نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا يصومون؟

 من المعلوم أن الافكار الدينية والغيبية والتمسح بالأولياء والصالحين والحجارة والتبرك بالأموات ورفات العظام تنتشر على نحو اشمل وأوسع في أوساط االطبقات الفقيرة والمحرومة كونها لا تملك من أمرها شيئاً، ولا من أمر التغيير، ولا تسيطر لا على الثروة ولا على وسائل الإنتاج، فتلجأ للغيب والسماء لإنقاذها من ورطتها الإنسانية، وتمني النفس كنوع من التعويض، بالعودة إلى الحياة في زمن ما، ومن هنا تتمسك أكثر من غيرها بالمعتقدات الدينية، التي تؤججها الطبقات الحاكمة الممسكة بالثروة والمال والظافرة بمصير هؤلاء الفقراء والمحرومين وتعمل أكثر وبشكل ممنهج على زيادة تمسك هؤلاء بالمعتقدات الدينية، وكلما كان تمسك الطبقات الفقية بالمعتقدات الدينية والغيبة، كلما كانت أنظمة الحكم أقوى وأكثر استقراراً وأكثر قدرة على التحكم بالرأي العام وتوجيهه والسيطرة عليه من خلال طبقة الكهنوت الدينية المستأمرة بإمرة الكهنوت السياسي، وكلما كان وعي الشعوب أكثر كلما تهدد بقاء الأنظمة واستمرارها، هذه جدليات ثابتة.

ولما كانت الغاية الأولى من الصيام، وحسب كافة المعتقدات الدينيةـ الصيام ليست خاصية بدين معين- هي إحداث قدر من الإحساس من المتخمين بمعاناة وجوع الجائعين والمعدمين، فالمعني أساساً بالصيام هم المتخمون والأغنياء. فالفقير صائم أساساً، وليس بحاجة للصيام كي يعرف معنى الجوع فهو موجود بالشيفرة الوراثية، وهو ليس بحاجة لإجراء "ريجيم" وتخفيض وزن، أو تحري الكوليسترول والشحوم الثلاثية وسكر الدم والفوسفور والحديد إلخ، فهي منعدمة أصلاً عنده، ويعرف معنى الجوع أكثر من كل بروفيسورات التغذية في الهارفارد، ولا ننسى في نفس الوقت أن الفقراء والمحرومين والجياع هم الغالبية العظمى أو السواد الأعظم، بالرطانة السلفية، فيما يسمى بالدول العربية والإسلامية وهؤلاء هم من يصومون بالفعل إضافة إلى صيامهم الفطري والطبيعي.

 ومن هنا نعتقد أن الصيام يجب أن يكون موجهاً، ومفروضاً على الطبقات الأكثر غني بالدرجة الأولىى كي تحس بآلام وعذالات ومجاعات الفقراء، فالفقراء ليسوا بحاجة للصيام كونهم صائمين ولديهم هذا الشعور والإحساس بشكل افتراضي ومسبق وربما قبل أن يخلقوا. لكن ما يحصل هو أن الأغنياء لا يصوموان بشكل عام، ولا يأبهوا لكل هذه الاقاويل والمزاعم، ولا يشعرون لا بجوع، ولا بفقر ومعاناة الفقراء، ويكدسون الذهب والفضة والأموال، ولا ينفقونها في سبيل الله، ولا يلتزمون بشكل عام بالتعاليم الدينية، فالدين والدنيا، لا يجتمعان، كما يعلمنا ويقرعنا على نحو دائم فقهاء السلطان.

 لذا ففريضة الصيام يجب أن تكون موجهة بالأساس نحو الأغنياء وليس الفقراء، والأغنياء هم قلة وفئة محدودة، وكما قال علي الخليفة المسلم الرابع، ما جمع مال قط إلا من شح أو حرام، فلا ندري كيف سيصوم هؤلاء الأغنياء، أو كيف سيقبل صيامهم، وكيف سيجمعون الدين والدنيا، والمفروض أن يكون المؤمن، زاهداً متعبداً، معرضاً عن نعم الحياة ومباهجها وزخرفها وإغراءاتها...إلخ، كما يرطن الفقهاء. ولما كان الصيام كما يقولون، وباقتراض، أنه يهذب نفس المؤمن فإن ما يحصل أن الصائم يتحول إلى إنسان مكشر عبوس قمطرير ينرفز على أبسط الأمور لأن الجوع والصيام يؤدي إلى شعور بالعصبية والضيق والنرفزة.

 هذه واحدة، والأخرى، أنه كلما ازداد تمسك الإنسان بالفكر الديني، كلما نحا نحو التعصب والتشدد والتذمر والرغبة بالتدمير والقتل والانتقام، كما هو حال المتشددين والمتطرفين الوهابيين والطالبان الذين يقتلون ويسفكون الدماء بلا حساب وبدم بارد، رغم أنهم يكونوا في أوج انسجامهم العقائدي وصيامهم وقيامهم وقعودهم. وهذا يعني أن لا رابط بين الصيام واستقامة الأخلاق والسلوك. وابن لادن، وهو سليل أسرة وهابية ثرية، ومن أكثر الناس تشدداً، وتمسكاً بأركان الإسلام، ومنها الصيام، ومع ذلك نراه أشدهم دموية، وإرهابا، وفتكاً ورغبة في القتل وسفك الدماء، وقد أعلن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو يبتسم ويضحك، وربما كان صائماً في حينه، أنه هو المسؤول المباشر والمخطط الـMastermind عن موت آلاف الأبرياء برمشة عين، وكذا الأمر ينطبق على الظواهري، أي أن صومهم لم يمنع النزعات الدموية لديهم، وعملياتهم الإرهابية، طالت أيضاً مسلمين وأبرياء في مصر والسعودية ونيرولي والكويت والعراق...إلخ. ونرى بعضاً من هؤلاء الصائمين الأكثر التزاماً وتقديساً بتعاليم القتلة وناشري الكراهية والعنصرية بين الناس، التي تدعو علناً في بعض الفتاوي، لقتل وإبادة، "الفئات الضالة"، اي أن الصيام لم يهذب النفوس، ولم يجعلها تتبرأ من فكر القتل والدم والإرهاب، لا بل تمعن بعض النفوس بالحقد والكراهية والبغضاء العمياء تجاه الآخر المختلف، فلماذا الصيام إذن؟ وبعد انقضاء شهر رمضان "الخير والبركة" يمضي التجار، وحيتان المال، ومصاصو الدماء من النهبويين واللصوص الكبار الذين صاموا رمضان، كما يقولون، ومؤسسات التشليح والتشبيح ودوائر الإفقار والارتشاء المملوكة للسلالات القدرية المالكة والحاكمة بأمر الله والتي تملك مفاتيح الجنة ورقاب ومصائر الرعية والعباد، ومدراؤها والقائمون عليها وأصحابها، يعود كل هؤلاء إلى سابق عهدهم في تجويع وتركيع الفقراء ونهبهم من دون رحمة أو شفقة، ومع عدم وجود أية برامج لضمانات وإعانات اجتماعية، وخاصة في البلدان العربية والإسلامية التي تفتقر لأية قوانين تكافل ورعاية اجتماعية للفقراء، وبهذا يكون صوم الفقراء بلا أي معنى في هذه الحال، كونه لم يحقق التكافل الاجتماعي والحس الإنساني المطلوب. وتعتبر الدول العربية والإسلامية، وكل الحمد والشكر لله، أكثر دول العالم، فقراً وجهلاً ولصوصية واستبداداً وفساداً ورشوة، وابتزازاً وتجويعاً وتشليحاً ونركيعاً وقطع أرزاق الناس، وتحتل المراتب الأولى بفضل من الله، على مؤشرات الفساد والدول الفاشلة، أي ان الصيام لم يؤد أي من مهامه المفترضة، ومع ذلك نراعم يحتفلون أيما احتفاء بهذا الشهر الفضيل، ويستعدون له أيما استعداد.

 كما تزداد أسعار السلع الغذائية التي يفرضها الأغنياء، ودول التجويع والإفقار على المواطنين الفقراء، وتتضاعف الأسعار بأرقام خيالية ولا تطاق. فقد بلغ سعر الكيلو غرام الواحد من التمر السعودي، ومن الأصناف العادية، وحسل البي بي سي، 150 ريالاً، حوالي 40$، وهو رقم فلكي، وقال التقرير إن بعضها وصل إلى الـ100$ أمريكي، في هذا الشهر الفضيل، وتعتبر السعودية البلد الأول عالمياً في هذه السلعة التي ترتبط بالمقدس والأسطورة، وهنا مغزى القصة والرواية الأول، فالمفترض أن تصبح السلع، وخاصة الغذائية، بالمجان في هذا الشهر الفضيل، ولكن ما يحصل العكس تماماً، ويصبح شهر الصوم عبئاً مادياً ثقيلاً على الطبقات الفقيرة، والمحرومة، والمهمشة، وسبيلاً للاستغلال والنهب والغش والاحتيال، وخاصة في بلاد الإيمان التي ترتفع فيها الأاسعار بشكل جنوني ولا معقول ومن دون أن يشعر أغنياء وتجار المسلمين الصائمون، بمعاناة وآلام وعذابات إخوتهم في العقيدة والإيمان، ولا يعود الفقراء قادرين على العيش بشكل متوازن وتستنفذ كل مواردهم ومدخراتهم في شهر الصيام. نعم الأغنياء المفترض أنهم الأولى بالصيام، لا يشعرون بمشاعر فقراء المؤمنين، وبستثمرون أموالهم في الغرب "الكافر" و"الصليبي" ويودعون أموالهم في البنوك التي يملكها "اليهود"، وكثيرون منهم اليوم يسيحون في لندن، وباريس هاربين من هجير الصحراء، وتاركين "الشقا لمن بقى"، كي لا يشعروا بعذابات وآلام و"زقزقات" بطون العمال الفقراء الهنود والآسيويين والعرب المسلمين، الذين فوق صيامهم "الطبيعي والفطري، يصومون، عل السماء تنظر في أحوالهم، وتمطر عليهم ذهباً وفضة، كما أمطرت على الأغنياء، الذين يبدو أنهم لا يشعرون لمشاعر الفقراء، رغم ما يشاع عن أدائهم لهذا الركن الهام من أركان الإسلام. ويبقى السؤال لماذا يصومون طالما أن الصيام لا يحقق أي نوع من الحس والتآخي الإنساني والمجتمعي، أو يهذب نفوس المتشددين والمتعصبين، أو أن يجعل الأغنياء والميسورين، يشعرون بأي شعور ضئيل نحو الفقراء، والمحرومين والجياع؟ أم أنها العادة والتقليد والطقس الاجتماعي وحسب، ومن دون أي مضمون أخلاقي، أو قيمي وإنساني على الإطلاق؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز