نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أوقفوا عرض مسلسل القعقاع بن عمرو التميمي

جرت العادة في الدول الغربية، وضمن قوانين النشر والإنتاج الفني والسينمائي المعمول بها هناك، أن يتم التحذير، وبالخط العريض وبشكل بارز وبمقتضى القانون، للصغار والقاصرين وأولياء أمورهم في بداية عرض أي عمل فني أو سينمائي تتخلله مشاهد عنف أو قتل أو صوراً مروعة ودماء أو مشاهد إباحية أخرى تؤثر على نفسية الطفل بشكل أو بآخر، كما ويتم عرض معظم هذه الأعمال في أوقات متأخرة من الليل كي لا يشاهدها الصغار. وللعلم فقد تمنعت الكثير من الفضائيات العربية عن عرض صور لقطع رقاب غربيين، وصور أموات، وتعذيب واغتصاب لسجناء وقتلى ومشوهين وأجساد مشوهة هنا وهناك، تحت زعم ميثاق الشرف الإعلامي والالتزام بآداب المهنة، لكن هذه القنوات لا تتواني ولا تعتذر ولا تلتزم بمعايير الشرف المهني حين تعرض صور القاتل المحترف والسفاح البدوي القعقاع وهو ينحر ويبقر البطون، ويغرز السيف يف بطون "الكفار" كما يروجون، ومن دون أن يرف أي جفن لهذه المحطات ومن يقف خلفها، من مروجي الإرهاب الدولي، ومسممي عقول الأطفال وملوثيها بأساطير البدو وقصصهم التي لم تجلب سوى الشؤم والخراب والدمار. لماذا تمنع صور القتل والموت في نشرات الأخبار العادية ويسمح بها في المسلسلات البدوية كما مسلسل البدوي السفاح المدعو قعقاع؟ (انظروا لطبيعة وموسيقية الاسم المرعبة).

وبهذا الصدد تعرض الفضائيات العربية، وفي أوقات الذروة، التي تروج للإرهاب والتكفير وفكر القتل علناً، مسلسلاً بدوياً آخر، من المسلسلات، إياها، بعنوان القعقاع بن عمرو التميمي. فما هي مؤهلات هذا القعقاع إلا أنه قاتل محترف يجيد القتل ولا يتورع عنه ويحلل دماء الغير، فالقعقاع بن عمرو التميمي، بمقاييس هذا العصر، وكل عصر ومنطق وخلق، هو ليس سوى مجرم حرب، وقاتل سفاح ملوثة يداه بدماء الأبرياء، وقتل من الناس، وبدم بارد الكثير، وكلنا يعلم أن نزعة القتل، وسفك الدماء، وزهق الأرواح، لا تتولد عند نفس سوية على الإطلاق، ومن يعشق الدم، ويبرره، ويسفكه، تحت أي ادعاء، وزعم، هو شخص منحرف وشاذ نفسياً، كما ينبؤنا علم النفس وتجارب الحياة.

فلا أدري كيف نمسك بمجرم ارتكب جريمة قتل، ونزج به في غياهب السجون، ونقطع رأسه كما يحدث في الدول التي تطبق الحدود الإسلامية، ثم نقوم بتقديم قتلة محترفين آخرين امتهنوا القتل، تحت رايات المقدس، واعتبارهم أبطالاً والفخر بما قدمت أياديهم الملوثة بالدماء، لماذا القتل جريمة هناك، ولماذا هو هنا مشرع وحلال؟ ألا تدخل المسألة في باب ازدواجية المعايير التي تقود، حتماً، إلى تشوه نفسي وخلقي وعقلي عند المتلقي بحيث يصبح القتل لديه أمراً مشروعاً؟ ولماذا جرمنا أسامة بن لادن عندما قام بارتكاب جريمته النكراء، وبماذا يختلف ابن لادن عن القعقاع فلكل أسبابه الإيديولوجية والعقائدية؟ هذا يقتل المرتدين والمشركين والكفار، حسب الاعتقاد الديني، وذاك يفعل نفس الشيء، بالتمام والكمال؟

 والسؤال ماذا لو كان أسامة بن لادن في عهد أولئك الصالحين والأتباع ألم يكن بمنزلة القعقاع، وغيره، لو دك "حصون كسرى" باعتبارها المرادف الموضوعي لبرجي التجارة العالمي، وكان سيتهارع المال النفطي والمخرجون والفنانون وكتاب سير القتلة لإنتاج الأعمال الفنية الرائعة عن هذا السفاح وغيره؟ بماذا يختلف هذا عن ذاك؟ وماذا سيكون موقف الرأي العام العربي والعالمي لو قام فنانو أوروبا اليوم بتقديم مجرمي وسفاحي أوروبا الكبار كستالين، وموسوليني، وهتلر، وكارازيتش، وميلوسوفيتش وهملر، أو لو تم تصير عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الهنود الحمر على يد المجرمين البيض الأوائل بنفس الصورة التي يقدم بها مسلسل القعقاع، وإبراز قتلهم بطابع رومانسي قدسي جذاب ومبرر؟ وبماذا يختلف صاحبنا القعقاع عن أي من هؤلاء العصابيين والموتورين المتعطشين للدماء؟ وماذا لو قامت جهة ما اليوم بإنتاج مسلسل بطولي وفانتازي لابن لادن باعتباره يقتل المشركين والكفار ويتصدى للمشركين ويدافع عن دين الله وينشره بين الناس و"يخرج المشركين من جزيرة العرب" كما ردد مراراً على مسامعنا؟ هل ستسلم هذه الجهة من المساءلة العدالة الدولية ويد القانون، ماذا يختلف المبرر الإيديولوجي لهذا عن ذاك؟

كم هو مؤلم ومقزز وباعث على القرف والتقيؤ منظر هذا القعقاع، المجرم البدوي النازي، وهو شاهر سيفه يبقر بطون الناس، ويرغي ويزبد ويزمجر كموتور متعطش للقتل لا رحمة في قلبه، ولا يمتلك ذرة من الشفقة والإنسانية، ومكانه الطبيعي في المصحات العقلية ومراكز إعادة التأهيل لمعالجة هذه النزعة الدموية المستشرية، فلا أدري أي إله هذا الذي يرسل هؤلاء المجرمين والسفاحين لارتكاب المجازر وعمليات الإبادة الجماعية كي تؤمن الناس به؟ ولا أرى أي مبرر لقتل أي إنسان لإرغامه على اعتناق دين وفكر وعقيدة ما، ومهما بلغ شأن وقوة وقدسية وشرعية هذه العقيدة وشدة إقناعها. ولا أعتقد أن أياً من الشرائع والمعتقدات بالغة الإقناع والحجة وقوة المنطق تحتاج إلى هذا الكم الهائل من الدماء والقتل وزهق الأرواح لإثبات وجودها وتغلغلها بين الناس، فكلما كانت حجة أية عقيدة قوية ومقنعة كلما احتاجت إلى جهد أقل في الانتشار وإثبات الوجود وليس العكس، ولا تحتاج إلى كل تلك الزواجر والروادع والنواهي للمحافظة عليها من "الارتداد" والاضمحلال والذوبان والانقراض.

أنه خرق فاضح ومتعمد وعن سابق قصد وتصور للقوانين الإنسانية والعصرية وأخلاقيات العصر من قبل مروجي الفتنة والعنف والقتل والإرهاب المعروفين اليوم والناشرين لثقافة الكراهية والحقد، وهو تزييف للوعي وتشويه للحقائق وإفساد للذوق وتسميم للعقول وتلويث لنفوس الناشئة والصغار أن يتم تقديم هؤلاء القتلة والسفاحين البدو الموتورين والشاذين بهذا القالب البطولي والقدسي، ونظراً لما لهذا من تشجيع على التطرف والإرهاب، وتنمية النزعات الدموية، وربط جرائم الحرب وعمليات الإبادة الجماعية والتطهير الثقافي وتبريرها باسم المقدس.

إن مسلسل القعقاع بن عمرو التميمي، وغيره من المسلسلات البدوية والفانتازيات التاريخية التي تسرد قصص وسيرة حياة السفاحين والزناة البدو الكبار وتجمل القتلة، تعتبر هدية من السماء لكل الإرهابيين التواقين لتبرير أفعالهم الشنيعة باسم الله، وما هي إلا تعبير عن ثقافة مشوهة، وعقول مأزومة ونفوس مريضة تنمي الإرهاب وتجمله وتساعد على ولادة ملايين النسخ من القعقاع والقتلة الكبار، وما أسامة ابن لادن وغيره من رموز القتل والإرهاب، إلا نتيجة حتمية ومنطقية لهذه الثقافة التي لن، ولم تنتج إلا هذه النماذج المفزعة المشوهة منزوعة الرحمة والخلق والسلام، فليس هناك من إله يدعو للقتل بهذه الطريقة السادية المرعبة العمياء وكما يقدمها عبر شخصية القعقاع البدوي الموتور الأحمق السادي المتعطش للدماء. ولننتظر عشرين عاماً آخر لنرى مضاعفات عرض مسلسل القعقاع وكم قعقاع صغير سخرج لنا من تحت الأرض، وكم سيفرخ من القتلة والإرهابيين والتكفيريين الذين سيحاولون تقليده؟ إنه الكابوس الأسوأ الذي سيصيب هذه المجتمعات حيث سيصبح الموت البضاعة الأكثر رواجاً وسيقبل عليه الكبار والصغار، ما دام هناك من يحلله، ويشرعه ويجمله، بمسلسلات مثل هذا المسلسل.

أوقفوا عرض مسلسل القعقاع في هذا الشهر "الفضيل" فهو يثبت أن الإسلام انتشر بالسيف ، ورأفة بأطفالنا وعقولهم، وتجنيبهم رؤية القتل والدماء، وحاسبوا كل من يقف وراء إنتاج هذه الأعمال ويشارك فيها، ويدعم تنمية وازدهار نزعات التطرف والموت والإرهاب، أو على الأقل أن يثبت في بدايته بأنه مسلسل رعب وقتل وسفك دماء وإرهاب وفيه مناظر مروعة، لذا ينصح بعدم مشاهدته لليافعة والصغار، وهذا أضعف الإيمان.، يا أولي الألباب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز