نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
تدجين الخطاب الديني: ماذا بعد دروس الداعية الكويتي ياسر الحبيب؟

تدور اليوم في الكويت رحى حرب إعلامية ضروس أفرزتها التعليقات والتصريحات الحادة والجارحة التي أطلقها الداعية ورجل الدين الشيعي ياسر الحبيب، اللاجئ السياسي حالياً في بريطانيا، والتي سحبت منه جنسيته الكويتية فيما بعد في قرار لوزارة الداخلية، بعدما صادقت عليها الحكومة الكويتية إثر تعرضه لزوجة نبي الإسلام محمد، عائشة بنت أبي بكر، فيما عرف تاريخياً بحادثة الإفك حيث تعرض لعائشة بكلام فاحش وبذيء نربأ بأنفسنا دائماً عنه وعن خطابه.

 ومهما يكن من أمر الحادثة، صحتها من عدمه، أو ما اعتراها من تفسيرات، وشروحات، وحيثيات، وإلى ما هنالك من غث كثير يحفل به هذا التاريخ "المجيد"، وإن كنا لا نتفق مع الحبيب وأمثاله وعلى الجانبين في إحياء الفتن، وبث نار الفرقة، والتعرض لأعراض الناس وتكريس ثقافة الشتم واللعن والسب السائدة رسمياً، فإن ثمة مبكيات كثيرة في هذه القصة وغيرها، وهي حالة التشرذم والاستقطاب، والاصطفاف والتوتر الأزلي الذي تقف عليها هذه المجتمعات ولم تستطع الخروج من قوقعته، والذي يبدو أن لا نهاية له في المدى المنظور.

 لكن هذا يلقي الضوء، في نفس الوقت، على مسؤولية ما يسمى بالأنظمة العربية القروسطية الأبوية الحاكمة التي حاربت الحداثة ورفضتها، وبعثت النماذج السلطوية البائدة الميتة من مراقدها، وغذتها بالعشائرية والعائلية والعنصرية والقبيلة لكي تمد سلطانها وتقوي من شوكتها وتطبق على أعناق وصدور المحكومين من خلال هذه الولاءات والآليات البائدة التي لم تفلح في حينها إلا في إضعاف وتقويض الدول، ولا تصلح حتى للحكم في العصور العصرية. فلا قيم عظيمة، ولا كفاءات، ولا ذكاء، ولا مواهب، أو إنجازات وإبداعات وحب عظيم للوطن وانتماء له ينفع مع هذه الأنظمة القدرية بقدر ما تنفع معها العشائرية والقبلية والعائلية والانتماءات الما قبل وطنية. وثقافة اللعن والسب والشتم والردح، "شغالة على الجانبين"، ولا تتوقف وبوتائر عالية، نحسد عليها، وكل الحمد والشكر لله، (وأمس فقط سمى السيد زهير سالم القيادي الإخواني السوري المقيم في لندن الأقليات الأخرى في الرد على ما يبدو على الأنبأ بيشوي وياسر الحبيب ومن يختلفون معه بالرأي بالصعاليك في مقاله المعنون "صعلكة أقلوية"وكأنه يمتلك الحقيقة والبراءة والطهارة، ولا تثريب عليه وعلى خطابه فيما يجري، فهل لنا أن نسأل السيد سالم، هنا، عما يحتويه خطابه ضد الآخر وهل هناك رد فعل بدون فعل؟).

ومن يستمع إلى حجم الضخ الحشوي وثقافة الكراهية والتحريض والتخريب وازدراء المكونات الاجتماعية والأقليات وكل مختلف في الرأي، والتي تبث، عشوائياً، وكيفما اتفق من قبل جهلة وموتورين وجهلة وحاقدين وعنصريين، لا قيمة لديهم لأي جمال وقدسية لحياة البشر، ومن على أثير الفضائيات ووسائل الإعلام التي يمتلكها طويلو العمر، وأصحاب الشأن، ويرعونها ويمولونها بشكل رسمي، يدرك أن هذه "الأمة الخالدة"، والله أعلم، سائرة، لا محال، إلى الدمار والهلاك والحروب الطاحنة وما ؟زوبعة" الحبيب، إلا مداعبة ولعب عيال أمامها.

 إن سياسة الإقصاء الممنهج بحق "الرعايا" التي تمارسها أنظمة المنطقة، وإبعادهؤلاء الرعايا عن أي نوع من التشاركية الاقتصادية أو السياسية، يجعل من هؤلاء "الرعايا"، (يسمون مواطنين في الدساتير التي تحترم نفسها وشعوبها)، قنابل موقوتة تبحث عن الانتقام، والولاء الطائفي والإثني، والقبلي، والعشائري في أي مكان أصبح الولاء للطائفة وليس للعشيرة حتى لو كانت هذه الطائفة "فارسية" كما في حال الحبيب، الذي وجد نفسه غريباً فيما يسمى "وطنه" الكويت، يتعرض للازدراء العلني الممول رسمياً، فتحول نحو ولاءات خارجية تحقق له ذاته التي افتقدها في "وطنه الأم"، وهذا ليس بتبرير له على أية حال، ويبقى ما قام به مستنكر وغير مقبول، لكن بنفس الوقت ماذا يعني وجود عشرة وزراء في وزارة خليجية من نفس العائلة المالكة، وكذا الأمر بالنسبة لحكام الأقاليم والإمارات، حيث يحرم، ولا يحلم أي مواطن، بأي نوع من المشاركة السياسية والإدارية في بلده فيما تحتكر ذات العائلات كل شيء، باستثناء الهواء، ولم يفرضوا ضريبة عليه، لأنهم غير قادرين على ذلك، على الأرجح. وهل هناك ميزة ما في الانتماء لعائلة أو طائفة أو مذهب ما؟ أليست هذه هي الثقافة السائدة؟ القاعدة تقول من يطرق الباب سيسمع الجواب. وما نراه اليوم، مجازياً، طرقاً للأبواب وسماعاً للجواب.

 فلا يتصورن أحد أنه سيتمكن من الكلام وعلى الجميع الإنصات إلى الأبد، فقد ولى زمن الإسكات وقمع الأصوات ونهرها وتحجيمها في عالم النت والفضائيات والأجواء المفتوحة وولى زمن السياف الذي يقطع الرقاب لكلمة أو رأي لا يروق له.

ومن هنا لدينا معطيات وواقع جديد علينا التعاطي معه بعصرية وآليات غير الآليات التقليدية، نركز في طليعتها على فصل الدين عن الدولة والدولة عن الدين، والعشيرة والقبيلة والعائلة عن الوطن، وإحياء قيم المواطنة، والحداثة، والديمقراطية، والمواطنة وتقديس الفرد لا الجماعة، والولاء للوطن، واستصدار التشريعات التي تحقق ذلك وإلغاء المادة الثانية من الدساتير المتخلفة إياها، وإعلاء الوطن، وليس الطائفة، أو العشيرة، والعائلة وعدم الربط بين هذا وذاك، وفتح الباب أمام الجميع للمشاركة السياسية والاقتصادية، وتجذير قيم التسامح والمحبة واحترام الآخر بغض النظر عن معتقداته وأفكاره، ووقف كافة أشكال التمييز والتحريض الطائفي التي أصبحت المساجد وخطب الجمعة مرتعها الأول والأخير وملاذات لتنفيس كل أشكال الحقد والكراهية والشحن الطائفي ضد الآخر، وعلى الطرفين. فاليوم يمتلك الجميع وسائل ومنابر إعلامية، وعلى اختلافها، لإيصال كلمته وآرائه، وبغض النظر عن طبيعة وصحة وشرعية هذه الآراء، لكن ما يغذي وينمي هذه الآراء، جميعاً، هو ثقافة الكراهية والتحريض والغياب الكامل لقيم الحداثة، والتنوير، وتطبيق سياسات التغريب والإقصاء التي تمارسها، وتعمل على تأبيدها الأنظمة الحالمة، وما عدا ذلك سيكون هناك الآلاف بل ربما عشرات الآلاف من ياسر الحبيب هنا وهناك ليس لديهم من عمل سوى إذكاء نار الفتن والخلافات واللعب على التناقضات.

 الخطاب الديني اليوم منفلت من عقالاته، خارج عن القوانين والأعراف والأخلاق العامة، وفار من وجه العدالة الدولية والعولمة والعصرنة والإنسانية، وهذه واحدة من تداعياته المرة. إنه خطاب مأزوم وموتور ومتطرف ولا يعرف المساومة، وعلى غير جانب، وصار بحاجة فعلية وملحة إلى نوع من التدجين وكثير من العصرنة والتهذيب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز