د. عبد الرحمن جمجوم
Agamgoom@gmail.com
Blog Contributor since:
27 September 2010

مهندس مصري - دكتوراه في الهندسة المدنية - جامعة ماكجيل - كندا



Arab Times Blogs
نظرية (إنت مش عارف إنت بتكلم مين) في كتابات العشماوي !

قبل اختراع الإنترنت كان عسيرا ً على الكاتب أن يرى منتجه الفكري منشورا ً للقراء إذ كانت قنوات النشر محدودة العدد .. و لكي يجد المقال أو الكتاب طريقا ً للنشر كان يمر عبر مراحل عدة أصعبها لجنة من كبار الكتاب و المستشارين تقرأ فتجيز أو لا تجيز .. و لكل دار للنشر فريقها من المستشارين و القراء المحترفين .. و على هذا كان لمجرد أن يجاز المقال أو الكتاب للطباعة شهادة له بنوع من الجدة و الفرادة ..
أما في عصر الإنترنت فالوضع صار جد مختلف .. فمع انفجار قنوات النشر ساحت المعايير و اختلط الحابل بالنابل .. و كثر الكتاب النصابون و الفشارون و الدجالون  ..و كتاب من طراز "إنت مش عارف إنت بتكلم مين" .. ناهيك عن كتاب من فئة "كاتب على ما تفرج".

 الكتابة أيتها القارئة الكريمة و يا أيها القارئ الكريم على نوعين .. كتابة انطباعية و كتابة علمية أكاديمية .. الأولى شخصية ذاتية منطلقة و الثانية منهجية مقيدة بقوانين و محدِدات ..
تحت الكتابة الإنطباعية تندرج الكتابة الأدبية بصنوفها المعروفة و مقالات الرأي و المقالات الأدبية .. و تحت الكتابة العلمية تندرج رسائل الدكتوراه و الماجيستير و الأبحاث و الدراسات أكانت أبحاث طويلة مجزئة على شكل مقالات أو مجموعة في كتاب.
الكتابة الإنطباعية لا قوانين لها .. وكاتبها ليس ملزما ً بذكر المراجع أو كتب استند عليها في الكتابة .. أما الكتابة العلمية فلها قواعد و أصول ملزمة لصاحبها أن يخضع لها .. منها ذكر المراجع و هو شرط أساس لا مساومة فيه .. فأي دراسة أو بحث لا يحتوي على مراجع لا قيمة له على الإطلاق و مصيره إلى سلة المهملات أو إلى بياعين اللب و الفول السوداني لعمل القراطيس !!

على أنه في بعض الأحيان ما يحدث مزج "خادع" بين الصنفين الآنف ذكرهما كالروايات التاريخية .. نجيب محفوظ مثلا ً استند إلى روايات تاريخية موثقة عندما كتب رواية "كفاح شعب طيبة" .. أيضا ً يوسف زيدان في روايته "عزازيل" .. ولكن تبقى هذه الأعمال الأدبية في مربع الكتابة الإنطباعية بها من الخيال كما بها من الوقائع التاريخية الموثقة .. و على هذا فلا تشترط على كاتبها التوثيق و تسجيل المراجع المستند إليها.

عبارة "إنت مش عارف إنت بتكلم مين" إختراع مصري خالص .. و تقال في سياق التهديد و الوعيد .. و دائما ً ما تصدر من "الضعفاء المستكبرين" عند حالات الخطر..
العشماوي يستخدم هذا الأسلوب فينطلى على السذج من القراء .. انظر مثلا ً إلى بطاقته التعريفية الذاتية .. فتشعر أنك أمام محلات خضر العطار حيث قائمة السلع و الأسعار ..
يحكي لنا باستفاضة العم عشماوي عن تكريماته و أنه كتب عشرات الكتب و المقالات .. أي أنه شخصية مثقفة مهمة !!
قارن هذا الأسلوب بأسلوب الراحل ذكي نجيب محمود الذي لم يتكلم قط عن الجوائز و التكريمات التي حصل عليها .. فالقارئ الفاهم لا يهمه ذلك .. فالكاتب و المثقف الحقيقي لا يكتسب قيمته بالجوائز و التكريم و الشهادات .. إنما بما يكتبه .. كيف يعرض الأفكار.. قيمة المحتوى .. نبرة الصدق .. التسلسل المنطقي و العضوي ..
كان من حق الراحل ذكي نجيب محمود أن يتعالى على القارئ .. فهو  واسع الإطلاع .. أستاذ جامعي غزير الإنتاج .. قوي مذهل العبارة .. و لكنه لم يفعل .. و كان يقول في تواضع صادق و ليس مصطنعا ً "لست فيلسوفا ً إنما أنا مشتغل بالفلسفة". 

أذكر أنني كدت أقع من الضحك عندما قرأت لأحدهم .. أي كاتب من صنف "إنت مش عارف إنت بتكلم مين" مقالا ً يحكي فيه باستفاضة كيف أنه اختير ضمن عشرة مثقفين ليقابلوا السيدة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة .. فالرجل يريد أن يقنع القارئ  أنه مثقف "بالعافية" فلما يجد المسكين غير هذه الطريقة المثيرة للشفقة ليؤثر على القارئ حتى يصدقه.

المهم .. الكتابة الأكاديمية العلمية المنهجية أمر صعب .. لا يعرف وعورته إلا من عاش و "إندعك" فيها .. فما أسهل من أن تقعد على أحد شواطئ الساحل الشمالي البديعة .. و معك الورقة و القلم أو جهاز اللاب توب .. و هات يا دش من الشرق و الغرب .. عن الفراعنة و الغساسنة و العرب و الرومان و البريطانيين و الروس و الأمريكان و اليبانيين .. فالكلام ليس عليه جمرك كما نقول في مصر!
أين ذلك ممن يمضي شهورا ً في المكتبات يبحث و يراجع و يدقق و يصنف و يسجل و يحذف ويصحح و يربط بين المتشابهات و يكتشف العلاقات !!

 على العموم من الممكن أن تسميها - يا سيد عشماوي - قرائات تاريخية .. تأملات في صراع الأمم .. حكايات تاريخية ..
 أما دراسة أو بحث ..فلا يا حبيبي .. ماكانشي ينعز !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز