نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
اللهم إني فاطر

الصيام ترف لا يمارسه إلا المترفون، فلا يمكنك أن تصوم إلا إذا كنت متخماً، لنتصور أن نفرض الصيام على جياع إفريقيا والصومال وإثيوبيا، سيصبح الأمر كفراً ها هنا وليس عبادة.
لنقر بأن الصيام ليس موجهاً بشكل أساسي نحو الفقراء البتة، وأنا واحد منهم، ومن أمة المليار ونصف جائع وأمي وفقير ومعوز ومسروق من أنظمته، بل هو موجه نحو الأغنياء والمترفين، فلم أر فقيراً يتحدث أو يتغزل بالصيام أو يستقبل الشهر الفضيل بفرح فكل شهوره هي رمضان برمضان، وأعتقد أن هناك عداوة ما بينه وبين أي نوع من الصوم والقلة والحرمان.
فالمتخمون من أصحاب الكروش المنفوخة، والمؤخرات المتورمة، والخدود المتوردة من كثر ما أكلت من المال الحرام وتبيع الوهم للفقراء الصائمين، يصومون أحياناً كنوع من التطهير وللتكفير عما امتلأت به كروشهم من مال سحت وحرام، وتجارة بلقمة عيش الفقراء، ولإيهام الناس بأنهم سيذهبون هم أيضاً إلى الجنة بعد الممات، برغم كل الموبقات التي ارتكبوها في الحياة من نهب وسلب وسرقات ولذا تراهم يكثرون من الصدقات والكفارات، وكي يمارسوا ترف الصيام كمغامرة غريبة عن حياتهم وبعيدة عنهاأي أنه يجرب كيف يمكن للمرء أن يكون جائعاً وليس حباً بالله.
ومن يحاول أن يغسل ما تقدم من ذنوبه وما تأخر، وارتكب من الموبقات ما لا كفارة له، يصوم الشهر الفضيل عله سبحانه وتعالى يغفر له.
والسمينات البدينات طيبات الأعطاف متوردات الوجنات اللواتي شبعن مما "لذ" وطاب، وأكثرن من أكل المحاشي، والكوارع، والمقالي والمشاوي و"المغالي" وأتخمن من النشويات، والسكريات، والهايدروكربونات، يصمن الشهر على أمل أن يعدن صغيرات رشيقات محبوبات من الذكور والشبان.
أصحاب مراكز التجميل و"الريجيم" يقنعون الناس الأغنياء، طبعاً، ويحثوهم على فضائل الصوم، وارتياد مراكزهم، كي "يلهطوا"ـ و"يلهفوا" منهم ما تيسر يتظاهرون بالصيام كي يأتي الناس إلى مراكزهم ويشتغلون ويكسبون، وليس لوجه الله طبعاً.
اصحاب الفضائيات الذين يسوقون مسلسلات الخزعبلات ويتاجرون بعواطف ومشاعر الناس يروجون للصيام كي يتربحوا من الإعلانات الكثيرة في الشهر الفضيل لسلع إسرائيلية وأمريكية وصليبية تذهب ريوعها للإمبرياليين اليهود الكبار.
والمقيمون والمتعاقدون والعاملون في مشيخات الخليج الفارسي يتظاهرون بالصيام والورع والتقوى، والصيام وقيام الليل، لتجديد عقودهم ونيل رضا مستخدميهم وكفلائهم يصومون الشهر الفضيل، وكنت أرى بعضهم في بارات الخليج بعد انقضاء الشهر الفضيل.
والفقهاء المتكسبون المتاجرون بالأديان والمسترزقون المتعيشون من حكومات الفجور والفساد يصومون ويتحدثون عن بركات وفضائل الشهر الفضيل في الفضائيات.
والسياسيون وزعماء الأحزاب والجماعات الدينية المشعوذون أصحاب العمامات الطامحون للسلطة والزعامة والتسيد لنهب العباد وإرضاء نرجسياتهم أمام الفقراء والسواد الأعظم يتظاهرون بالصيام أمام الجماهير الغفورة كي يدغدغوا عواطف أولئك البسطاء .
الاستشهاديون والانتحاريون والولهانون الراغبون بمعانقة الحور الحسان، والغلمان المرد المخلدين يصومون من أجل الظفر بالسبعين حورية في الجنان.
وعاظ السلاطين الذين يقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً، يتظاهرون بالصيام كي يحافظوا على وظائفهم في بلاطات أسيادهم ولاة الأمر.
كتبة وأبواق السلاطين، ورواة "الأحاديث"، والأقاويل، والمعجزات عن ولاة الأمر، العاملون ليلاً نهاراً على تشويه الحقائق وقلب المفاهيم وتسويق الأكاذيب والترهات يصومون الشهر الفضيل، لا لكي يكسبوا بركات ورضا السماء، بل رضا وبركات أرباب المال والثروات المنهوبة من عرق ودماء الفقراء.
لا غرام ولا هوى لي بالحور العين، ولا أفضل تعدد الزوجات وملك الإيمان، وأفضل الاكتفاء بامرأة واحدة فقط، وبما أنني صائم صوماً طبيعياً "خلقة" من يوم يومي، والصيام ليس للفقراء، وأحس بآلام الجياع وأكتب عنهم، دائماً، قبل الصيام وفي كل أشهر السنة وأحمل همومهم على أكتافي من لأسباب إنسانية بحتة وليست دينية، ولم أعرف يوماً التخمة والشبع والبحبوحة، ولأنني لست واحداً من كل هؤلاء المذكورين أعلاه، ولا مصلحة لي بالصيام، ولا أريد الذهاب إلى الجنة ومجاورة الفقهاء وبن لادن ورموز الإرهاب والقتل الكبار الناجين والمبشرين بالجنة، ولا أريد أن أري أياً من البدو العربان مرة ثانية في الدار الآخرة، و ليس الطاقة على تحمل وجودهم، واقتنعت تماماً بالجحيم الدنيوي الذي أعيش فيه والأبدي باعتباره أفضل من معاشرة هؤلاء، فاللهم اشهد أني فاطر، ولن أصوم الشهر مع أي من هؤلاء.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز