إن سلمت من أيدي العابثين أو السارقين! أو الحارقين!! ويبقى شهود الأحداث هم الرواة ، فإذا تكلموا روّعوا وهددوا وأحيلوا الى القضاء ، ولعل القاريء أدرك ما أقصده في قضية موت الزعيم جمال عبد الناصر وما رواه الأستاذ هيكل عن فنجان القهوة الذي أعده السادات بنفسه وسقاه لعبد الناصر قبل موت الأخير بثلاثة أيام وما جلبته لهيكل من لغط ووجع راس..ولئن كانت هذه القضية حدثت قبل أربعة عقود ولا زال بعض رواتها أحياء يُرزقون فتأمل كيف يكون الحال لقضايا أقدم؟

شهد القرن الماضي أحداثا خطيرة ذهبت بالتاريخ الى منعطفات حادة إن لم تكن غيّرت وجهه ، ولا زال يلفها الغموض ،سأتوقف على بعضها  بما يسمح به المُقام..أعلن عن مقتل الملك غازي بن فيصل في العراق مقتولا بحادث سيارة كان يقودها بسرعة وارتطمت بعمود كهرباء وذلك سنة 1939 ، وكانت شهاد ة الوفاة التي أصدرها طبيب البلاط سندرسن باشا تشير الى ذلك ، خرجت بغداد عن بكرة أبيها مشككة بالحادث ، حيث كان الصراع على أشده بين بريطانيا ورجلها القوي نوري السعيد وبين الملك الوطني وكتلته من الضباط الوطنيين ، الذين كونوا تجمعا- مع اذاعة تحرض ضد الانغليز وتطالب باسترجاع محمية الكويت الى العراق- وقد لُف رأس الملك القتيل حيث ضرب بآلة حادة  في رأسه  من الخلف ومُنع من غسل الجرح الذي ظل ينزف حيث دفن على عجل. كان برفقته وقت الحادث رجل يجاس في المقعد الخلفي!

ومن تاريخ الثورة الروسية الكبرى،1917التي فجرها لينين وتروتسكي والتي شهدت صعود ستالين المفاجيء-بعد وفاة لينين- الى قيادة الحزب والدولة وإبعاد تروتسكي وبقية البلاشفة القدماء والتخلص منهم بما عرف بمحاكمات موسكو الشهيرة وتقريب مريديه ومتملقيه ، عمد ستالين قبل كل شيء الى جمع المؤرخين وأشرف بنفسه على كتابة تاريخ الإتحاد السوفيتي وصادر جميع الكتب التي لا تذكر له دورا في الثورة البلشفية بما فيها الكتاب الذائع الذي أرّخ ليوميات الثورة "عشرة أيام هزت العالم " لجاك لندن! وحين علم أن تروتسكي الذي فرغ لتوه من كتابة "تارخ الثورة الروسية الكبرى" ، وأنه يشرع بكتابة السيرة السياسية لستالين أرسل اليه أحد عملائه الى حيث يقيم تروتسكي في مكسيكو متسللا بصفة صحفي وليسدد له ضربة بفأس على راسه عام 1940 وبذلك اختفت ملامح مهمة حتى قُيّض للتاريخ أن يكتب البولوني اسحاق دويتشر " ستالين سيرة سياسية" وثلاثية حياة تروتسكي[النبي المسلح، والنبي الأعزل،والنبي المنبوذ] التي تعد من أروع ما كتب في أدب السِيَر قاطبة وأكثرها موضوعية. ولو أتيت على كثير من الحداث التأريخية الملغزة لا حتجت الى مجلدات.

ولاشك أن شر ما يُصاب به المرء هو فقدان الذاكرة أو اضطرابها ، فما بالك إذا كانت هذه الذاكرة تخص ملايين من الناس تتعاقب أجيالا ودهورا؟ وما بالك اذا كانت هذه الذاكرة مضطربة ومشوهه وتعج بالكثير من الخرافات والثقوب السود واختلطت الحقيقة فيها بالوهم؟ ومقولة أن التاريخ يكتبه المنتصر صحيحة جدا ، والمنتصر هو الخليفة ظل الله في الأرض، وعلى من انتصر؟ انتصر على الشعوب المقهورة والمغيبة والمسلوبة الإرادة ! نعم انتصر بحد السيف والنطع ، انتصر بالسجون تحت الأرض التي لايعرف السجين فيها ليله من نهاره! تاريخنا هو تاريخ الحكّام  أما الشعوب فلا نعرف عنها الا النزر اليسير عندما تثور وهذا النزر يأتي مشوها . كثير من المؤرخين إن لم يكن جلهم مجّدوا الحكّام وائتمروا بأمرهم وسخّروا لهم أقلامهم ، أليس الناس على دين ملوكهم؟! كُتب لهم القصص ولأجلهم الأشعار وترضّوا الله لهم. ولو فرضنا أن المؤرخ نزيه فمن يضمن نزاهة النّساخ والوُرّاق ؟ والورّاق هو بمثابة دار نشر في عصرنا هذا..كنت ذاة مرة أسمع لاستاذ جليل يحاضر في التاريخ قال: إن من يمر على تاريخنا الاسلامي كمن يمر على تل ركام تحته تبعثرت نثار من جواهرما على المؤرخ الا الوصول اليها ، فاستكثرت عليه ذلك حتى ،أنهيت دراستي في أحد العلوم المحضة قبل أن يبتلعني جوف حوت ضخم يسبح في محيط واسع اسمه التاريخ.فصدقت المقولة!

وتقرأ في الكتب التاريخية المحققة فلا تجد دورا للمحقق في أغلب الأحايين ، سوى تفريغ النص من ورق أصفر الى ورق أبيض صقيل ، فتتحول الكتب القديم أوالمخطوطة الى مجلدات أنيقة مزخرفة مذهبة ترصق الخزانة الزجاجية فتعطي ديكورا يسر الناظرين. نعم إن كان للمحقق دور فهو الرجوع الى المعجم لشرح ما استغلق فهمه من مفردات! أما الأخطاء التاريخية والتضارب في الأحداث والخرافات فهو لا يعلق عليها ويؤثر العافية!

يطيب لي أن أعرج على المناهج المدرسية لكتب التاريخ ، حيث درسنا أن الرحالة ماجلان عندما حط رحاله في إحدى جزر الفلبين قتل من قبل قبائل فلبينية متوحشة، وظل هذا الاعتقاد راسخا في ذهني ، حتى قيض الله لي أن أزور الفلبين قبل بضعة أشهر ، ففي العاصمة مانيلا( أمان الله) هناك حدائق مشهورة تسمى حدايق رزال(د. رضا من أصل مسلم )حيث انتصبت تماثيل لمسلمين بالأسماء والتواريخ هم قادة المقاومة التي تصدت للحملة الاستعمارية التبشيرية التي قادها ماجلان والتي أبادها المسلمون والوثنيون من تلك الجزربعد معارك ضارية!!

لاشك أن دراسة التاريخ مهمة ثقيلة لاأقلها أن يلم بمناهج دراسة التاريخ ، وان يتميز بالحصافة والموضوعية وأن يتجرد من النزعات القومية والطائقية والعصبوية اذا كان رائده أن يتوصل الجواهر وأن يستخرجها من بين الوكام وأن يمسح عنها غبار الزمن! فدراسة الحدث قبل نشوئه ودراسة الظروف الزمكانية والإجتماعية والإقتصادية والدينية أمور لا مناص منها ولا محيص. على أن المبالغة بالعامل الإقتصادي لمجتمعاتنا العربية الإسلامية على أهميته لا يؤدي الى الهدف المنشود بسسب أنعدام الفرز الطبقي المحدد الملامح وتداخل الفئات الاجتماعية والنظم مابين رقي ورعوي وعشائري وتجاري وزراعي متخلف وتلك سمات آسيا والشرق عموما الذي قال فيه ماركس: أن تاريخ الشرق تاريخ أديان . سنتوقف في قابل الأيام على بعض المحطات التاريخية ولا أعد بدراسات مطولة وذلك لضيق المقام..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز