نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سورية والعنف المدرسي: الواقع والآفاق

أثار شريط بث على الشبكة العنكبوتية، يظهر مدرستين تقومان بضرب أطفال صغار(ذكوراً وإناثاً) ضرباً مبرحاً على اليدين والرجلين (فلقة)، موجة عاتية من الاستنكار والاستهجان والتذمر في صفوف وشرائح غير محددة محلية وعالمية، وتعاطفاً لا مثيل أدى إلى تحرك رسمي عاجل "مشكور" أفضى لاحقاً إلى فصل المدرستين عن العمل، كما ذكر، وربما ستطالهما إجراءات قضائية فيما لو قام ذوو "الضحايا" برفع دعاوي قضائية ضد المدرستين في المدارس السورية.

 لا ينكر واع ما للضرر الجسدي الذي يتركه الضرب على الطفل، ومستقبله، وقد يشكل عاملاً من عوامل انحراف وشذوذ مستقبلي ويولد لدي الضحية مشاعر عصابية كامنة ورغبة عارمة بالانتقام وعدوانية تمتد معه طيلة فترة حياته. وتنبؤنا كتب التاريخ وتجاربه الكثيرة أن كبار القتلة والسفاحين والمجرمين كانوا ضحايا لعنف ما وتعذيب واعتداءات في طفولتهم، ولعل المثـَلـَين الأبرز والأقرب حضوراً ها هنا هما ستالين وهتلر، المسئولـَين، عن مقتل عشرات الملايين، هكذا، من الضحايا بسبب نزواتهما العدوانية الشريرة والشاذة، حيث يرد في سيرتهما الحياتية أنهما كانا ضحيتين لعنف جسدي ونفسي أسروي شديد أدى لقولبتهما بهذا الشكل المرعب الفظيع.

 وإذا كان الضرب والعنف جزء هام من ثقافتنا وعنصر كبير مكون من موروثنا الاجتماعي فهذا لا يعني أنه صار ثابتاً ومقدساً كما هو دأبنا على الوله والولع والافتنان بالثوابت، ويجب التخلص منه ومحاربته، ومحاربة كافة أشكال العنف المجتمعي والأسروي لخلق أجيال سوية معافاة من كافة الأمراض النفسية، وهي المقدمة الأولى للنهوض بالمجتمع والوطن واللحاق بركب الحضارة العالمية التي سبقتنا كثيراً على ما نظن ونعتقد.

 ومهما يكن من أمر تلكما المعلمتين، فما حدث قد حدث، ونحن لسنا بوارد الثأر والانتقام والاقتصاص من أحد أو التشفي والشماتة به، كلا والعياذ بالله وألف حاشانا وحاشكم، ونركز ونشدد دائماً على ثقافة الحب والتسامح والتصالح والوئام، فهاتيك المدرستان قد تكونا ضحيتين بشكل ما لتربية وتنشئة وتثقيف وتعليم غير سليم وما يهمنا، في الموضوع كله، أن نظهر بالصورة الأمثل نحن ووطننا الحبيب وألا نكون ضحايا لألسنة تلوكنا من دون رحمة، أو هدفاً لنقد وتجريح قاس ومر و"تعذيب" لا يقل ألماً عن الألم الذي أحدثته ضربات المدرستين في نفوس أولئك البراعم الغضة، وتالياً، ألا تقع مثل هذه الحالات الشاذة في المستقبل والقادم من الأيام.

 ومن هنا فالمطلوب من وزارة التربية السورية القيام بإجراءات عملية للحد من أية تجاوزات مستقبلية على هذا الصعيد التربوي الهام إذ لا يجوز أن ندخل الألف ونستعد للحياة بأطفال مشوهي النفوس والأرواح ومليئين بالعقد النفسية والأمراض.

 ومن هنا، فإن إحلال ثقافة بديلة عن الثقافة السائدة وتعميمها هو الحل، ويتمثل ذلك في إقرار مادة دراسية ومنهج تربوي جديد، غير موجود حتى الآن، في المدارس السورية حول حقوق الطفل يتم شرحه وتقديمه للطفل من يومه الدراسي الأول في المدرسة وعن طريق كتيبات ورسوم مبسطة يعرفها العاملون في الحقل التربوي، وكذا الأمر بالنسبة لحقوق الإنسان بشكل عام، مواد ومناهج افتقرت لها، وبكل أسف، مدارسنا ومنشآتنا التعليمية بشكل عام، توضح وتبين للطفل ومنذ أيامه الأولى وبالطرق والوسائل التربوية الحديثة والمعروفة تعليمياً، وليست على طريقة التنظير السفسطائي الفج الممجوج المطول والممل الذي تعرفونه، حقوقه وواجباته وحدود التعامل معه وأن تكون هناك آلية إلزامية للتواصل اليومي أو الأسبوعي بين إدارة المدرسة وأسرة التلاميذ ومتابعة نشاطاتهم وإصدار تقارير أسبوعية حول أهم التطورات ومجريات العملية التربوية في المدرسة، وإظهار أية تجاوزات أو مخالفات تقع وإرسال صور ونسخ منها إلى الإدارات المركزية والجهات الرسمية وأسر الطلاب ونشرها على مواقع إليكترونية خاصة بكل مدرسة وإحداث زاوية خاصة للشكاوي في المنتديات الإليكترونية التابعة للموقع، وإيجاد آلية ديناميكية وسريعة لتبليغ للجهات الرسمية بأية أحداث من قبل الطلاب وإعلام التلاميذ بكيفية ممارستها، وما إلى هنالك من وسائل وسبل لكبح هذه الظواهر واحترام حقوق الطفل، لاسيما وأن سورية هي من أوائل دول المنطقة الموقعة على اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها بالقانون رقم 8 الذي أصدره الرئيس الراحل حافظ الأسد بتاريخ 13-1- 1991، رغم بعض التحفظات على بعض المواد الأمر الذي ليس موضع نقاش ها هنا. كما وقعت سوريا، لاحقاً، على البروتوكولين الاختياريين لحقوق الطفل عام 2002 ، وصدر أخيرا المرسوم التشريعي الخاص بمنع الاتجار بالبشر عام 2010. ومما يجدر بالذكر أن الأمم المتحدة كانت قد صادقت على اتفاقية حقوق الطفل بقرارها رقم 25/44 بتاريخ 20 تشرين الثاني 1989. وتحدد اتفاقية حقوق الطفل، فيما تحدد، مجموعة من حقوق الأطفال العالمية، مثل الحق في الحصول على هوية واسم وجنسية، والحق في التعليم، والحق في التمتع بأعلى معايير صحية ممكنة، والحق في الحماية من الإيذاء والاستغلال (وهنا بيت القصيد وللدول المعنية اتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة والفعالة التي تحقق ذلك-الكاتب).‏

 كما قدمت الاتفاقية لذوي الاحتياجات الخاصة الكثير من الحقوق منها حق التعليم كغيرهم من الأطفال وحق الحماية من العنف وأن يكونوا بجو أسري، والعمل مستمر مع الأطفال ومع الأهالي وأصبح يدرك المعوق أن من حقه أن يعيش كغيره.‏(من نص الاتفاقية). نورد هذا من دون التعريج على إمكانية وجود حالات، لا يمكن رصدها البتة في ضوء ما هو معطى، من العنف الجسدي المنزلي الممارس على الأطفال لدى الشرائح الأكثر فقراً، والأقل ثقافة، والمعدمة بالمعرفة الحقوقية، والتي تتطلب إيجاد الآليات الحكومية الكافية والقادرة على رصدها ومعالجتها، ومنع استفحالها لدى تلكم الشرائح والطبقات.

 ربما، ومن الناحية الحقوقية والقانونية، لم تكن المعلمتان المسكينتان "ضحيتا الجهل الحقوقي"، تدريان بأنهما تخرقان اتفاقية عالمية المستوى وتحظى بقدر هام من الاهتمام الدولي وذلك بسبب شح الثقافة الحقوقية التي باعتقادنا هي أهم بكثير من تعليم الأطفال الكثير من الغث واللت والعجن و"العلاك الفاضي التاريخي" الذي تحفل به مدارسنا، في مناهج التاريخ والجغرافيا والتاريخ والغة العربية والعلوم وحتى الرسم والرياضة، والذي يكرس ثقافة مغايرة، بالمطلق لثقافة حقوق الطفل وحقوق الإنسان، ويكرس بالمطلق، وبكل أسف، ثقافة العبودية والعنف والاستسلام. وكان من الأولى لوزارة التربية، وكل من يعنيهم الأمر أيضاً، أن ينشروا تلكم الثقافة الحقوقية ليعلم طرفا المعادلة، الطفل والهيئة التدريسية، ما لهما وما عليهما. ونكاد نجزم بأنه لو كان لدى تلكما المعلمتين أي قدر من ثقافة حقوق الإنسان ودراية بشيء حقوق الطفل ودرع الحماية المعرفي الحقوقي المفقود، بكل أسف وحسرة، لما وقع ما وقع، ولما دمـّر مستقبلهما ونفسية تلك البراعم الغضة المتأذية ضرباً.

 وما دام الجهل الحقوقي والقانوني متفشياً بهذا الشكل المرعب فعلينا توقع الأسوأ. إنها الخطوة الأولى والأهم، فهل تفعلها وزارة التربية في سورية، كي لا يحصل ونرى "كليبات" على النت أسوأ وقعاً وأشد هولاً وفظاعة مما رأيناه حتى الآن؟ لننتظر ونرى ما هي فاعلة وزارة تربية في سوريا، حيال ذلك، وأرجو ألا يقف في الطريق أي من "مطاوعة" هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما غيرهم، الذين كانوا يشحذون الهمم و"السكاكين"، من خلال قانونهم للأحوال الشخصية، لسن القوانين الطالبانية التي تجعل من ضرب الطفل والمرأة أمراً واقعاً وحقاً شرعياً مبرراً ومحمياً قانونياً للبعض المجتمعي، نقول نرجو ألا يقفوا في طريق ذلك حباً بسوريا وأهل سوريا وشعبها الطيب العظيم، ورأفة ببراعمها وأطفالها الأجمل، وبمستقبلهم المهني، والصحي والنفسي والجسدي أولاً وأخيراً. ملاحظة: لكم عندي، غداً، بمشيئة آلهة الإنترنت ياهو وغوغل وهوتميل والإكسبلورور، خبطة تربوية سورية تربوية أخرى عن العنف المدرسي "غير شكل"، ومن العيار النووي الثقيل. فأرجو الانتظار وخليك "ع النت".







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز