ايهاب فاروق حسني
efhthewriter@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2010

عضو اتحاد الكتاب المصريين



Arab Times Blogs
تمثال الحرية

تمثال الحرية

لا أُصَدِّق عينيَّ … هَل هذا أنَا ؟ فعلاً ! … أنا الذِّي أقف الآن أمام هذا الصّرح الشَّامخ … العَظيم … هَل نَجَحت في تخطّي كلّ العَقبَات التي واجهتني حتى وصلت إلي هنا ؟ … أرضُ الحٌرّياتِ ! التي يَرمز إليها تَمثال الحُرّيةِ … هذا الذِّي أسْتَطيعُ رؤيتَه … أسْتَطيع أن ألمسه بيديَّ … هكذا … يا لهَا من لَحظةٍ رائعةٍ ! … الآن فقط أسْتَطيع أن أفعل ما يخطر لي … أن أجرِي … أصْرخُ … أن أفعل كلّ شيء … وأيّ شيء … دونما أن يَسَتغربني أحدُُ … هُنا … كلّ شيء مُبَاح … ولكي أُثبِت لنفسي وللعالم من حَولي … سأفعل … أُغمِض عينيَّ هكذا … وأصرخُ بأعلى صَوتي هكذا :
-أنا حُرّ ! … أنا حُـــرّ ! …
أفتَحُ عَينيَّ من جَديدٍ … أُريدُ رؤية الدُّنيا من جَديدٍ … أُشَاهد تَجمعاً من النَّاسِ حَولي … كلهم من ذوي الشعور الذَّهبيةِ … يَنظرون إليَّ بدهشةٍ واستغرابٍ … نَظراتهم إليَّ قاتلةً … تتهمني بالجنونِ … أو شيئاً لم أدركُه يَقيناً …
أهمسُ إليهم بابتسَامةٍ فاترةٍ :
- أنا لست مجنوناً ! … أردتُ فقط أن أُطلق صَرختي … أن أثبت للدنيا أني قد جئت إلى أرضِ الحُرِّيةِ … أرضُ الأمل والأحلام …
يَخرجُ رجلُ من بين المحيطين بي … يَقتربُ مني بِحَذرٍ … يتمتم بكلماتٍ " إنجليزية " لم أفهم منها سوي : أنتَ عربي ! إرهابي ! …
قَتَلتني الكلمةُ … فَجَّرتِ بُركاني … صَرختُ في وجههِ :
- أنت الإرهابي لا أنا !
لقد ظَننتُ أن بإمكاني أن أفعل كل شيءٍ … لهذا صَرَخت فيه … ولِمَ لا ؟ … أليستِ أرضَ الحُريةِ ؟ …
أشَارَ الرجلُ بيديه لأصمت … فصمتُ … ورُحتُ أنظر إليه يتسلل من بين الناسِ … ليعود بعد لحظاتٍ وبصحبتهِ شرطيُ مُتحفزُ … لَم أكترثُ بالشُّرطي كثيراً … وأخذت أحدِّثه بلهجةٍ عنيفةٍ تحمل الاتهام إلى الرجلِ … لَم يفهم الشّرطي شيئاً مني … أخرجَ " مُسَدسه " … أشهره في وجهي صَائحاً :
- أنت إرهابي إذن ! تُريد أن تُفجّر تمثال الحريةِ… انبطح أرضَاً وإلا أطلقت الرّصاص … أنتَ مقبوض عليك …

***
عِندما أفقتُ … كنت بمفردي في غُرفةٍ محكمة الغلقِ … لا يُوجد بها شيء سوي مقعدين خَشَبيين… أحَدُهما الذي قضيت ليلتي جالساً عليه … لَم يَهتم أحَدُُ بي …
مَضَى من الوقتِ غير قليلٍ … وأنا جالسُ دون حِراكِ … لَم أسْتَطع فعل شيء سِوى الانتظارِ … وقد استقرّ في يقيني أنَّ في الأمرِ خَطأ ما … سَنكشفُ حَتماً … وتعودُ إليَّ حُريـتي المسلوبة مني …
فُتِحَ بابَ الغُرفةِ فجأة … دَخل رجلُُ أسْودُُ مُخيفُُ… جَلسَ على المقعدِ الآخر… كَادَ أن يُحطِّم المقعدَ بِسمنتهِ وغلظةِ طَبعهِ … تَفرسني بنظراتٍ غريبةٍ … وقال بابتسامةٍ مُتشفيةٍ :
- علمتُ أنك عربي ؟!
أجبته شَاعراً بالفخرِ :
- نعم …
ولم يكن الأملُ قـدْ فارقَ صَدري بعد …
اعتدل الرجل في جلستهِ …سألني :
- لماذا حاولت تفجير تمثال الحرية ؟ …
ثم أطرقَ للحظاتٍ … أخرج خلالها " علكة " من جيبهِ … وراحَ يلوكها قائلاً :
- يبدو لي أن العرب جميعاً مثلك … أقصد أن لديهم موقف خاص من هذا التمثال … لأنه أهمّ رموز حضارتنا …
كنت أنظر إليه بدهشةٍ وعدم تصديق … قلت محاولاً إقناعه بعكسِ ما يعتقده :
- لا سيّدي ! هذا غير حقيقي … إنكم تفهموننا بالصورة الخاطئة … فنحن نحبكم … ونحب بلادكم …
أرسَلَ المحقق ضحكة شيطانية … أطلَقتِ ما بقلبهِ من مشاعر السَّخطِ والكراهيةِ … ثم قال :
- فلماذا حاولت تفجير التمثال …
صِحتُ مُدافعاً عن نفسي :
- أقسم لك أن شيئاً من ذلك لم يحدث !
- لقد شَهد الجميع ضِدّك … أنت متهم بمحاولة زعزعة الأمن في بلادنا …
أمسكتُ رأسي شَاعراً بمرارةِ اليأسِ … تمتمتُ لنفسي :
- يا له من حَظٍ !
- ماذا كنت تقول ؟
- لا شيء
- سمعتك تقول شيئاً ؟
- قلت يا له من حَظٍ …
نهضَ المحقق فجأة … بَدَا كالقضَاء المُنتظَر … أشَار بإصبعهِ إلى أحدِ معاونيهِ … ثم التفت إليَّ قائلاً بلهجةٍ ظافرةٍ :
- كُلّ الأدلة تؤكد أنَّك أحد الإرهابيين …
وقفتُ مَشدوهاً … محاولاً استيعاب كلماته جيداً …
عندئذ … دخلَ رجُلان سَمينان … يأكل أحَدُهما " الهامبورجر " …
قَال لهما بهدوءٍ :
- خُذوه إلى القلعةِ…
نَظَرا إليه بدهشةٍ … كأنهما يُحذرانه من ذلك … ثم أحالا نظراتهما إليَّ … قَرأت في عينيهما بعض الشفقةِ … قال المحقق مؤكداً :
- هيَّا … نفذا الأمر …
قيَّداني بالسلاسل الحديدية حتَّى القدمينِ … واقتاداني إلى حيث ينتظرني المصير المجهول …
***
القَلْعةُ بِنايةُ قَدِيمة في جَزِيرةٍ بِمياهِ المُحيط … تَضُم عُتاة الإجرامِ في أرضِ الحُرِّيةِ … ولا أعْلُم سَبب اعتقالي مع هَؤلاءِ … فَلمْ أُمارسْ العَمَل الإجرامي قَطْ … بَل … لا أفهم لُغةَ المجرمين …
هُنَاكَ … عَرفتُ المعنى الحقيقي لكلمةِ الرُعبِ … لَمْ يَكن ذلك الذِّي طَالمَا شَاهدته عبر شَاشاتِ " التليفزيون " … وإنَّما شيء آخَر… يَختلفُ كُلّ الاختلافِ … كان مَصدرهُ مَجموعة من النَّاس … بَشَر من لَحمٍ ودَمٍ … لكنَّهم ليـسوا مثلي … كُـلَّما نَظرتُ في عينِ أحَدِهـم ؛ أسْتَشعرُ خَطَرَاً مُحْدِقَاً … إنَّه الموتَ في انتِظارِ صَاحبهِ … المَوتُ يَتربصُّ بي وبِغيري … لِذا حَرِصتُ على تَجنُّبهم والابتعادِ عَنهم ما قَدِرتُ على ذلك … ومع هَـذا ، لمْ أنْـجُ من بَطشِ السَّجانين … كانوا كُلَّمَا رأونِي مُنزويَاً يُشَاكسون مَعي … ويَدفعونني إلى الاحتِكاكِ بِهم ؛ حتَّى يُوقعون بي … ويُمارسِون عليَّ أشكالاً من التَّعذيبِ اللانهائي … كانت للتعذيبِ في القـلعةِ آلات شـديدة الغرابةِ … يَأنفُ من اختراعها واسْتِعمالها الشَّيطان الرَّجيم… لَكن أصْعبُ ما ذُقتُ مِنها الصَّلب على عَمودٍ حَديديٍ في العَراءِ … أُعاني من بُرودةِ شَهرِ أيلول القاتلةِ … ما زلتُ أذكر هذا اليوم … يا لبشاعة ما عانيتُ فيه ! … كان الموتُ أعزّ أمنيةٍ لي وقتئذٍ …
ومن أغلى اللحظاتِ في ذلك المكانِ … عِندما تَعاطف معي أحَدُ المسَاجين … فَعمِدَ إلى ضَربي بِمطرقةٍ على رأسِي – مع العلم بأنَّه ضَربني بِحرفيةٍ حتَّى لا يقـتـلني – فسَقطتُ مَغشياً عليَّ … ولَمَّا أفقتُ … بَعد حَوالي ثلاثةِ أشهرٍ – هكذا قالوا لي – كُنتُ راقـداً بإحدى المُسَتشفياتِ … أتلقّى عِلاجَاً مكثَّفاً … وعَلِمتُ – بعد ذلك – أنَّ الطبيبَ الذِّي قام بِعلاجي يَنحَدِر من أصلٍ عَربيٍ … فَتَعاطف مع حالتيِ … وعَمِدَ إلى إبقائيِ في الغيبوبةِ حتَّى يَحميني من أيدي هَؤلاء القَتَلَة … وأكثر من ذلك ، فِعندما عَلِمَ بأسبابِ اعتقالي ؛ اسْتَغربَ كثيراً … وانفعلَت إنسَانيته داخلِه … فقَام بإبلاغِ مُنظمة حقوق الإنسان بما وَقَعَ من ظُلمٍ عليَّ …
حتَّى جَاءت لَحَظَةُ الأملِ … تَحت ضَغط من المسئولين عن المُنَظَّمةِ ؛ تم تَحريري من قَبضةِ السَّجانِ بِشَرطِ تَرحيلي إلى وطنِي الذي أتيتُ مِنه … لا أُنْكِر فَرحتي – رغم قَسوةِ ذلك العِقابِ عليَّ ، ورغم انهيار أحلامي داخل سجون أرض الحُرِّيةِ – …
و في أحَدِ أيَّام الشِّتاء البَاردةِ أعطوني خَطاباً مغلفَّاً بالشَّمعِ ، وطلبوا إليَّ تَسليمه للسلطاتِ حال وصولي إلى بلدي …
وتمت عَملية التَّرحيلِ …
***
عِندما هَبَطتِ الطائرةُ … كان قلبي يرتَجفُ … وقد حَدَث ما خَشيته تماماً … سَألني المسئول عن الخِطابِ … فأعطيته إليه … ولمْ أعلم ما بداخلهِ … لَم تَكنْ المُعَاملةُ حَميدةً بعد ذلك… أُقحِمتُ في سلسلةٍ من التحقيقاتِ … والتنقلُ ما بين السّجونِ – رغم انعدامِ المقارنةِ بين السّجن هناك والسجن هنا - …
حتَّى تأكدوا من خلوِّ صحيفتي من السَّوابقِ … وتمَّ إخلاء سبيلي من قَبضةِ السَّجانِ … لكني لمْ أتحَرر من وطأةِ الأمراضِ التي سُجِنت داخل قُضبانِ عَجزِي بِها …
ولمَّا خَرجتُ إلى الدُّنيا الواسِعةِ … لَمْ أرَ الشَّمسَ مُجدداً … لم أتحَرَّك بِحريةٍ كما كنتُ … لم أتذكَّر إلاَّ تلك اللحظاتِ الفائتة من المَاضي القريب … فجلستُ على " الرَصيفٍ " وانتظَرتُ … علَّ أن يأخذُ أحَدُُ بيديَّ … – رَغم صِغر سِنِّي - … ظَللت سَاكناً في جلستي… حتَّى سَمعتُ صَوتاً غريباً يقول :
- هَيَّا معي يا أخي ‍‍!
أحلتُ وجهي إليه … لَمْ أرَ وجهه … وإنَّما أسلمته نَفسي … يأخذُني إلى حيث يشَاء … وكُلّ ما عَلق بِخيالي تلك الصُّورة التي طَالمَا حلمت بِهَا … صُورة تمثالِ الحُرّيةِ … شَامخـاً … رافِعـاً شُعلته إلى عَنانِ السَّماء…







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز