المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
صراع الامم ج6

لعرض صراع الأمم ، فى مرحلته الاخيرة  ، فى العصر الحالى ، بأسبابه ودواعيه ، ومقدماته وتداعاياته ، وأوضاعه وأحواله ، وأغواره  وآثاره ، يقتضى الأمر أن تتعرض الدراسة للشرق الاوسط ، ولأوروبا ، والولايات المتحدة ؛ ثم بعض البلدان على المدار العالمى ، مما يكون لها اتصال بصراع الأمم  ، مباشرة أو بطريق غير مباشر .

( أ ) فلقد كانت السلطنة العثمانية ، على ما أنف قد قامت بالعدوان على الخلافة العباسية ، فاحتلت سوريا عام 1516 ثم إحتلت مصر عام 1517 ، ثم إحتلت بعض بلاد الشرق الأوسط تباعا . وهذا الاحتلال يعتبر فى الفقه الإسلامى ، وفى مفهوم السلطنة العثمانية الذى كانت تحاسب المسلمين على مقتضاه ، غزوا لبلاد مسلمة ، وعدوانا على الخلافة ، وشقا لصفوف المسلمين ، بما يجعله غير شرعى .

ومع ذلك ، ومع أن السلطان سليم الأول أجبر الخليفة العباسى المتوكل على الله محمد بن المستمسك بالله الذى كان مقره فى القاهرة ،   على التنازل عن الخلافة اليه ، بما أدى الى نقل الخلافة الى الأستانة والى بيت آل عثمان ، مع ذلك ؛ فانه لم يرتفع صوت بين علماء الشريعة أو عامة المسلمين يستنكر هذا الغزو ويستقبح هذا العمل ، وإنما قطعت السيوف كل قول ، وبترت المذابح أى لسان ، بل وخُلطت الموازين وقُلبت المعايير ، فصار العدوان على الخلافة يسمى فتحا ، وأصبح غزو المسلمين يدعى نصرا .

( ب) ترك العثمانيون حكم مصر الى المماليك ، وهم أفراد كانوا فى الأصل أرقاء ، أى عبيد ، يُشترون من مناطق جنوب الروسيا وبلاد القوقاز ، شيشنيا وداغستان ، ومن منطقة شركسيا ، جنوب شرق روسيا الأوروبية ، بين البحر الأسود ونهر كوبال من جهة والقوقاز العظمى من جهة أخرى ، وجلبهم الفاطميون أثناء حكمهم لمصر وسوريا (909-1169) ليستعينوا بهم فى إعداد جيوش لا يكون أفرادها من أبناء مصر أو سوريا . وتبع الفاطميون فى استجلاب المماليك السلاطين المتأخرين من الأيوبيين . وكان بعض المماليك يُعتق فيصير حرا . وقد اشتدت سلطتهم وعلا نفوذهم فأنشأ أحدهم ، ويدعى أيبك ، دولة المماليك فى مصر عام 1250 ، حين قتل طوران شاه آخر السلاطنة الأيوبيين . وظلت دولتهم حوالى 250 عاما ، وتنقسم الى دولتين ، دولة المماليك البحرية (1250 – 1382) ودولة المماليك البرجية ثم المماليك الشراكسة (1382- 1517) . وكان كل حاكم  منهم يحكم مدة قصيرة قد لاتزيد على عام أو عامين ، تنتهي عادة بإغتيالهم على أيدى منافسيهم ، والطامعين فى الحكم والسلطان ، شأنهم فى ذلك شأن الانقلابات العسكرية فى بعض الدول المعاصرة . ونظرا لظروف الاغتراب بسبب الرق ، والتربية فى مناخ العبودية ، والأسلمة على الظاهر ربما بغير اقتناع ، كان المماليك ميالين الى الظلم والاستبداد وسفك الدماء ، ليس لهم فى شئون الحكم تدبير سليم . وإذ كان بعضهم قد عُنى باقامة أبنية ، مثل المساجد والسبل (جمع سبيل) والتكايا والقبور ، فانه لم تتخلف عنهم قصور أو حصون شأن تلك التى كانت تُبنى وتشيد فى أوروبا ، فى أوقات معاصرة لهم .

حارب بعض السلاطين المماليك ضد الصليبيين فى أواخر عهدهم بسوريا ، وضد المغول فى هجمتهم الأولى ، فى سوريا وآسيا الصغرى (تركيا حالا) . منهم شجرة الدر ، وقطز ، والظاهر بيبرس ، وقلاوون ، والصالح عماد الدين (الملك الصالح) ، والكامل سيف الدين (الملك الكامل محمد) ، وقايتباى ، والظاهرقنصوة ، وقنصوه الغورى (الذى تنسب إليه الغورية) ، وطومان باى .

نظرا لظروف دولة المماليك ، وطبيعة الأحوال لديهم ، واقتصارهم على الحرب والضرب ، دون الحكم والسياسة والقيادة والريادة ، فقد اضطربت أمور البلاد فى عهدهم ، وانحطت كل مناحى الحياة ، اجتماعية وسياسية ومالية وعلمية وفنية وأدبية .
وعلى الرغم من أنهم صدوا الهجمة المغولية الأولى فى موقعة عين جالوت عام 1260 ، فقد انهزموا أمام الهجمة المغولية الثانية بقيادة سليم الأول عام 1517 . لكن المماليك الذين كانوا يُلقبون بالأمراء تارة وبالبكوات تارة أخرى ، ظلوا قوة حاكمة يعتد بها ، فترك لهم العثمانيون حكم مصر ، على أن يقتضوا الجزية منهم ، فصاروا مصدر فتن واضطرابات داخلية كثيرة ، أدت بمصر الى التخلف الشديد والتراجع البعيد فى شتى ضروب الحياة  ، فى الوقت الذى كانت فيه الدول والممالك والإمارات الأوروبية ترتقى فى سلم التقدم والتحضر والتمدين والعلوم والفنون والآداب .

ولما دخلت السلطنة العثمانية دور الوهن وحال الضعف بدأ بعض المماليك يسعى الى الاستقلال بحكم مصر ، كما فعل على بك الكبير (1768-1773) ، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب الصراع المستمر بين المماليك ، الذين نحّوا الشعب المصرى عن دوائر النفوذ والحكم والسلطة  ، وانفردوا بها ، فظلموا الشعب وظلموا أنفسهم ،  وتفاقم الصراع بينهم فأهملوا شئون البلاد ومرافقها ، على ما كانت عليه من إهمال وخراب ، حتى أناخ الفقر وضرب الجهل ورزح الضعف ، مما أدى الى سقوط مصر فى قبضة الجيش الفرنسى بقيادة نابليون بونابرت ، فيما يعرف بالحملة الفرنسية (1797-1801) .
عبد الرحمن الجبرتى (1754-1835) شيخ المؤرخين ، مصرى ولد بالقاهرة وتعلم بلأزهر . وشهد وأرخ للحملة الفرنسية ، وفترة ما بعدها ، حتى حكم محمد على . وفى كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار " يكشف عن تاريخ مصر فى القرنين 17، 18 . ومن هذا الكتاب تبدو الحالة الحقيقية  فى الغرب وفى الشرق ، فيما وصفه عن الحملة الفرنسية ، ويظهر ذلك فى نقاط ثلاث :

( 1 ) سرعة سقوط مصر المماليك فى يد الجيش الفرنسى ، وفى ذلك يقول نصا "الطابور الذى تقدم لقتال مراد بك انقسم على كيفية معلومة عندهم  فى الحرب (أى بالتنظيم العسكرى الذى يتبعه الفرنسيون) ، وتقارب من المتاريس بحيث صار محيطا بالعسكر من خلفه وأمامه . ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية (أى أطلق بنادقه الآلية) والمدافع .. بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزلت والسماء عليها سقطت واستمر الحرب والقتال نحو ثلاثة أرباع الساعة ، ثم كانت .. الهزيمة على العسكر الغربى (فى منطقة إمبابة) فغرق الكثير من الخيالة فى البحر (أى فى نهر النيل أثناء عبورهم إلى القاهرة) لإحاطة العدو بهم وظلام الدنيا .. والبعض وقع أسيرا فى أيدى الفرنسيس (الذين) ملكوا المتاريس . وفر مراد بك ومن معه".

( 2 ) عدم وجود قيادة مصرية ، وعدم معرفة الشعب لأهدافه وما يريد . وفى ذلك يقول الجبرتى "اجتمع فى الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا" فاتفق رأيهم على أن يُرسلوا مراسلة الى الإفرنج وينتظروا ما يكون من جوابهم ، وأرسلوها صحبة شخص مغربى يعرف لغتهم (الفرنسية) واَخر صحبته ، فغابا وعاد فأخبرا أنهما قابلا كبير القوم (نابليون) .. فقال وأين عظماؤكم ومشايخكم .. إننا ما حضرنا الا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون (أى يعاملون) الفرنساوية بالذل والاحتقار ... وأخذ مال التجار ومال السلطان ... وأما (الشعب) فيكونوا مطمئنين ... ولابد أن المشايخ .. يأتون إلينا لنرتب ديوانا  ننتخبه  من سبعة أشخاص  عقلاء .. يدبرون الأمور... اكتبوا (للمشايخ الكبار) للمصر.. بالحضور (وسوف) نعمل لكم ديوانا لأجْل راحتكم وراحة الرعية وإجراء (أى تطبيق) الشريعة ".
ومفاد ذلك أنه لم يكن للمصريين قيادة ، وأنهم قعدوا ولم يحاولوا مقابلة أو ملاقاة الفرنسيين ، وأن قائد الحملة نابليون ، هو الذى طلب منهم أن يطمئنوا ويقابلوه ، ليجعل منهم قيادة ، وينظم ديوانا للحكم ، ويساعد على تطبيق الشريعة .

( 3 ) وجود فارق إجتماعى وحضارى بين حكم المماليك وحكم غيرهم . وفى ذلك يقول الجبرتى ".. لما فيها من ضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة (أى الفرنسيين) الذين يحكّمون العقل .. بخلاف  ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العسكر الذين يدّعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون ، وقتلهم الأنفس ، وتجاريهم (أى اجتراءهم) على هدم البنية الإنسانية (أى إزهاق روح الإنسان) بمجرد (أى لمجرد إشباع) شهواتهم الحيوانية " .
ففى هذا النص بيان لواقع التحضر الذى يركن الى العقل ، وحال التخلف الذى يتصرف دون عقل . فالعقل يحفظ حياة وكرامة كل فرد ، ولو لم يكن من قومه أو من حزبه ؛ أما غيابه فيهدر حياة وكرامة كل فرد  ، ولو لم يكن من قومه أو من حزبه .
يضاف إلى ذلك أن النص السابق يحدد قضية معينة ، هى التى لم تزل وسوف تظل ، قضية الفصل بين القيم الإسلامية وبين التصرفات الهمجية ، وتمسح هذه بتلك ، وإسباغ وصف الجهاد على كل ما هو عنف وقتل وإرهاب . ذلك بأن سفلة عسكر العثمانيين ، وهم يدعون الإسلام ، ويزعمون أنهم مجاهدون ، كانوا يزهقون نفوس أبناء الشعب المصرى الضعيف الأعزل ، لمجرد إشباع شهوة حيوانية بالإغتيال والعدوان ، وهم يظنون ويزعمون أن هذا القتل للمدنيين العزّل ، رعايا السلطان ، وهم مسلمون ، جهاد فى سبيل الله.

وهذه النقطة بالذات هى مكمن الحقيقة فى صراع الأمم ، ومقطع النزاع فيما قام منه وما يقوم حالا ، وما سوف يقوم فيما بعد .
وحتى تكتمل الصورة بين التحضر والتخلف ، بين التقدم والتدهور ، تتبع الدراسة ما فعله الفرنسيون فى مصر ، فى مدى ينوف قليلا على ثلاث سنوات ، مما يقطع بالحال الحضارى والوضع المدنى لمصر قبل ذلك . فقد استحدث الفرنسيون ديوانا من عشرة من المشايخ ، تم تحديدهم بالانتخاب المباشر لحكم البلاد ، وتحدد من بينهم مختص بالشئون المالية ووال للشرطة ومحتسب . وأنشأوا المجمع العلمى . وأناروا مدينة القاهرة ورتبوا نظافتها . ومنعوا دفن الموتى بالمدافن الملاصقة لبيوت السكن . وأنشأوا منتزهات وطرقا وجسورا . وأقاموا جسرين على النيل وفرعه للربط بين القاهرة والجيزة . وأسسوا مكتبة عامة . وخصصوا منطقة للبحث العلمى . وأدخلوا أدوات التقنية الحديثة فى أعمالهم . واستخدموا البارود والألغام فى أعمال الهدم بأسلوب علمى . وأنشأوا مناطق لعزل القادمين الى مصر ، واستحدثوا أسلوب نشر الأوامر وكتابتها ولصقها فى عدة أماكن ليراها الناس . وفرضوا نظاما لضبط عقود الزواج  ووقائع الميلاد والوفاة وقيد المسافرين والغرباء . ومصّروا نظام الحكم ونظام القضاء . ورتبوا المحاكم على أسلوب عصرى .
وعلى الرغم من هذه النقلة الحضارية التى قام الفرنسيون بتقديمها وتعليمها للمصريين ، وعلى الرغم من أنهم – كما يثبت الجبرتى العالم الأزهرى المصرى – لم يسيئوا الى المصريين ، ولم يعتدوا أو يظلموا فقد قاومهم المصريون ، خاصة بعد أن إتفق الفرنسيون مع السلطنة العثمانية على الخروج من مصر ، وكان ذلك لسببين رئيسيين لم يزالا بمضمونهما ومفهومهما ، حتى الوقت الحالى سدى ولحمة ما يسمى صراع الحضارت أو صراع الثقافات أو صراع الأمم .

وأول السببين ، هو سكون المصريين الى أوضاعهم السابقة على تدنيها وتخلفها ، وضيقهم وتبرمهم بأى تنظيم أو ترتيب أو تقنين . وهذا هو الجانب المهم فى صراع الحضارات ، أو الثقافات ، حين ترى أمة أن ما تقدمه إليها ثقافة أخرى ، من أساليب تحديثية أو تجديدية أو تقدمية أو علمية أو فنية أو أدبية ، هى أمور تمثل غزوا لثقافتها ، التى قد يكون أساسها وقوامها ، الجهل والقذارة والفوضى والمظالم والمغارم ، وعدم الترتيب أو التنظيم  أو التخطيط أو التكامل .

أما ثانى السببين ، فهو التأويل الخاطىء للدين والفهم المغلوط للشريعة من أن السلطان المسلم ، ولو كان مسلما على حرف أو مؤمنا على جهل ، أحق بالولاء والطاعة من الحاكم غير المسلم ، ولو كان عادلا منصفا عالما قديرا . فلقد وزع السلطان العثمانى ، عن طريق عكا ، منشورات تحرض المصريين ضد الفرنسيين ، امتلأت بالآيات القراَنية والأحاديث  التى تحض على جهاد غير المسلمين ، ولعْن الفرنجة والحط عليهم  ، ورميهم بالكفر والضلال .وقد تأثر عامة المصريين بذلك ، وبأن لا ولاية لغير المسلم على المسلم ، فثاروا وتمردوا على الفرنسيين ، موالاة منهم للسلطان العثمانى ، الذى كان يقال عنه إنه سلطان المسلمين ، مع أن شخصا عالما عاقلا مثل الجبرتى نعى على السلطان وعسكره إدعاء الجهاد وانتحال الإسلام لقتل الناس بلا ذنب ولا جريرة ، وتلا ذلك أن المصريين شكوا مر الشكوى من تصرفات العثمانيين وعسكرهم ، حتى كانوا يتمنون عودة الفرنسيين (يراجع فى ذلك كتابنا مصر والحملة الفرنسية الذى كان قد نشر فى دراسات متتالية ، بمجلة مصرية قبل أن يُطبع فى كتاب) .
وهذان السببان سوف تعود إليهما الدراسة ، بالتأصل والتعليل والتحليل .
ظل الحال فى مصر مضطربا حتى عين السلطان العثمانى محمد على الكبير واليا لها (1805) ، فبدأ عهد جديد . لقد أحاط بمحمد على جماعة السيمونيين ، وهم من أنصار سان سيمون (1760 – 1825) الفيلسوف الإجتماعى الفرنسى ، الذى كان يدعو الى الإخاء الإنسانى والتنظيم العلمى والإشتراكية العالمية .
واستفاد محمد على من مستشاريه الفرنسيين كثيرا فى تنظيم الجيش والبحرية والرى والتعليم ، حتى نهضت مصر فى عهده نهضة عظمى ، وانتصر جيشها فى كل المعارك وعلى كل الجبهات ، إلى درجة أن هدد السلطان العثمانى فى كوتاهية 1833 وفى نزيب 23 يونيو 1839 ، فصارت أبواب استانبول مفتوحة له ، مما أخاف انجلترا وروسيا ، أن تقوم سلطنة فتية قوية بدلا من السلطنة المريضة الشائخة . وبمقتضى معاهدة لندن 1841 اقتصر حكم محمد على على  مصر  .

كانت السلطنة العثمانية من ثم قد ضعفت ووهنت ، على نحو ما سلف ، حتى استطاع محمد على ، بفضل جيشه المصرى جنودا والفرنسى تدريبا ، أن يهدد السلطان ، بل وكان من الممكن أن يخلعه وينصّب نفسه سلطانا ، خاصة بعد أن كان الأسطول العثمانى قد استسلم له . وقد خشيت الدول الأوروبية أن تتوسع روسيا وتصل الى البلاد الدافئة فى أملاك السلطنة ، كما خشيت ضياع الإمتيازات الأجنبية ( (Capitulations التى كانت قد اكتسبتها فى أملاك السلطنة ، ومنها مصر ، نتيجة لمراسيم (فرامانات) كانت تصدر من جانب السلطنة وحدها ، ولا تكون نتيجة معاهدات مبرمة معها ، فتُلزم طرفيها . وقد حاول مدحت باشا رئيس الوزراء إدخال بعض الإصلاحات الضرورية لتحديث السلطنة ، فوضع دستورا عام 1876 ، غير أن السلطان عبد الحميد الثانى (1876- 1909) ، والذى يُلقب بالسلطان الأحمر كناية عن كثرة سفك الدماء ، ألغى الدستور وأوقف الإصلاحات : وفى عام 1908 قام حزب الاتحاد والترقى بحركة إصلاحية قومية ، وأكره عبد الحميد على التنازل عن السلطنة .ولما توالى ضعف السلطنة العثمانية ، قام فيها حزب تركيا الفتاة فى محاولة أخرى للإصلاح ، باءت بالفشل . وفى عام 1922 قام مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء السلطنة ، ثم أُلغيت الخلافة فى 3 مارس 1923 .

خلال الفترة الأخيرة من السلطنة العثمانية وقعت عدة أحداث كانت ذات أثر مهم للغاية فيما يسمى بصراع الأمم ، منهم :-
( أ ) مذابح الأرمن : أرمينيا هضبة كانت تضم فى العصور القديمة مملكة آسيا الصغرى التى تشمل شرق تركيا الحالية وجمهورية أرمينيا الحالية أيضا ، بعد انفصالها عن الاتحاد السوفيتى ... وقد ظلت مسرحا للحروب ، حتى سيطر عليها الأتراك العثمانيون فى القرن 16 . وفى مؤتمر برلين 1878 أُعطيت بعض الأراضى الأرمينية التابعة للعثمانيين الى روسيا ، غير أن رقعة كبيرة من الأراضى هذه أعيدت الى تركيا عام 1921 . أثناء ذلك ، كان الأرمن قد ضاقوا ذرعا بغشومة ومظالم الحكم العثمانى ففكروا فى الاستقلال بأمرهم ، خاصة وقد كانوا مسيحيين لم يتحولوا الى الإسلام ، ومن ثم تعرضوا خلال الفترة من عام 1894 حتى عام 1915 إلى مذابح واسعة وتهجير جماعى (Transfer  )  من جانب السلطنة العثمانية . وفيما بعد ، وبقتضى معاهدة برست ليتوفسك عام 1918 ، قامت دولة أرمينيا المستقلة ، تحت رعاية ألمانيا . ونتيجة لمعاهدة سيفر أقيمت أرمينيا العظمى ، وفى نفس العام ضمها الاتحاد السوفيتى ، لتصبح إحدى السوفييت أى المجالس ، ثم صارت جمهورية مستقلة بعد تفكك الإتحاد السوفيتى .
مذابح الأرمن على يد السلطنة العثمانية إبان حكم السلطان عبد الحميد ، وتهجيرهم من أراضيهم التى كانت فى نطاق السلطنة ، هى أهم وأول الوقائع فى العصر الحديث ، مما تتضمن ذبح شعب بأسره ، وتهجير من بقى منه خارج أراضٍ ترى سلطنة المذابح والتهجير أنها حق لها . وسوف تصبح هذه الوقائع نموذجا أو رسما تخطيطيا ، أو سيناريو(Scenario)  ، لما حدث فيما بعد من السلطة الإسرائيلية للشعب الفلسطينى .
ثم أمر آخر عن التهجير الجماعى ، أو التهجير المتبادل ، للشعوب ، حدث أولا بعد استقلال اليونان عن السلطنة العثمانية بمقتضى صلح أدرنة عام 1829 ، إذ وقع بين السلطنة وبين بلاد اليونان تبادل جماعى للسكان ، بتهجير اليونانيين من الأراضى التركية مقابل تهجير الأتراك من الأراضى اليونانية . وهى سابقة تكررت فيما بعد بين الهند وباكستان ، عند استقلالهما عام 1947 . ويتطلع لها البعض لتكون تطبيقا جديدا فى النزاع الفلسطينى الاسرائيلى .

( ب ) الثورة العربية : ضاق العرب كثيرا ، بمظالم ومفاسد السلطنة العثمانية ، فنزعوا الى الإستقلال عنها . وأدى ظهور القومية الطورانية ، التى تضم تركيا مع بلاد وسط آسيا ، وهم ذوو أصول واحدة ، مغولية تتارية ، ولغة واحدة هى الأتراكية ، التى تضم لغة التتار والتركية الحديثة ولغة بعض جهات القوقاز وأذريبجان ، أدى ظهور القومية الطورانية الى ظهور القومية العربية ، مقابلة ومعارضة لها . وبدأت الثورة العربية فى أرض الحجاز بقيادة الشريف حسين ، ثم ابنه فيصل . وساعدت بريطانيا هذا الثورة نكاية فى السلطة العثمانية التى كانت قد دخلت الحرب العالمية الأولى 1914-1918 الى جانب ألمانيا . وساعدت ضابط المخابرات البريطانى توماس إدوارد لورنس الشهير باسم لورنس العرب (1888- 1935) ، صاحب كتاب أعمدة الحكمة السبعة ، استطاع العرب قطع سكة حديد مدينة دمشق ، ثم احتلال ميناء العقبة ، ودخول دمشق عام 1918 قبل أن يدخلها الجنرال اللينبى .

 خلال قيام وعمل الثورة العربية ، كانت مصر  ذات هدف آخر . فقد أدى حكم الأسرة العلوية إلى استقلال مصر عن السلطنة العثمانية ، درجة بعد درجة . ونتيجة لهذا الاستقلال ، بدأت فى مصر نهضة تحديثية ، أقامت فيها على مراحل ، والى حد ما ، مؤسسات فى الإدارة والتشريع والجيش والشرطة والقضاء والتعليم والصحافة ، فضلا عن باقى الأنشطة الثقافية والإجتماعية التنويرية ، حتى صارت مصر منارة العالم العربى ، وموئلا  لكل الأحرار وكل الحركات . فإليها ركن جمال الدين الأفغانى ، فبذر بذار الإسلام السياسى ، ولما اتجه تلميذه محمد عبده (1845 - 1905) إلى القضاء والتعليم منذ عام 1889 ، وخلال عمله مفتيا للديار المصرية ، انتقلت حركة الإسلام السياسى الى مدرسة المنار برياسة محمد رشيد رضا (1865 – 1935) ، وهى المدرسة التى تكون فيها حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين . ولقد حملت مدرسة المنار كل شعارات واتجاهات السلطنة العثمانية ، وخاصة أيام عبد الحميد الثانى ، من معاداة الغرب عموما ، ورفض الحضارة العالمية بدعوى أنها حضارة غربية تعمد الى غزو المسلمين ثقافيا ،هذا فضلا عن قصر الإسلام على السياسة وحدها ، واختزال الشريعة فى العمل الحزبى دون سواه ، وفى عدم تقديم الإسلام – رغم وجوهه المتعددة وجوانبه الثرية وحضارته الخصبة – إلا من خلال الصيغة العسكرية وحدها ، والتى تتحول الى أعمال ارهابية ان لم تنظم ضمن عمل عسكرى لجيش نظامى ، وتكون ضمن أهداف واضحة محددة لنظام سياسى وحكومة مدنية .

والى جانب الإسلام السياسى ، بل وقبله ، كانت الحركة الوطنية تستهدف الخلاص من الإحتلال البريطانى  (1882 – 1956) لتحظى بالاستقلال التام .
وتغير الوضع بإيقاع سريع فى مصر . فقد أدى إلغاء الخلافة فى 3 مارس 1924 الى أن يطمع فيها كثير من الحكام ، ومنهم الملك فؤاد ملك مصر ، ثم الملك فاروق ابنه ، وهو أمر كان له أثر كبير فى انفتاح مصر على مشاكل العالم العربى وإلى دخولها بجيوش نظامية فى حرب فلسطين 15 مايو 1948 . وقد تطور الإسلام السياسى بعد أن غذته المخابرات البريطانية والمخابرات الفرنسية ، ودعمته السراى الملكية المصرية . وتغيرت السياسة المصرية جذريا منذ إنشاء الجامعة العربية فى 22 مارس 1945 ، إذ دخلت بثقلها فى دعوى القومية العربية .
مذابح الأرمن والثورة العربية حدثان مهمان وقعا فى نهاية تاريخ السلطنة العثمانية ، أما الحدث الثالث والأكثر أهمية فهو التمهيد لقيام دولة إسرائيل .
وذلك موضوع الدراسة القادمة

من المحرر:

 لقراءة الحلقة الخامسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17137

لقراءة الحلقة الرابعة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17049&a=1

لقراءة الحلقة الثالثة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17000&a=1

لقراءة الحلقة الثانية انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16910&a=1

لقراءة الحلقة الاولى انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16815&a=1

عبد الحق   ليس المرء من يقول كان ابي ....   August 5, 2010 3:22 PM
مر علي الاسلام ازمات وازمات سفطت دول وصعدت اخري ولم تاخذ امتنا من تجربتها المريرة خلال تلك القرون الا الاحقاد والخلافات سقطت الاندلس واصبحنا كطيع من المعز تحرصه كلاب . لا وحدة ولا اعتصام الحدود مقفوبة . والشعوب مفهورة . والسجون مملوءة . والبطالة منتشرة .والاواصر مقطوعة لم يبق من الاسلام الا الصلاة والحج ورمضان لم نتفق عليه . الكل يتفاخر ويتباهي بصلاح الدين ... وكتب التاريخ .. لافي السياسة تتكلم ولا في الاقتصاد نفهم .. حكامنا بنو القصور في العراء ونسو النمرود وكنعان وفرعون ومت حل بهم وشكرا لكاتب المقال

محمود   السيد الكاتب أرح واسترح   August 5, 2010 6:43 PM
موضوعك ليس فيها صراع أمم ولكن نقد للعثمانيين الأتراك لا أدري لماذا حقدك عليهم

أبو القاسم   العثمانيون   August 6, 2010 8:09 AM
العثمانيون يقعون فى الترتيب الثانى من حيث اسباب البلاء فى الشرق العربى. أما اذا اردت أن تعرف السبب الاول، فعليك بأن ترجع الى بداية التقويم الهجرى.

محمود   رقم 3 إسم على غير مسمى   August 6, 2010 11:02 PM
أنت لست بمسلم ولكن حاقد على الإسلام







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز