رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
جون والمكسرات

       لملم الظلام ستائره عن المنطقة وبدأت الشمس ساطعة ووهج حرها يزداد تدريجيا و"جون " ملقى على أرض موقف السيارات التابع لفندق الوردة الحمراء كان يسعل بشكل متواصل وكلما علا سعاله ازداد تنفسه صعوبة وحركات من يده ترافق هذا السعال إنه يحاول إدخالها في فمه ، واستمر على هذه الحال حتى خارت قواه وبدأ يخفت سعاله حيث رأى أن من المناسب له أن ينهج هذا السبيل فلا يسعل قدر ما يستطيع إنه يظن أنه بذلك لا يزيد من محنته إنه يرغب في الحياة مع أنه يعيش وحيدا الان ويرى الموت بأم عينيه إلا أن اليأس لم ينل منه ولم يفل عزيمته فهو مازال يأمل بأن أحدا من هؤلاء المارة الوافدين للفندق أو المغادرين له يأتي لينقذه من براثن الموت ، ومن أجل أن يهب أحدهم لمساعدته كان يغمم بصوت يكاد ألا يكون مسموعا ممن يمرون إلى جانبه ومع هذا فإنه لم يكتف بما يصدر من حنجرته من صوت خافت فقد كان يشير لمن يمر قريبا منه بيده إلا أن المارة لم يتقدم منه أي منهم ، كانت نظراتهم تدل على عدم الاكتراث غالبا وهز الرأس أحيانا ولسان حالهم يقول لهذا الملقى لم تشرب كثيرا لتكون في هذه الحال المزرية ؟ أوصل الحال بك أيها المتسكع ألا تفيق من سكرتك حتى مع إطلالة الصباح ؟ لا شك أن " جون " كان يشرب الخمرة أثناء نزوله في الفندق ليلتي السبت والأحد إلا أنه نادرا ما كان يفقد وعيه ومع هذا فإن جميع من مروا به يرون فيه ذلك الانسان المتشرد الذي لا مأوى له ولا هدف له في هذه الحياة سوى مقارعة كؤوس الخمرة ، هذه هي الأحكام المسبقة التي تقود إلى نتائج قد تكون وخيمة ، وحال " جون " تزداد سوءا فلم يكلف أحد من المارة نفسه عناء الافتراب منه ليمعن النظر بشخصه وهندامه ليستدل على أن هذه الملقى على الأرض ليس كما يتخيل له من أنه إنسان متشرد لا مأوى له ؛ أنه يرتدي بذلة أنيقة وربطة عنق تنسجم معها مما يدل على أنه ذو ذوق رفيع وينتعل في قدميه حذاء مصنوعا من جلد فاخر . فلديه من المال الكثير صحيح أنه محال على التقاعد لكن تلك الإحالة كانت باختياره هو نفسه فقد حصل على راتب تقاعدي عال بالإضافة إلا ما وفره في سنوات عمله .

          أنهى رجل الأمن في الفندق عمله المسائي وتوجه صباحا إلى مرآب السيارات ليستقل سيارته مغادرا إلى بيته إلا أنه أسرع الخطى حيث رأى " جون " ملقى على الأرض وكأن لا حياة فيه فلم يعد قادرا على تحريك يده أو إصدار همهمات ، يكاد يكون مقطوع النفس إنه يتنفس بصعوبة بالغة ووجهه بدأ يميل للزرقة ، لقد تذكر رجل الأمن أول مرة تعرف فيها على " جون " شريط سريع مر على ذاكرته إنه نزيل الغرفة الخامسة عشرة في الطابق الثاني من فندق الوردة الحمراء والتي يصر على أن ينزل فيها وزوجته " كاترين " يومي السبت والأحد من منتصف كل شهر فأصبحت هذه الغرفة بهذا الناريخ وفي هذين اليمين حكرا على " جون " وزوجته ؛ إنها ذكرى زواجه من " كاترين " الخامس عشر من أيار ففي هذه المناسبة من كل عام كان يحجز الغرفة يقيم فيها مع زوجته مدة أسبوع .

      كان الصوت المنبعث من الغرفة الخامسة عشرة في الطابق الثاني صياحا غير مالوف ، والصوت صوت رجل فهرع رجل الأمن إلى الغرفة ليستجلي الأمر فبعد أن قرع باب الغرفة وجد أمامه فتاة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها على قسط وافر من الجمال تضع بين اصبعي يدها اليمنى سيجارة تنفث دخانها في الغرفة فأمرها رجل الأمن بإطفائها لأنها تخالف تعاليم الفندق بعدم التدخين  وكان يجلس على كرسي في الغرفة رجل في الأربعين من عمره يصيح موجها كلامه لرجل الأمن سيدي الشرطي هذه الواقفة أمامك هي زوجتي وقد سرقت محفظة نقودي ، أليس من العار أن تخرج من الغرفة وتتصل بالشرطة يا سيدي؟ فرد عليه أنها لم تتصل بالشرطة فقال " جون "  لقد رأيتها من العين السحرية في باب الغرفة  وتابع رجل الأمن بعد ان قاطعه " جون " يقول له أنه ليس شرطيا ، إلا أن " جون " كان مصرا على أن يبدأ حديثه قائلا سيدي الشرطي  وبعد أن طلب رجل الأمن من " جون " الهدوء خرج من الغرفة وبابها مفتوح ومعه " كاترين " وعلى مرأى من " جون " بدأ يطرح عليها بعض الأسئلة تتعلق بزوجها ومحفظته كانت إجاباتها متزنة تخبره أن لا علم لها بها ، وعاد رجل الأمن إلى الغرفة وجلس على حافة السرير مقابل " جون " الجالس أمامه على الكرسي فلاحظ رجل الأمن أن عيني " جون "  يداعبهما النعاس ورائحة الخمر تفوح من فمه فأدرك أنه ثمل فسأله رجل الأمن أشربت كثيرا هذه الليلة ؟ فهز " جون " رأسه ينفي عن نفسه هذه التهمة إنه لم يكلف نفسه عناء الرد بصوته إلا أن زوجته " كاترين "  قالت لقد شرب الليلة كثيرا إنها من الحالات النادرة التي يشرب بها كثيرا فيفقد بها وعيه وفي هذه الاثناء كان رجل الأمن يمرر يده على السرير جيئة وذهابا دون هدف دخلت يده تحت المخدة فاصطدمت بجسم ما تناوله فإذا هي محظة نقود ، فقال رجل الأمن يخاطب " جون " أهذه هي محفظتك ؟ وهنا فتح " جون " عينيه على مصراعيها وقال نعم إنها هي يا سيدي الشرطي . شكرا لك يا سيدي الشرطي .

    كان " جون " في تلك الأيام يعمل مديرا للمحاسبة في شركة مرموقة ويتقاضى راتبا عاليا ، فقبل مجيئه إلى الفندق بيوم واحد اصطدم مع أحد موظفيه فجرت بينهما مشادة عنيفة اضطر " جون " لفصله عن العمل مما عكر مزاجه في تلك الليلة فشرب كثيرا حتى ثمل إن هذا السلوك ليس معتادا عليه كغيره من أفراد المجتمع الذي يعيش من حوله ، لم يتعود منذ صغره على شرب الخمر وتخرج من الجامعة يحمل درجة البكالوريوس في المحاسبة ولم يذق طعمها نهائيا حتى بعد أن تعرف على " كاترين " ، لقد شربها أول مرة في الاحتفال الذي أقامته الشركة لموظفيها بمناسبة رأس السنة وواظب عليها في مثل هذه المناسبات فلم يكن مدمنا ، لقد سرد تاريخ حياته لرجل الأمن في المرات التالية لحادثة السرقة فقد توطدت العلاقة بينهما فكان يزور رجل الأمن في مكتبه وأحيانا كان يدعوه لزيارته في غرفته أو يجلس معه في استراحة الفندق ، حدثه عن أول لقاء بينه وبين " كاترين " كان ذلك على شاطئ المحيط حيث كانت تجلس على مقعد خشبي تشاهد اليخوت الفخمة التي تتحرك كأنها غادة تتمايل مع كل نسمة رقيقة وموجة لطيفة تمرعلى مقربة منها  الزوارق السريعة وهي تمخر عباب المحيط ، شاهد " كاترين " أول مرة بعينيه فرأى أنها أجمل بنات عصرها ، في العشرين من عمرها طول فارع وشعر أسود فاحم وبشرة ناصعة البياض وعينان زرقاوان رمق فيهما الطهر والبراءة ، صار يراقب الشاطئ يوميا فعرف أنها تأتي بعد الساعة الخامسة عصرا لتجلس على الشاطئ يوم السبت من كل أسبوع ومعها من المكسرات ما هب ودب ومنذ ذلك الحين أحب المكسرات لأجلها فكانت رفيقه في حله وترحاله ، كان يجلس بالقرب منها على مقعد خشبي آخر يسترق النظر إليها وهي تلتهم المكسرات بنهم شديد كان يود أن يتحث معها إلا أنه كان يجد صعوبة في اختراع مادة ليبدأ معها الحديث كانت تضع يدها في الوعاء الذي بجانبها لتخرج منه المكسرات . سمعت " كاترين " صوتا عاليا يصدر قريبا منها فالتفت بنظرها إليه فرأت شابا يقوم من مكانه متوجها نحوها وهو يقول لها مادا يده نحو المحيط انظري هناك لفد انقلب الزورق . جلس على نفس المقعد الخشبي الذي تجلس عليه ، وتشعب الحديث بينهما وتواعدا على اللقاء معا على شاطئ المحيط في الساعة المعتادة  من يوم السبت وتتابعت اللقاءات بعد أن عرفا أن كلا منهما غير مرتبط بآخر وقررا العيش معا وتزوجا في الخامس عشر من أيار وقضيا شهر العسل في فندق الوردة الحمراء ثم غابا طويلا في المحيط في يختهما الذي اشترياه .

     استطاع جون أن يمد يده فشد بها بنطال رجل الأمن فأيقظه من سرحانه واستغراقه في استعراض شريط حياة " جون " فأجلس " جون " الذي كان منبطحا على الأرض وضربه بكف يده على ظهرة أسفل عنقه فطار من فم " جون " جسما تناوله رجل الأمن فوجدها حبة مكسرات هذه المكسرات التي أحبها من أجل " كاترين " ومع أنها فارقت الحياة قبل عامين إلا أنه واظب على حجز الغرفة الخامسة عشرة في الطابق الثاني في فندق الوردة الحمراء وذلك كي لا ينسى " كاترين " التي أحبها ، وفي اليوم المعتاد الذي ينزل فيه " جون " في الفندق ذهب رجل الأمن ليزوره في غرفته فقرع باب الغرفة ليطل منها رجل آخر ما تعود أن يراه إنه لم يكن " جون " ذهب رجل الأمن إلى مدير الفندق يسأل عن " جون " فأخبره أنه لم يتصل به ليحجز الغرفة ، وهنا تناول رجل الأمن الهاتف يتحدث مع " جون " الذي أخبره أنه اتخذ قرارين لا رجعة عنهما أولهما ألا يتناول المكسرات وثانيهما الا ينزل في الفندق .     







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز