الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الغزو العربي للشمال الإفريقي . الغزوة الرابعة 55 هجري

كثيرمن العظماء طَمس ذكرُهم الزمن وتناسهم ، لأنهم لا يملكون سندا عنصريا ، يروج لفعلهم ولو أنهم قاموا بجلائل الأعمال ، ومن هؤلاء الذين يكاد الزمن ينساهم ، وإذا ذكروا فيذكرون من باب أنهم خلفية للحدث والحديث ، أو يذكرون كتبع لغيرهم جُحدا لجهدهم ، فالمؤرخ العربي يمارس غالبا سياسة الكيل بمكيالين ، وسياسة الإنتقاء بأبشع المظاهر ، فهو يمد الخبر ويقصره ، يفيض في الحوادث أو يبترها ، مسايرة لرغبات أولياء الأمر وإن زاغوا وتجبروا ، وهو الإخفاء الذي طال شخصية أبو المهاجر دينار ، الذي لا يردُ إلا مقرونا بعقبة بن نافع الفهري ؟

** من هو أبو المهاجر دينار ..؟؟؟.

لم نعثر على كبير أثر حول أرومة الرجل ، ولا شخصيته ، فقد أغفلته كتب التراجم لأنه ليس بصاحب ولا تابع ولا عربي ، كل ما في الأمر أنه مولى ( أعجمي ) ،عاش في فترة الفتنة الكبرى ، وما لحقها من انقسام مريع في صفوف المسلمين بين تابع للخليفة علي بن أبي طالب وناقم عليه ، ويبدوا أنه كان من جملة الدائرين في فلك الناقمين ، وفلك أوليائهم المخلصين ، أتباع معاوية وكل الدائرين حوله .

فأبو المهاجر دينار هو مولى ( مسلمة بن مخلد الأنصاري ) الذي جمع ولاية المغرب ومصر في ولا ية واحدة ، وهو الذي أقنع الخليفة معاوية بتنحية عقبة الفهري لأسباب مسكوت عنها، وجعل المهاجر دينار محلهُ أميرا على إفريقية والمغرب كله لذكائه وفطنته ، ( وأنه صبر علينا في غير ولاية ، ولا كبير ميل ، فنحن نحب أن نكافيه )[1] ،وامتدت إمارته لها لسبع سنين كاملة (من 55إلى 62 هجرية)، وهو أقل فاتحي إفريقية ذكرا وأيسرهم لفتا لانتباه المؤرخين ، رغم ضخامة الجهد وخطورته، حسب رأي المؤرخ حسين مؤنس . ويذكر ابن الأثير( استعمل مسلمة على إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فقدم إفريقية ، وأساء عزل عقبة واستخف به ) [2] وقد بالغ المؤرخون في استنكار العزل ، والإستخفاف بعقبة ، ولعل لوالي مصر دور في توجيه أميره للفعل ، لسابقة بينهما لا نعلمُها ، كل ما في الأمر أن أبا المهاجر طبق أوامر ولي نعمته دون الخوض في أسبابها .

*** غزوة أبا المهاجر دينار.. وتأسيس ( تيكروان).

وصل أبو المهاجر دينار قادما من مصر ، على رأس جيش لانعرف عن عدده وعدته شيئا ، وقد يكون سكوت المؤرخين عن ذلك مرده وجود نسبة كبيرة من جيشه من غير العرب ، وبوصوله أساء عزل عقبة وسجنه ، لعل في ذلك شيء من تعليمات مسلمة مخلد الأنصاري الذي أنكر الأمر ، المهم أن سراح عقبة أُطلق بعد تدخل الخليفة معاوية في الأمر ، وغادر القيروان باتجداه دمشق مرورا بمصر ، ويذكر المؤرخون أن أبا المهاجر كره النزول بقيروان عقبة ، فبنى لجنده مدينة جديدة بالقرب منه ، باسم امازيغي قح سماها ( تيكيروان ) قد يكون الغرض منها اكتساب الشهرة والمجد ،أو تأويلات من قبيل خوفه من تمرد عرب القيروان ضده ، ولا يعقل تصديق أمر إخلاء القيروان ، أوإخلائها وتدميرها خاصة وأن المالكي يؤكد بقوله ( قد عاد وسكن القيروان بعد رجوعه من حملته على تلمسان[3].فكل ما كان يريده هو احترام الإنسان والمكان ، بتسميته القيروان ب ( تيكيروان)، وبإدراكة أن الغاية هي الإنسان الأمازيغي الذي هو المبتغى في نشر الإسلام .

.. أبو المهاجر دينار ...أول الداخلين للمغرب الأوسط ( الجزائر).

**كثيرمن القبائل الأمازيغية هجرت قراها نتيجة المد العربي ، وتأسيس القيروان زمن عقبة ، واتخذوا منطقة أوراس ملاذا آمنا لهم ولأسرهم ، وتجمع ثان للبرانس بين تيهرت ووهران ،الذين تكتلوا تحت أمرة ملكهم وزعيمهم آكسل( كسيلة) القائد المسيحي القوي لقبائل ( أوربة )[4]، ولا يستبعد أن تكون العلاقة بينهم وبين البزنطيين قائمة على المصاهرة ،و المصالحة وتبادل المنافع خاصة وأن البزنطيين هم أكثر المشترين للبضائع الأمازيغية ، وكان المهاجر دينار على علم بالأمر ، وسرعان ما قاد غزوا مركزا باتجاه تلمسان ، وكان في ذلك ( أول أمير مسلم ، وطئت خيلة المغرب الأوسط )في خطة استبعدت التصادم مع المدن الواقعة في خط سيره ، لعله يريد في ذلك اقتصاد الجهد والوقت ، والإحتفاظ على مقدرات الجيش ، وببلوغه تلمسان ، اصطدم بقوة كسيلة الأوربي ، دون إفصاح المصادر عن طبيعة المعركة وسيرها وصيرورتها ، كل ما ذُكر هو استسلام آكسل ، واعتناقه للإسلام بعد أن عومل معاملة حسنة من قبل المهاجر دينار ، وقد رافقه في طريق العودة إلى القيروان ،ويكون قد شاركه في غزواته اللاحقة ، ولم تفصح المصادر عن أساليب المهاجر في جلب أنصار جدد للإسلام سلما ، وقد يكون للصلح العادل ، و المعاملة القدوة ،دورهما في استمالة كسيلة وقبائل البرانس للإسلام ، وبأعداد لم يكن المؤرخ العربي يتوقعها ، وهو مدرك حقا لأهمية التعاون الأمازيغي العربي في إرساء سفينة عقيدة الإسلام في الشمال الإفريقي[5] ، وهي الغاية التي سعى إلى ترجمتها عن طريق إنشاء جيش أمازيغي مسلم على نطاق واسع ، وهي السياسة التي تنبه إليها قادة الغزوات المتأخرة، مثل موسى بن نصير الذي جند جيشا أمازيغيا بقيادة امازيغية زاد تعدادها عن الأثني عشرة ألفا ، كُلف فيما بعد بغزو الأندلس في بداية العشرية الأخيرة من القرن الأول الهجري ، وهو ما يتوافق مع ما ذكره المالكي بقوله ..( ثم أن أبا المهاجر صالح بربر إفريقية ، وفيهم كسيلة ، (الأوربي)، وأحسن إليه ، وصالح عجم إفريقية ،وخرج بجيوشه نحو الغرب ، ففتح كل ما مر عليه ، حتى انتهى إلى العيون المعروفة بأبي المهاجر نحو تلمسان ، ولم يستخلف على القيروان أحدا ، ولم يبق بها إلا شيوخ ونساء، ثم رجع إليها وقام بها [6].

** ثم اففتح أبو المهاجر المذكور مدينة ( ميلة الجزائرية) وكانت إقامته فيها وبضواحيها من بلاد كتامة نحوا من سنتين[7] وأسس بها ثاني مساجد الإسلام بها بعد جامع عقبة بالقيروان ، والذي لا زال قائما لحد الآن يطلق عليه محليا اسم مسجد ( سيدي غانم) ، ويبدو أنه بني على أنقاض كنيسة وهو ما عرضه لحفريات نتيجتها عبث الإستعمار الفرنسي بأجزائه ومكوناته ،ولا شك أن دور المهاجر دينار كبير في استمالة قبائل كتامة الصنهاجية للإسلام دون خدوش ولا إراقة دماء ، كما هاجم و حاصر قرطاجة عام 59 للهجرة ، وأرسل قائده حنش الصنعاني لغزو جزيرة شريك ، الواقعة بين مدينتي تونس وسوسة ، واستمر في الحصار والقتال حتى عقدوا معه صلحا أخلوا بموجبه جزيرة ( شريك) للمسلمين ، مقابل رفع الحصار على قرطاجة[8] ويتضح أن هذه السياسة الجديدة التي انتهجها أبو المهاجر دينار لم يستسغها الخليفة الجديد ( يزيد بن معاوية ) لطول حصار قرطاج دون احتلالها ، واستهجان أساليب اللين التي استعملها في جلب إسلام الأمازيغ عن طرق المؤلفة قلوبهم ، واختفاء المنافع التي تعودت عليها دار الخلافة من تحف المغرب وسبيها ومغنمها وفيئها ، وهي أمور سهلت التخلي عن أبي المهاجر دينار الذي فقد سندا قويا بعزل مسلمة بن مخلد الأنصاري عن ولاية مصر والمغرب ، وبذلك عادت أجندة القوة والجبروت في التعامل مع الأمازيغ من جديد ، وعادت ريمة لعادتها القديمة .

** في إمارة أبا المهاجر دينار ....عبرة.

المتتبع لما أورده المؤرخون رغم شحه ، يكتشف أن أبا المهاجر دينار عرف كيف يتعامل مع أجدادنا الأمازيغ ، وأدرك أن العنف والإرهاب ليسا سبيلا

صحيحا لنشر الإسلام،وأثبت ذلك في دنيا الواقع ، ووضحت سياسته أن السيف لا يجدي نفعا في العمل الدعوي وجلب الناس للمعتقد ، وقد برهن عن ذلك في استمالته للآكسل ومن وراءه من قبائل البرانس ، وبفضله انتشر الإسلام في ربوع المغرب الأوسط سلميا ، فلم تشر كتب التاريخ لتجاوزات تذكر ، فلا سبي ، ولا غنائم جائرة ، ولا قتل عمدي للفارين كما وقع في الغزو السابق ، وهو الذي كان ناصحا أمينا لخلفه وخصمه عقبة بن نافع الذي وضعه رهن القيد وبالحديد ، عندما لا حظ تجاوزاته وعنفه وعنصريته ضد آكسل المسلم ألأمازيغي مثله ، قائلا له :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب ، وأنت تعمد إلى رجل جبار في قوله ، في دار عزه ، قريب بالشرك فتفسد قلبه )[9].

*** كلمات يجب أن تقال :

* وأنا أبحث عن أفعال الرجل وخصوصياته وأخطائه ، تبين لي أن أبا المهاجر دينار يُعد صفوة لمن سبقوه من الغزاة المسلمين ، فهو لم يلتجيء للقوة إلا عند الحاجة ، وأدرك بحدسه و قوة شكيمته ، وايمانه العميق أن ما يكتسب بالسياسة والليونة واحترام الآخر، أفضل بكثير مما يؤتى عن طريق القتل والترويع والسبي والإحتقار الذي طال الموالي العجم ، ولا غرو أن أعجميته وملا حظاته وتجربته الحياتية ، هي التي وفرت له هذا الفهم المتسامح، والعجيب أن ذكرهُ قل ، وأن اسمه أفلَ ، ولا يذكره العربانُ إلا عرضًا ومن منطلق تقديس غاز سبقه ولحقه ،هو عقبة بن نافع الفهري ،فلا ندري للأمر تفسيرا ، وقد يكون لعجمة الأول وعروبة الثاني دور في ذلك ، أو أن السياسة التي انتهجها أفرزت عيوب خصمه ، وأبانت مبلغ الخطأ الذي وقع فيه عقبة تعاملا مع المسلمين الجدد، الذي يحتاج الى دراية ومقدرة على الضم والجلب ، وليس التنفير والطرد ،مصداقا لقوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ،وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ،فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ،وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [10].

* فلو كان الميزان هو نشر الإسلام، وأن الغاية هي ايصال الإيمان لقلوب الأمازيغ ، لما كانت الحاجة لجبش عرمرم ، ولا لغزوات متتالية تأتي على الأخضر واليابس ، تبيد العرق ، وتقطع النسل ، وتستبدل أرومة أمازيغية ، بأخرى عربية وافدة ، كان الأجدى هو انتهاج سياسة كالتي انتهجها المهاجر دينار في نشر الإسلام عن طريق الإقناع والحوار ، غير ان سياسته لم تكن لتعجب الخلافة في دمشق ، فهم يرون قيمة إفريقية ، من قيمة ما تدره عليهم من نعيم الخيرات ، وكثير من الجواري الحسان ، والعسل المصفى ، وسخال الضان العسلية الألوان ، فلا يهمهم دخول أو خروج الأمازيغ من الإسلام ، بل قل أن بقاءهم على الكفر هو أنفع لأن حربهم ، والسبي منهم ، يكون مستباحا ومشروعا .

* لو كنت قادرا على قلب الميزان ، لنصبت تمثالين واحد لأبي المهاجر دينار ، وآخر للآكسل الشهيد ، واحللتهما محل صنم عقبة بن نافع ببطحاء بسكرة الذي اقامه العربان ومن سايرهم من ذوي السلطان ، لأن الأولان خدما الإسلام واحدثا لحمة حب بين المسلمين جميعهم دون عنصرية ، والثاني كان جبارا يسعى الى ترجمة جبروت الدولة الأموية العضوض في دنيا الواقع وعلى أرض سكانها مسلمون قبل غزوه .

* بعض من ذوينا أصابه العمي البصري ، واتلاف كلي لبصيرته ، فأصبح يرى الدنيء مقدسا ، والمقدس دنيئا ، فسارع الخُطى في تقديساته ، وأنشأ مزارا لعقبة في سيدي عقبة ، بعد مرور أزيد من خمسة قرون عن وفاته ، على شاكلة ما فعلوه في المغرب ، بتكوين ضريحين لأدريس الأكبر ، والأصغر ،بعد مرور قرون عن وفاتهما ، وهو ما يظهر الطابع الاستحواذي وبعث الفتنة ، والغريب أن ما يحاربونه في الحجاز من تهديم القبور وطمس معالمها ، واعتبار زيارة قبر الرسول من المنكرات ، والتفكير حتى في إزاله معلمه من المدينه ، فهو مباح عندنا ،ومستساغ، فقد أقاموا ضريحا للمعتمد بن عباد في( أغمات) واعتبروه مظلوما لأنه شاعر رومانسي وعربي ؟ ، وأقاموا تمثالا لعقبة في بسكرة ، ليذكرونا بالدماء التي أسالها غدقا ،والتجاوزات التي اقترفها ، في تحقيق المطامح السياسة لا الدينية لدولة الأمويين ، لأن الدين داسوه برقاعهم النتنة ، بقتالهم لآل البيت وهجوماتهم المتكررة على الحرمين المكي والمدني ، والذين لم يرتدعوا بقول الرحمن:

َ(لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ ،وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[11]

الخلاصة :

قد يصف البعض ما قلناه تحاملا على مقدسات ،وما هو كذلك ، لأن تقديرنا هو أن الأفعال المقترفة لا قدسية فيها ، فهي توزن بميزان الخير والشر ، وبرآى عقلية لا نقلية ، و بمنظور تاريخي لا ديني ، فالمهم هو الوصول الى الحقائق وتفسيرها وفك رموزها وطلاسمها ورؤيتها بالطريقة التي وقعت ، وبنظرات محلية ، وبعيوننا لا بعيون غيرنا ، وليس بالطريقة التي يريد البعض أن تقع بعد أن صبغوها بألوان زائفة ، وأحاطوها بقدسية منافقة، ولا عيب في تشريح الأخطاء ، وإنما العيب أن نبقى نفكر بطريقة الأولين رغم ما نلاحظه من عوز في الطرح والسرد والطمس المقصود ، لكل فعل يساعد على محاربة التوهمات الزائفة المغروسة في عقولنا الباطنة ، ويظفي إلى غاية ، ندرك من خلالها الفروق الجوهرية بين المجد الحقيقي والمجد المزيف ،أي ما يعرف بالفرق بين المجد والممجد .

الهوامش*********************

[1]ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ، ص 197.

[2] ابن الأثير ، أسد الغابة ...ج3 ص، 184.

[3] المالكي ج1 ص21. معالم الإيمان ج1 ص46.

[4] ابن خلدون ، ج6 ، ص 216.

[5]المرجع السابق ، ص 297.

[6]المالكي ، رياض النفوس ، ص 7.

[7]أبو المحاسن ، النجوم الزاهرة ، ج1، ص 157.

[8] نفس المصدر ، ص،152.

[9]ابن خلدون ، العبر ... ج6 ص146.

[10] سورة آل عمران ، الاية 159.

[11] سورة العنكبوت ،الآية 46 .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز