نورالدين أماريب
namarib256@yahoo.com
Blog Contributor since:
01 June 2010



Arab Times Blogs
إلههم يحبهم فهل يحبنا الله ؟

     أول ما استوقفني في هذا المقال وقفة مطولة , هو تسمية الإله الذي يتغنى إخواننا الذين قالوا إنا نصارى بمحبته اللامشروطة لهم , حيث لم أستطع تحديد هوية ذلكم الرب الذي يفاخرون بولعه الشديد الذي يسبغه على الخلق إسباغا دون مقدمات , الإله الرب الذي يحب السّفّاح و الضّحية , الذي يحب القاتل و المقتول , ذلكم الذي يسكب من محبته الأبوية على البشرية سألت أو لم تسأل, كانت جديرة بمحبته أو لم تكن . فمَن هو هذا الإله الذي يستوقفونك مذكرينك بالمحبة الجارفة التي يُكنّها لك ؟من هو هذا الرب الذي يركنون إلى مودّته في كنائسهم و طقوسهم و برامجهم الوعظية ؟أهو الله الواحد الذي عبده آدم و كل الرسل و الأمم الموحدة و كذا إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلوات الله عليهم ؟أم هو الرب الذي نسبوا له البنين و البنات بغير علم؟أم يكون هو الابن الذي قالوا إنه بضعة من الأب ؟أهو الروح القدس الذي جعلوا له في الربوبية نصيبها ؟ أهم الثلاثة جميعا ؟ لم أستطع أن أكون في الأمر جازما , فتركت الأمر لإخواننا ليختاروا من يحبهم , و لكل امرئ ما نوى .

    لم أكن لأولي انتباهي شطر هذا الموضوع ,الذي قالوا فيه فأكثروا و فاخروا به فجاوزوا و استفزّونا به فبالغوا , لم أكن لأعيره من الاهتمام أيسره لولا أن قرأت كتابا عجيبا لقس أميركي ُيقال له " John hagee" و سمى ذلكم الكتاب "Jerusalem countdown"و تنوعت مضامين  كتابه ذاك ذي الصفحات المائتين و تشعبت فروعه ,ما بين التأصيل التاريخي للوجود الإسرائيلي في فلسطين , إلى مراحل إنتاج القنبلة النووية , إلى التحذير من أحمدي نجاد , إلى الإهابة بالحكومة الأمريكية لتوجيه ضربة إلى بلاد فارس لا يقومون بعدها أبدا , ثم بدا له , فوضع فصلا سماه :unveiling Islam أو الكشف عن الإسلام , و هو الفصل الذي ساق فيه من الحديث ما ساق , و ألصق فيه بالإسلام من البهتان ما ألصق , و أثبت ما أثبت , و نفى ما نفى .و كان حريّا بكل ذلك الزبد أن يذهب جفاءا , و كان حقيقا على كل ما ينفع الناس أن يمكث في الأرض , و لكن الذي قلّبتُ فيه الفكر و رجعت فيه البصر, هو قولان من أقوال صاحبنا هذا , قال ذلكم القس أن إله المسلمين بعيد عنهم كل البعد فلا يستشعرون وجوده , جاف لهم كل الجفاء فلا يحسون منه مودة و لا رحمة , بعيد في عليائه لا يجمعه بهم جامع و هو في ذلك يخالف خلافا شديدا الهه المحب العطوف القريب المجيب . و ثاني القولين كان قوله أن المسلمين ما لهم من سبيل لمعرفة محبة الإله لهم , فلا هم بالدارين مقدارها و لا حقيقتها , ذاك لما بينه و بينهم من جفاء و قطيعة . ثم انصاع لصاحبنا قلمه فزاد من القول أعجبه إذ قال : ليس إله المسلمين بالذي يبتغي الخلاص لعباده و لا نجاتهم , بل هو إله جعل كل همّه إغواء الناس مدعوما بالشياطين و المردة الذين نشرهم بين خلقه لينتهي بهم المآل إلى العذاب , بهدف ملء ناره التي خلقها لهذا الغرض . فذانك قولان من أقوال هذا العجيب الذي أتمنى أن أخصه يوما بمقال عن الويل و الثبور الذَيْن جناهما حتى على بني جلدته من النصارى ممن يخالفونه في المذهب خلافا يسيرا .

  فما هي المحبة التي يطالب " جان هيكي " إله المسلمين بإسباغها على خليقته ؟ لا أظنها الا شبيهة أو تكاد بتلك التي ينعم بها في عقيدته , إنها المحبة المُطْلقة الفياضة التي يغدقها إلهه على كل بني دينه , صالحهم و طالحهم , مؤمنهم و كافرهم , عابدهم و سارقهم , الكل له نصيب من من هذه المحبة الإلهية الدافقة , و الكل في ظلها منتش بتلكم اللمسة الربانية التي يحسها الجميع , و لماذا يحب إلههم الجميع ؟ و لماذا لا يقصر محبته على الذين هم له طائعون ؟ لأن إلههم لا يعرف الكراهية , إله لا و لن يكره أحدا لأن الكره  من صفاته غائب و الحقد في معجمه مفقود .

  لنبدأ سائلين سؤالا علّه يجلو الغموض الذي قد يعلو مسألة هامة , و هي مسألة الكره الذي قد ينسب لله تعالى بجهل أو بغيره , هل الله تعالى يكره أحدا ممن خلق ؟ هل ثبت بالنص القراني الصريح أن ربنا قال بكراهيته لأحد أو شيء ملموس موجود من مخلوقاته كافرا كان أو مؤمنا فاسقا كان أو صالحا ؟ هذا ما لم يثبت , لم يأت في محكم تنزيله أنه سبحانه يكره حتي أعتى أعدائه , و لا جاء أن الله تعالى صرح بكرهه لشيء من المخلوقات  ذات الوجود المادي , قد يكره الله فعلا أو عملا يصدر عن أحد , قد يكره الله خُلُقا سيئا أو معصية يقارفها بعض من خلقه , قد يبغض الله قولا أو فعلا , قد يكره الله نية أو تقريرا , و كرهه لهذه الأشياء المعنوية هو بسبب حؤولها بين الناس و بين ربهم , و تثبيطها لعزائمهم عن التطهر و التدرج في رحاب رب العالمين , ولكن هل حصل و امتد كرهه للفاعل ؟ تعالى ربنا علوا كبيرا , قال عز من قائل (و لكن كره الله انبعاثهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين) و لم يقل كرههم الله و كره انبعاثهم , فاقتصر كرهه على الفعل المجرد من الوجود المادي , ذي الحقيقة المعنوية المجردة من المحسوسات و المدرَكات الملموسة , وأعفى من كرهه الفاعل الذي يقوم بالفعل , أو يحتمل أن يقوم به , و أظن و الله أعلم, أن هذه من القواعد التي انتهجها علماء الحديث , و التي على أساسها حكموا بالوضعية و الزيفية على كل حديث يُنسَب الى رسول الله و يقول أن الله يكره أحدا , و وجد من الأحاديث الشيء الكثير الذي يقول أن الله يكره أحدا أو شيئا و هي ليست بشيء جملة و تفصيلا . و أقصى ما بدر منه سبحانه تجاه عصاته و مخالفيه هو أنه (لا يحب ) و شتان بين أن" يكره" الله  و بين أن "لا يحب" , لأنه سبحانه عندما لا يحب أحدا , فهو بذلك يكتفي بإزاحته الى موضع الحياد حيث لا حب و لا كراهية , ثم ينظر ما يكون من أمره , أمُصرٌّ هو على معاندة الجبار , أم يتدرج في درج الطاعة سالكا الى رحابه سبيل المحبة .                                                                                                            إذاً الله لا يكره أحداً تعظما منه تعالى أن يكون حقودا , و كذا لعلمه أنه لا شيء في الوجود كله يستطيع القيام لكراهية الله إن وُجدت ْ, و نعود فنؤكد أن انتفاء المحبة  لا يعني بالضرورة حصول الكراهية , ففي علم الله ما يفوق  هذه الثنائية التي وقف عندها إدراك بني البشر , أمّا و قد ثبت غياب الكراهية من كتاب الله تعالى تجاه مخلوقاته , و كذا من صفاته الإلهية الكاملة , فأين إذاً يتجلى حب الله لعباده ما دامت المحبة المطلقة غائبة نصّيا من القرآن الكريم ؟

     لعل أوضح صور الحب الإلهي لعباده في القرآن و في عقيدة الإسلام على حد سواء , تتجلّى في الشرائع نفسها التي شرعها الله للناس , و يرى المؤمن محبة الله له رأي العين إذا رأى ما يعانيه سالكوا سبل الضلال , فأي شعور يحمله لك الحائل بينك و بين أم الشرور من خمور و ما شابهها مما يخامر العقل السليم ,غير المحبة و الرعاية ؟, و أي حرص على سلامتك و طمأنينتك أكبر من ذاك الذي أمدك به من وهبك صلوات خمساً و قرآناً  فصلت آياته لتكون له تاليا ؟ و أية مودة تلك التي يغمرك بها الذي صان لك عزتك و كرامتك بين الناس فمنعك عن الرذائل و أوصاك بتوقّي مواطن الزلل ؟ هذا هو الحب العملي الذي تجني ثماره في ليلك و نهارك , في يقظتك و منامك , سواء أ أدركته أم كنت عنه من الغافلين .

و هناك قسم آخر من محبة الله للعباد التي نجدها ذات طابع تحفيزيّ , ففي تعاليم الذين قالوا إنا نصارى , نجد إلههم يهب محبته اللامشروطة يمينا و شمالا و هو ما يتباهون به , و لكنهم حفظوا شيئا و غابت عنهم أشياء , إذ لم يروا أن النفس البشرية مجبولة على حب الخصوصية و الحضوة مهما بلغت من صلاح و تقوى , و المحبة الإلهية إذ يتساوى فيها الجميع و يتم ضمانها لمن هب و دب تفقد تلكم الخصوصية و تسقط من أعين الناس , و هذه هي الزلة التي لم يقع فيها القرآن الكريم , إذ أعطى المحبة طابعا آخر , طابعا تشجيعيا تحفيزيا يتسم بالاكتسابية و التنافسية المحمودة .

  كما سبق , الذي ضمنه الله تعالى لمخلوقاته جميعا , و من حق الكل عليه سبحانه هو أن لا يكره منهم أحدا , و هو عز و جل إذ ضمن ذلك الحق للكل , نراه سبحانه قد صب امتياز محبته على فريق من الناس جاعلا , كما قلنا , محبته حافزا و سببا لانتشار الخير و محاسن الأخلاق بين الناس , تزيد محبة الله للفرد بازدياد الخير الذي ينشره في الجماعة , و هكذا يترقى المؤمن في المحبة الإلهية حسب قدرته , و وفق اجتهاده و استعداده , و هو في سبيل الظفر بمبتغاه يرفع نفسه أسمى الى الدرجات الخُلُقية , و يسمو بها إلى أرفع المكانات الإيمانية , و هو في هذا و ذاك يفيض من الخير على نفسه و من حوله ما شاء الله له أن يفيض , هذا ما أريد للمحبة في الاسلام أن تكون , وسيلة إلهية يشرح الله بها للعبد صدره , ويرفع له بها ذكره , و يضع عنه بها وزره , و شتان بين محبة شعارها " اعملوا صالحا" و بين أخرى تدعو إلى " اقعدوا مع القاعدين" و " قد أوتيت سؤلك " سواء أ سألت أم لم تسأل , و كمثال على ما نقول قوله تعالى " إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين ", فتجد المؤمن و المؤمنة إذ يستشعران المحبة الإلهية الموعودة يبذلان فيها من الجهد ما استطاعا , و تجدهما يعانقان سبل التوبة , و يتحريان مواطن الطهارة فتتوج جهودهما بمحبة رب العالمين , و مثال آخر , قوله عز من قائل " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم ", فنرى كل باحث عن محبة الله تعالى قد انفتح له منها منفذ و لاح له من جذوتها قبس , و هو اتباع سنة المصطفى الأمين و السير على خطى سيد الأولين و الآخرين , أملا منه في الظفر بخيط المحبة الإلهية الرفيع , و هو بإمساكه سنة رسول الله يجلو عن نفسه من الشر ما علاها , و في موضع ثالث يقول عز و جل " و الله يحب المقسطين " , و بذلك يقع القسط و محبة العدل من المؤمن موقع الماء من ذي الغلة الصادي , ما دام مرقاته إلى زلفى لدى رب العالمين , فيصير على نهج العدل سائرا , و فوق صراطه ثابتا , و لا يخفى ما لذلك من الفوائد على الناس , إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها الله سبحانه في كتابه , و أول ما ينال المؤمن محبة الله تعالى , تكون فرحته فرحتين , و محصوله محصولين , إذ زكّى نفسه و صانها , شاملا من حوله بالخير , و حصل من محبة خالقه على نصيب وافر جزاءً بما عمل .

   نخلص الآن الى ما قيل عن أن الله بعيد , و بيننا و بينه ما يشبه الجفاء , فهل الله بعيد ؟ هذا هو السؤال الأوحد الذي لا يحق لأحد أن يكون عليه مجيبا الا الباري جل و علا , ألا نراه في محكم كتابه قد أزاح الرابطة البشرية , و أعفى الوسيلة المحمدية , و أجاب على السؤال بنفسه " و إذا سألك عبادي عني فإني قريب , أجيب دعوة الداع إذا دعان " كيف يبلغ الله إجاباته في سائر آي القرآن عن طريق رسوله الا في هذا المقام ؟ كيف يقول سبحانه " يسألونك عن الأهلة , قل هي مواقيت للناس و الحج " و"يسألونك عن المحيض قل هو أذى" فنجده سبحانه و تعالى يبلغ قوله للسائلين عن طريق رسوله الكريم , و ذلك لما بين رسوله و المؤمنين من القرب الروحي و الجسماني , الا في هذا الموضع , فالله تعالى بادر بالإجابة , لماذا ؟ لأنه عز و جل أقرب للسائلين  حتى من رسوله الكريم , فلذلك يكون سبحانه أولى بالإجابة ,ربنا قريب سميع مجيب ,الله أقرب إلينا من حبل الوريد , نحسه في حركاتنا و سكناتنا , في حلنا و ترحالنا , و نرى آياته و علائم قربه في الآفاق و في أنفسنا و نحن به مؤمنون .

 أختم بلطيفة من لطائف الله سبحانه في مودته و عطفه على عباده , تتجلى في ما يمكن تسميته" بألوهية المَعيّة ", فهو سبحانه يقول واصفا ربوبيته تجاه عباده في إحدى آياته " و هو القاهر فوق عباده , و يرسل عليكم حفظة ," أجل هو القاهر فوق عباده , ربوبية القاهر المتكبر , و حق له القهر و التكبر , و لكن ما الذي يحصل إذا كان العبد في حاجة إلى قربه و رأفته ؟ عندئذ تتحول تلكم الربوبية إلى ربوبية القرب و المعية , فنجده سبحانه لما أرسل موسى و هارون الى فرعون و ملإه , و شكَوَا له خوفهما من ظلم فرعون  و بطشه , لم يجب سبحانه (إنني فوقكم أسمع و أرى ) بل كان جوابه " إنني معكما أسمع و أرى " اختار سبحانه أن يشعرهما بربوبية المعية , لما فيها من الرأفة و القرب و الطمأنينة , و لم يقل سبحانه (انني معكم أسمع و أرى) بل أشعر عبديه الخائفين بأنه ثالثهما و أنه في صفهما سبحانه من عليم خبير , و الشيء نفسه نلمسه مع رسوله و صاحبه في الغار و هما مهاجران طريدان , إذ قال عز و جل على لسان رسوله عليه الصلاة و السلام الذي خاطب صاحبه الصديق" لا تحزن إن الله معنا " تحسيسا لصاحبه بالقرب الإلهي و طمأنة لنفسه و لم يقل عليه السلام(لا تحزن إن الله فوقنا) لأنه إن فعل يكون مشعرا صاحبه بأنهما يعبدان إلها لاهيا عنهما في عليائه . هذا هو ربنا , إله لطيف محب عطوف , للفرادى خير رفيق , و للخائفين خير أنيس , و للشاكين أقرب سامع , الله معنا, ما ودعنا ربنا و ما قلى , فلنستشعر و جوده سبحانه فيما نقول و نفعل , إنه سميع بصير 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز