رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
عصافير من نار

      كان " خليل " الذي تجاوز منتصف العقد الثاني من العمر ينتمي للحركة الوطنية ، فكان من المشاركين بفعالية عندما اشتد أوار الانتفاضة في عامها الأول ، فتراه دائما في الطليعة ، مع أنه كان بالأمس تصطك أسنانه ، وتهتز ركبه لا تقوى على حمله ، ويرتجف جسده ، ويزوغ بصرة عندما يردد أحدهم كلمة الاحتلال على مسمعه ، ففي تلك اللحظة تقفز إلى ذاكرته أشكال التعذيب وصوره التي مورست عليه عندما تم اعتقاله بتهمة التستر على شخص عرض عليه الانتماء لخلية للعمل على قلع جذور الاحتلال فرفض حينها ؛ لأنه يرغب التفرغ لدراسته لتأدية امتحان الثانوية العامة الذي قام بتأديته في السجن .

     انتشرت روح التحرر من الاحتلال في نفوس الشعب الفلسطيني انتشارا سريعا ، لذلك أصبح لا مناص للمرء إلا المشاركة في فعاليات الانتفاضة بشكل أو بآخر ، فقد استقطبت في تيارها كل فئات الشعب ، فمن لم يشارك فعليا بها فقد تعاطف معها ، ولم يعارضها سوى حفنة من المنتفعين الذين يجرون خلف مصالحهم الباهتة ، ومنهم من باع ضميره للعدو ، ترنحت ركبهم وخارت قواهم ، وتدلت ألسنتهم لتلحس الفتات مقابل سفك دم أخ أو ابن أو جار .

     كان " خليل " يتصدى بشراسة مع الجموع الحاشدة لدوريات الاحتلال يرشقها بالحجارة ، يريد أن يفرغ جزءا من شحنات الحقد التي ملأت قلبه ، والألم الذي ألم به في السجن ، وآثار السياط التي مازالت خطوطها بادية للعيان كمشروع خارطة طفل بخطوط متقاطعة . وبقوة وصلابة بدأ ينسب الشباب للانضمام إلى الحركة ، ويوزع المنشورات التي تصدرها القيادة الموحدة ، ويخرج ليلا في حيه في البلدة القديمة مع مجموعة من الملثمين ؛ ليقرأ بيان القيادة الموحدة ، وفيه يعلن عن حداد ، أو إضراب ، ويطلب من أصحاب المحلات التجارية إغلاق محلاتهم ، بصوته الجهوري الرجولي يحمل بيده المنشور أو الورقة التي يقرأ منها ، ويقوم أحد الملثمين المرافقين له بحمل مكبر الصوت ليخفف عنه حتى لا تكل يده لطول البيان الذي يقرأه .

     تميز " خليل " بالجرأة والحس الوطني ، وحسن التدبير ورزانة التفكير بين أقرانه ورفاق دربه ؛ أعجب به الكثيرون من أفراد المجتمع ، وأضحى القدوة الحسنة للشباب والشابات ، ولم يقتصر هذا الإعجاب على سكان حيه  فلمع اسمه في الأحياء الأخرى ، فتراه دائما يتصدر المسيرات الشعبية ، ويوزع الأدوار على الشباب في تلك المسيرات ، ويحضر ما يلزمها من كتابات ، وأعلام فلسطينية . وفي إحدى هذه المسيرات اصطدم المشاركون فيها مع جنود الاحتلال ، ولفت انتباه " خليل " فتاة تشارك بجرأة في التصدي للجنود ، تتصدر مجموعة من الفتيات ترشقهم بالحجارة غير آبهة بهم ، وكثيرا ما صاح بها يحذرها ، وفي إحدى اللحظات اضطرته إلى الإمساك بها ، وإجبارها على التراجع ؛ فقد خشي أن تصاب بعيار ناري أو مطاطي ، أو أن يلقى القبض عليها . صدرت عنها صيحة ألم ، اصيبت " ندى " بعيار ناري ، فاندفع " خليل " مع مجموعة من الشباب نحوها ليقوموا بإخلائها من مكان المواجهة ، يطلبون سيارة الإسعاف فهم في مكان تتمكن السيارة من الوصول إليه لا يبتعدون كثيرا عن أزقة البلدة القديمة ، ولكن قلة عدد سيارات الأسعاف ، واندلاع المواجهات في جميع أرجاء المدينة والمخيمات ولكثرة الإصابات أدى ذلك إلى نقل " ندى " سريعا إلى مستشفى المدينة في سيارة مدنية خاصة . ليتم إدخالها إلى غرفة الطوارئ في المستشفى يرافقها " خليل " وقدمت الإسعافات الضرورية لها ، ثم نزلت في إحدى غرف المستشفى ، وقامت إدارة المستشفى بتوثيق المعلومات اللازمة بالإصابة بعد أن تبين أن الرصاصة اخترقت عضلة الفخذ .

     أعجب " خليل " بجرأتها وجمالها ، ومع أنّ الظرف لم يكن يسمح للحب إلا أنّ الحب لا يأخذ الإذن في الدخول إلى القلب ، لقد أحس كأنّ تيارا رقيقا ينتشر في جسمه . صار يزورها باستمرار في المستشفى ، لا ينقطع عنها سوى بضع ساعات ، يقضيها في اجتماع مع كوادر الحركة لتنظيم فعاليات ، أو للتخطيط لأنشطة ، وكان موضع ترحيب من قبلها ، أحست أنّه كان حريصاً على سلامتها أثناء الاشتباك مع جنود الاحتلال ، سمعت عنه كثيرا ، فكانت معجبة به وبجرأته ، ومواقفه الوطنية قبل أن تراه . وفي إحدى زياراته عبَّر لها عن مشاعره نحوها ، فعلم منها أنّها تبادله ذلك الشعور ، وأنّها توافق على الزواج منه بعد أنْ أعلمها أنّه سيتقدم لخطبتها من أبيها .

    استعادت عافيتها من الإصابة ، وعادت إلى بيتها وأسرتها ، فتقدم " خليل " لخطبتها ، صعق من رفض والدها ، لم يتقبل المبرر الذي ساقه له ، فقد اعتبره غير كفؤ لابنته ، فهو يعمل بائعا في محل تجاري يحصل على أجر شهري زهيد ، فحالته المادية متوسطة ، وساق له مبررا آخر أنّه لا يريد أنْ يكون زوج ابنته نزيل السجن ، أو أن تصبح في شبابها أرملة ، فأعماله وتهوره سيؤدي به إلى السجن ، أو الاستشهاد ، كان الأب على عكس ابنته يضخم سلبيات الانتفاضة ، ويرى أنّها قضت على الاستقرار والأمن ، فالحجر لن يحرر البشر ، ولا يمكنه الصمود أمام المدفع والرشاش والطائرة . وأصر الأب على موقفه رغم موافقة الفتاة على الاقتران به .

     طرده أبوها عدة مرات من المنزل مع أناس محترمين لهم مركزهم الاجتماعي بعد أن طلب منهم " خليل " أن يتدخلوا لإقناعه ، فكان عناد الأب واضحا جليا ، ولكنّه لم ييأس ، فاستعان بمجموعته المسلحة لإرهابه بعد أنْ أخذ موافقة " ندى " على ما سيقوم به ، يريد بث الرعب في نفس والدها ، ولكن لم تلن قناته أمامهم.  وجاء " خليلا " الفرج عندما أشار عليه رجل من الحي اللجوء إلى " أبي حاتم " فهو مفتاحه ، وطلبه لا يرد أبدا ، وكلمته لا تصير اثنتين عنده ، وما على " خليل " إلا أن يذهب إليه طالبا منه مساعدته في خطبتها .

     لم يضع " خليل " النصيحة في سلة المهملات ، بل انطلق مسرعا في الذهاب إليه ، واستغرب " أبو حاتم " من مجيء هذا الشاب إلى بيته ، لم يره من قبل . سد " أبو حاتم " بجسمه العريض مدخل الباب ، وعلامات استفهام ظهرت على وجهه ، ولم يحد عن الباب إلا عندما سمع الشاب يقول له :
-
أتسمح لي يا والدي بالدخول .
-
تفضل يا بني .
     دخل " خليل " غرفة صغيرة المساحة فيها أثاث متواضع اقتصر على مقاعد خشبية تناثرت فيها مما يدل على رقة حال صاحبها ، وما أن جلس على واحد من هذه المقاعد حتى أهتز تحته ، وكأنه يئن من جسده مع أن " خليل " كان متوسط الطول نحيلا ، وأثناء ترحيب " أبو حاتم " تقدم " خليل " يعرف نفسه ، ويعلن له عن سبب زيارته ، يصارحه بمقدار حبه لابنة صديقه " أبي عزيز " ، وأنّه يرغب بشدة العيش معها ، وبين له أنه لجأ إليه بناء على نصيحة أحد الأشخاص .

      أحس "أبو حاتم" بوله هذا الشاب الماثل بين يديه ، وصمم أن يضغط على صديقه بعد أن سمع إجابات "خليل " على الأسئلة التي وجهها إليه والني انصبت على عمله وسنه وعائلته ، ووجد أنه يمثل غالبية شباب الوطن . فذهب وحيدا إلى منزل صديقه "أبي عزيز" ، لم ينتظر طويلا بعد أن قرع جرس الباب ، فتح صديقه " أبو عزيز " الباب حالا ، وفي تلك اللحظة وقبل أن يسمع كلمة ترحيب من صديقه " أبي عزيز" انطلق لسانه يهاجمه بحدة :
-
ألا يعد تصرفك هذا أنه صادر عن شخص أحمق غبي ؟ لماذا ترفض زواج ابنتك من الشاب " خليل " ؟ الكل يمدح أخلاقه ووطنيته .
رد " أبو عزيز " بعد قهقهة عالية يقول :
-
وكيف علمت بالأمر ؟ ومن نقل إليك الخبر ؟
رسم " أبو حاتم " على وجهه علامات غضب شديد ، فقال له :
-
هذا لا يعنيك . إلى متى تظل بهذه العقلية المتحجرة ؟ ألا ترى الظروف الصعبة التي نمر فيها ؟ احمد ربك أنّه دخل من الباب وليس من الشباك ! وسمعت أنه انتفخ صدرك ، وصرت تتكلم من رأس أنفك مع الأكابر الذين توسطوا له ، وجاءوا يطلبون يد ابنتك ، ظنوا أنك ذو مقام كبير ، ولكنهم اكتشفوا أنك طبل أجوف .

     دعا " أبو عزيز " صديق عمره للجلوس ، يريد أن يخفف من غضبه ، ويستقطبه ليقف إلى جانبـه ، يريد أن يؤلبه على " خليل" يذكر له ما قام به ، فإحضار الملثمين يعد عملا شائنا يستنكره القاصي والداني فيقول له :
-
لقد أحضر المسلحين من الشباب الملثمين الذين على شاكلته .
فرد عليه " أبو حاتم " بقوة وحزم :
-
ليس البشر من صنف واحد ، فهم مختلفون في تصرفاتهم وعقولهم ، فمنهم من يقدرك ويحترمك إن استخدمت أسلوب المنطق والعقل واللطف معه ، ومنهم من هو على شاكلتك لا ينفع معه سوى أسلوب القوة والتهديد والوعيد ، وبسبب عنادك أحضرهم .
-
أشهروا أسلحتهم ، وهددوني بالقتل فورا إذا لم أوافق .
 

     قرر " أبو حاتم " أن يتخذ أسلوب الهجوم ، وألا يتراجع عنه ، فهو يعرفه أشد المعرفة ، فستتغير الأدوار إن أظهر اللين معه ، لذلك من الضروري أن يبقى صلبا حتى تلين قناة محدثه فقال له :
-
يا ليتهم أطلقوا النار عليك ، وأ






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز