نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
تراجع القس فلماذا لم يتراجع الإمام؟

صحيح أن أتباع كنيسة القس تيري جونز راعي كنيسة اليمامة  Dove World Outreach Center  ، ومؤلف كتاب الإسلام من الشيطان 'Islam Is of the Devil' لا يتجاوز العشرات الـ Dozens  في أحسن الأحوال، كما يشيع بعض من معارضي الرجل للتقليل من شأنه ومن شأن كنيسته والتخفيف من وزنه كعادة إعلام التضليل في تناوله لشتى القضايا بغوغائيته المعهودة، لكن هذه القلة القليلة استطاعت أن تضع العالم برمته على مرجل يغلي، وفوهة بركان متفجر، لحوالي الأسبوعين تقريباً، فالعبرة إذن ليست في العدد كما يتوهم البعض، والقرآن يقول"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين"، البقرة 249 وأقوال أخرى كثيرة ترد في متن "العزيز الحكيم"، تقول إن "أغلبهم" لا يفهمون، ولا يعقلون، ولا يسمعون، ولا يعون، ولا يفقهون والعياذ بالله. وتحول القس المشاكس، صاحب كتاب الإسلام من الشيطان إلى نجم إعلامي، وإلى رجل "الربع الساعة الأخيرة"،  ويعرف رجل الربع الساعة الأخيرة، مجازياً، بأنه هو صاحب الكلمة الأخيرة، والقول الفصل، الذي ترنو إليه الأنظار والأفئدة، والأبصار لمعرفة ما سيقوم به من فعل تتوقف عليه الكثير من الأشياء.

 

لكن، وعلى ما يبدو، وبعد أن تحقق للقس بعض مما أراد، فقد تراجع في اللحظات الأخيرة عن عزمه عن إحراق نسخ من القرآن، كما كان يتوعد ويتهدد لأسابيع خلت، تزامناً مع الذكرى التاسع لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن دون أن يرشح شيئاً عن أسباب هذا التراجع، أو تبيان فيما إذا كان هناك أية صفقة من هذا القبيل مع القس "المعتوه"، كما وصفته بعض وسائل الإعلام، بعد آخر مكالمة دارت مع وزير الدفاع الجمهوري روبرت غيتس ولم يعرف الكثير عن فحوى تلك المحادثة الهاتفية، رغم وجود تكهنات حول تضمنها ضرورة العمل على سلامة الرعايا والجنود الأمريكيين في الخارج، وهذا يعني أن القضية تتعلق، أولاً ،بسلامة الأمريكي، وليس بأي بعد سحري أو أسطوري، وقفت في بعض جزئياتها وراء تراجع القس "الغاضب" من المسلمين.

 

 ورغم انقضاء عاصفة جونز بهدوء وسلام، فهذا لا يعني أو لا يمنع  وجود "قساوسة وكهنة" وسحرة آخرين مستعدين للتلاعب بأعصاب الناس والإعلام كما فعل صاحب الإسلام من الشيطان. فهل يعي "الإمام" فيصل عبد الرؤوف هذه الحقيقة ويكف عن إثارة واستفزاز "القساوسة" بعزمه على بناء مركز إسلامي في موقع الأرض صفر "المحروقة". ولا ندري في الحقيقة سبب إلحاح هذا الإمام على بناء المسجد في تلك المنطقة، بالذات، وكأنها الوحيدة في العالم، وماذا ستفيد أو تنتقص من قدر الإسلام، رغم إدراكه التام لحساسية المسألة، ومعرفته لحجم الاعتراض الهائل الموجود لدى الأمريكيين وخاصة ذوي ضحايا الاعتداءات الآثمة، وتجاهله لكل هذا مقابل أن يرضي غروره وغرور بعض المتطرفين، مستغلاً ثغرات في الدستور الأمريكي وقوانين البلاد تتيح له فعل ذلك؟ الإمام عبد الرؤوف، ها هنا، وفي المقارنة، أو المواجهة القس "المتراجع"، يعطي انطباعاً، وصورة غير طيبة عن تسامح المسلمين، وكان عليه أن يستغل هذا التركيز الإعلامي الهائل لإعطاء فكرة عن مرونة وتسامح الإسلام ووسطيته واعتداله واستجابته لمشاعر المعترضين على الأقل، فالدين لن يتأثر ببناء مسجد، أو مركز إسلامي هنا وهناك.

 

مهما بدا القس "معتوهاً" و"مجنوناً"، و"أخرقاً"، و"شاذاً"، كما تناولته الكثير من الأدبيات، وهذا ليس دفاعاً عنه بحال، لكن هناك صفة قد غلبت كل تلك الصفات وهي "حكمته"، شئنا أم أبينا، في الامتثال والتراجع عن قراره بحرق نسخ من القرآن وإدراكه لرمزية الحدث ومعناه واحترامه لمشاعر المسلمين، في الوقت الذي يتشبث فيه "إمامنا" الحكيم برأيه، ضارباً عرض الحائط بكل الآراء المعارضة المتأذية والمكلومة، في داخل أمريكا، وخارجها لبناء المركز الإسلامي على مقربة من برجي التجارة العالمية يراه-البناء- بعض الغلاة انتصاراً وتقدماً للإسلام.

 

لوبيات الضغط المتدينة "المعروفة" لم تترك مجالاً ولا مناسبة للإساءة للإسلام وإظهاره بموقف المتشنج إلا واستغلتها،  وهي التي تقف وراء موقف الإمام المتعنت وتدفع به أكثر نحو الصلف والتزمت، ليس خدمة للدين بل لمزيد من تشويه صورة العرب يساندها بعض المسلمين المتعنتين الغلاة المتطرفين الرافضين لأية مساومة أو تراجع، أمام قس وصفوه بالمعتوه تبين أنه أكثر تعقلاً من هذا الإمام، لأنه وجد أن من الحكمة العدول عن فكرته "الشيطانية"، والتراجع أمام ضغط عام ورسمي، رغم أن العملية كلها لم تكن لتكلفه أكثر من خمسمائة دولار كغرامة تلويث بيئة يفرضها القانون الأمريكي.

 

هناك عقلاء وحكماء على جانبنا العربي والمسلم، لا يريدون لهذا الإمام أن يمضي في مشروعه وفي تحديه لمشاعر الرافضين الأمريكان وذوي الضحايا، وإنه لمن الحكمة والمرونة والاعتدال أن يتراجع فيصل عبد الرؤوف ولو تكتيكياً ومرحلياً، ولكن لوبيات الضغط، إياها،  وعلى ما يبدو، داخل أمريكا وخارجها، تحاول أن تبقي الوضع متوتراً ومأزوماً، وتدفع على ما يبدو بالإمام نحو مزيد من التعنت والمغالاة. ويظهر معها هذا الإمام وكأنه أحد المتطرفين، وعنصر توتير وتأزيم وتسعير أكثر مما هو زعيم وسطية واعتدال، كما يشيع ويشاع.

 

وللإجابة على سؤال المقال: لا مصلحة للمتطرفين، وللوبيات الضغط، ولزعماء جماعات الإرهاب، ودعاة الحروب وتجارها الـ War Mongers لإقناع دافع الضرائب الأمريكي بشرعية الحرب على "الإرهاب" الذي بات، وبكل أسف، عرفاً المعادل الموضوعي للإسلام ولاسيما أن وزارة الخارجية الأمريكية ترعى تحركات الإمام وزياراته وتمولها، نقول لا مصلحة لكل هؤلاء البتة في السكينة والهدوء والتعايش المشترك والاستقرار، وهنا يبدو الإمام كواحد من المتطرفين الغلاة يؤجج الصراع بشكل من الأشكال ، وحتى إن كان يعلم أو يجهل هذه الحقيقة وإلام ستفضي "فعلته" في حال إصراره على تنفيذها، فهو بموقفه هذا لن يسعى إلا في تأجيج الموقف، وتفريخ المتطرفين على جبهتي المواجهة والنزاع.

 

 نحن بانتظار قرار حكيم وجريء، في هذا الموضوع الحساس فهل يفعلها الإمام، وإن كنا نعتقد بأن الجواب لا لأن المطلوب أن يبقى كل هذا الجنون والهياج والسعار مسيطراً على الأجواء وطالما أن القس "المعتوه" قد تراجع فلم يبق سوى الإمام ليتكفل بهذه المهمة "المقدسة" الهوجاء؟

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز