محمد محمود
selwan2009@live.com
Blog Contributor since:
24 August 2010



Arab Times Blogs
البوليساريو.........قراءة أخرى.

 

البوليساريو...... قراءة أخرى.

      لقد برزت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب – أو ما بات يعرف اختصارا بالبوليساريو – الى الوجود في سبعينيات القرن الماضي، وأسهم خلو الساحة من أي نشاط سياسي لتنظيم العمل المقاوم وتوحيده وتفعيله تحت مظلة واحدة في بروزها كقوة سياسية بلا منافس. اذ استطاعت وفي وقت وجيز كسب ود الجماهير الصحراوية المتعطشة الى بناء كيان مستقل خاص.

وكان رفعها لشعار الثورة   ضد الاستعمار أثرا كبيرا في استمالة أغلب فئات الشعب و الالتفاف حولها وتبنيها. كما كان أيضا للمناخ الدولي السائد وقتئذ، الذي طبعه التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي على مناطق النفوذ في العالم أثرا بارزا في حشد التأييد و الدعم السياسيين للبوليساريو من قبل العديد من الدول الافريقية الحديثة الاستقلال خاصة الجزائر التي قدمت لها الدعم المالي والعسكري والسياسي بل وتعداه الى حد التدخل العسكري في بداية النزاع الذي ربما كان دافعه أساسا محاولة الانتقام لحرب الرمال في بداية الستينيات وليس بدافع مبادئ وقيم انسانية تاريخية مرتبطة بتاريخ وقيم المجتمع العربي الجزائري الاصيل كما سيتضح لنا لاحقا من خلال رصد الموقف الجزائري طيلة خمسة وثلاثين سنة.

لقد انطوى البوليساريو كتنظيم سياسي منذ بداياته الاولى على فشل بنيوي باعتباره مشروع سياسي تحرري نيتجة وقوعه في أخطاء جسيمة على مستوى الاستراتجية أثرت سلبا في مسيرته الثورية بل تعدته الى حد مواجهة خطر الاندثار والزوال. وتجلى ذلك في بروز انشقاقات حادة في الرؤى والفكر بين البوليساريو منذ ظهورها الى الوجود كمشروع سياسي جديد متخذا من الفكر اليساري التحرري مرجعية سياسية فكرية ويبن أقطاب السياسية الاستعمارية الاسباىية في المنطقة متثلا في حزب (EL PONCE) بزعامة خليهن الرشيد أو ما عرف أنذاك في سجلات المخابرات الاسبانية باسم (السفينة الصفراء) وبعض كبار أعضاء الجمعية الوطنية الصحراوية(LA ASSEMBLEA GENERAL) الذين كان يرون في الخطة الاسبانية القاضية بمنح الاقليم حكما ذاتيا تحت الوصاية الاسبانية لمدة عشر سنوات ثم الحصول على الاستقلال لاحقا   أفضل سبيل وخيار للانفصال عن اسبانيا وتجنيب الاقليم أطماع بعض دول الجوار  التي بدأت تتضح ملامحها جليا خلال تللك المرحلة، و كادت هذه الخلافات الحادة بين الاخوة الفرقاء أن تعصف بهم الى ما لا يحمد عقباه، مما حذا بالبوليساريو في محاولة لوأد الفتنة وحسرها في نطاق ضيق يسهل السيطرة عليها بل والتحكم فيها .وكان لها ما أرادت، اذ دعت الى عقد ملتقى عين بنتيلي يوم الثاني عشر أكتوبر 1975، أستدعي اليه كافة أعيان القبائل الصحراوية بمن فيهم أعضاء الجمعية الوطنية حيث طفت خلال الاجتماعات الى السطح خلافات عميقة وتباين شديد في الرؤى بين الفريقين أفضي في النهاية الى حل الجمعية الوطنية وانقسام أعضاءها بين مؤيد لفكرة الثورة ومن بقي على رأيه والعودة الى العيون واشهار البيعة والولاء للملك المغربي بينما فضل بعضهم الحياد وخروج دائرة الصراع لتخلو الساحة لجبهة البوليساريو كأبرز فصيل سياسي في المنطقة لملئ الفراغ الذي خلفه حل الجمعية الوطنية الصحراوية.

وقد شهد ذلك العام تطورات خطيرة متلاحقة ساهمت مخابرات الدولة المستعمرة ودول الجوار أيضا في صنعها وبلورتها، اذ توجت بعقد اتفاقية مدريد في آواخر 1975 التي أفضت الى تقسيم الاقليم بين كل من اسبانيا، المغرب وموريتانيا التي وضعت البوليساريو في حالة حرج وارباك دفعاها آنذاك الى الخروج بالثورة وترحيل آلاف المواطنين الى داخل الحدود الجزائرية نتيجة استعار الحرب على أكثر من جبهة أدت الى تعرض آلاف الصحراويين لخطر القصف والترحيل القسري الذي مارسته القوات المغربية في بداية الغزو المغربي الموريتاني على الاقليم.

وقد تمكنت البوليساريو خلال ظرف زمني قصير من بناء قوة عسكرية ضاربة بفضل قوتها التنظيمية واعتمادها حرب العصابات الذي مكنها من التحكم في زمام الأمور ووضعها في موقع هجومي باتت فيه قوات العدو شبه عاجزة عن حماية نفسها من الهجمات المتكررة شبه يومية على مواقعها مما دفع الجيش المغربي الى بناء جدار دفاعي -يفصل الاقليم الى شطرين بمساعدة تقنية اسرائيلية وتمويل سعودي بلغ طوله 2700كلم وبلع أكثر من 80% من أراضي الاقليم- لصد هجما ت مقاتلي البوليساريو الا أن ذلك لم يجد أمام قوة البوليساريو التي حققت انتصارات عسكرية باهرة كلفت الجيش المغربي خسائر بشرية فاقت عتبة 30000ألف قتيل و2800 أسير حسب مصادر مغربية، علاوة على خسارة الخزينة المغربية ملايير الدولارات  أمام البوليساريو في حربه الدبلوماسية الهادفة الى حسر نشاطها وابرزاها كحركة انفصالية الا أنه فشل في ذلك نتيجة نشاط الدبلوماسية الصحراوية بدعم من الجزائر التي ساهمت في افتكاك الكثير من المواقف السياسية والدبلوماسية لصالح جبهة البويساريو مما أجبر المغرب على التفكير بجدية في البحث عن  طوق نجاة من المأزق الذي أوقع نفسه فيه نتيجة للعقلية الاستعمارية الاستبدادية وبناء مطالبه التوسعية على رؤى ومغالطات زائفة اذ عبر في مناسبات عديدة عن استعداده لقبول تنظيم استفتاء في الاقليم.

لقد حققت البوليساريو أيام أوجها انتصارات عسكرية سياسية مكنتها من افتكاك عشرات الاعترافات بها من مختلف بقاع العالم دون أن يحصل المغرب في المقابل على اعتراف واحد يقر له بالسيادة على اقليم الصحراء الغربية الا أن هذه الانتصارات والمكاسب لم تكون سوى بداية لمرحلة من الانتكاسات التي تجسدت في ما عرف داخليا باسم "حوادث 88" التي لم تكون في الحقيقة سوى امتدادا طبيعيا ومنطقيا للانشقاقات التي رافقت التنظيم منذ رحلة تأسيسه وصراعه مع أقطاب وأعيان المجتمع على الزعامة. اذ أدت تلك الحوادث الى تعميق الخلافات بين القيادات في البوليساريو وصلت حد تدخل الجيش لحسم الصراع لصالح "الدينصورات الكبار" لتدخل بعدها البوليساريو منعطفا جديدا اتسم بانتهاج سياسة داخلية وخطاب جديدين مغارين.

وتمثل أبرز خطأ ارتكبته البوليساريو كتنظيم سياسي وحركة تحرر في الخروج بالثورة واللجوء الى بلد آخر تحت مبرر تعرض الشعب الصحراوي لابادة جماعية من القوتين الغازيتين الا انه وحسب العديد من الروايات من بعض الذين عايشوا المراحل الاولى للثورة يقرون بأن عملية النزوح الى الجوار تم الاعداد لها والترويج لها منذ نهاية 1974 مما يقودنا الى أن اللجوء كان الهدف من وراءه التحكم في القرار السياسي للصحراويين  ، وهو ما لمسناه في العديد من المواقف والقرارات التي اتخذتها جبهة البوليساريو ولعل أبرزها كان الانسحاب المفاجئ لقوات البوليساريو من الزاك بعد حصار خانق لعدد كبير من فيالق الجيش الملكي بايعاز من الجزائر سنة 1984 ثم اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم بأمر من الجزائر سنة 1991 وتسليم الاسرى المغاربة دون مقابل كآخر ورقة كانت تمتلكها البوليساريو لتليها بعد ذلك عملية تفكيك وتقطيع أوصال الجيش الصحراوي والانخراط في عملية سلام وهمية غامضة كانت نتائجها كارثية ومدمرة.

 لقد انتهجت البوليساريو منذ وقف العمليات العسكرية سياسة خيار الحل السلمي للنزاع عن طريق اشراك الفاعلين الدوليين في ايجاد تسوية عادلة بناء على قرارات وتوصيات الامم المتحدة باعتبارها أكبر مرجعية قانونية وقضائية لحل النزاعات الدولية. وقد راهنت في سياستها الجديدة على عدة محاور أبرزها:

1-     التوجه نحو كسب تأييد الرأي العام الدولي خاصة الرأي الاسباني

2-     تدعيم الانتفاضة السلمية في المناطق المحتلة في محاولة للضغط على المغرب لفك الحصار عن المنطقة.

3-    التخلي عن العمل المسلح وانتهاج المقاومة السلية كخيار استراتيجي بديل.

لكن كل هذه الرهانات فشلت برمتها بسبب قوة الدعم الخارجي للمغرب من القوى الكبرى الذي هو اصلا عماد استمرارية العرش الملكي في المغرب، اذ يرتبط بتحالفات سياسية واقتصادية مع الكثير من القوى العالمية الكبرى منذ قرون وتنظر الى المغرب والعرش الملكي كحليف لا يمكن الاستغناء عنه بل ينبغي حمايته متى اقتضت الضرورة ذلك. وان كانت جميع هذه القوى لا تعترف له بالسيادة على الصحراء الغربية.

 فالبوليساريو ومن وراءه الصحراويين قاطبة، يواجهون مصيرا غامضا قد يقودهم الى الاندثار والتشتت، مالم تقوم البوليساريو بمراجعة خطابها وسياستها في ادراة الصراع بحيث ينبغي عليها الآتي:

1 – الدعوة الى مؤتمر استثنائي عاجلا وانتخاب قيادة جادة وأكثر راديكالية.

2 – طرد قوات المينورسو والانسحاب من كافة الاتفاقيات الموقعة.

3 – اعلان الحرب بحيث تتوسع هذه المرة لتشمل المناطق المحتلة.

4 – مراجعة الموقف الجزائري من القضية الصحراوية بحيث يكون موقفا قائما على الندية بعيدا عن استغلالنا في صراعها مع المغرب.

 فالوضعية التي تمر بها البوليساريو ومن ورائها الشعب الصحراوي تستدعي تحركا عاجلا بحيث لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل. 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز