نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الله لا يشبعكم يا رب

تفرز لنا حقبة الانهيارات القيمية التي نعيش بظلالها ونعيمها، وكل الحمد والشكر لله، كثيراً من الظواهر والرموز الاجتماعية الشاذة التي يميزها أول ما يميزها الجهالة وانعدام القيم وأية صفة جمالية أو الاحترام للقيم الإنسانية المتعارف عليها تاريخياً لا بل التنكر لها بـ"تياسة" وتناحة، وعذراً منكم جميعاً.

وآخر تلك المظاهر والإفرازات والشخصيات، التي نقف نراقبها، ونضحك منها أحياناً، ونبكي في أحايين أخرى، هو سقوط أحد كبار التجار، وحيتان المال الـ Tycoons المعروفين في قبضة رجال الأمن وإيقافه بتهمة الاتجار بالمخدرات وقدّرت المواد المصادرة، حسب ما سمعت ولم يمكن التأكد منه، بما قيمته مليون دولار أمريكي، هذا والله أعلم على أية حال.

 

 الشخص المعني، هو أصلاً تاجر معروف في قطاع آخر، غير المخدرات، ويقوم بتجارة وعمل معروف وشرعي وظاهر للعيان، وكان يدر عليه الملايين، كما يمتلك أراض شاسعة وبيارات من البرتقال، ومعملاً آخر لإنتاج مادة حيوية، وأكثر من مصلحة "كسّيبة"، حسب الخطاب الشعبي ويشغـّل هذا الشخص عشرات وربما مئات الموظفين لديه، ويتحدثون لك عن حياة خرافية وأسطورية، كان يعيشها هذا الشخص، متشبها بالمسؤولين، والعياذ بالله، من أساطيل من السيارات الحديثة والفارهة، ومرافقة، وسكرتيرات، وصرف و"جخ ورخ"، وما شابه ذلك من مظاهر المرض التي اكتسحت مجتمعاتنا وتنم، أولاً، عن نفسية مريضة أكثر من أي شيء آخر، ويسيطر على تجارة ومادة غذائية حيوية في إحدى المدن، ويقال بأنه أهدى أخاه في عيد ميلاده سيارة حديثة جداً، من تلك التي يركبها أصحاب النعمة المحدثة والبطرانون، قدرت قيمتها بمبلغ خرافي وأسطوري، بالنسبة لنا على الأقل، وهو مائة ألف دولار من دولارات أصحابنا الأمريكيين الذين كنا نفكر بالقضاء عليهم يوماً ما لأنهم إمبرياليون وأعداء لتطلعات أمتنا "العربية والإسلامية"، مع ألف خط تحت آخر كلمتين، لكننا سامحناهم اليوم على ما يبدو. المهم ما علينا وبلا طول سيرة، يا طويلي العمر، الرجل لم يكن ينقصه من عمله الأصلي أي شيء، لا جاه ولا بنون، ولا مال ولاشيء. والأنكى من ذلك أنه كان يقوم ببعض الطقوس الدينية "لزوم الشغل" والتبرع للأولياء والصالحين ومن "حر ماله" طبعاً لإتمام الحركات المعروفة إياها، ولديه من الممتلكات والأطيان ما يكفي حفيده السادس عشر، فما الذي حدا به كي يقوم بهذا العمل غير المشروع وغير الأخلاقي لولا النهم والطمع والمرض النفسي قبل المرض الاجتماعي ووباء النهب وتكديس المال والانبهار بإغراء القشور الذي بات يسطر على عقول وألباب الناس بفعل تمدد قيم الاستهلاك الرأسمالي التي باتت وباء عالمياً تفرز لنا هذا الداء العضال.  وبات السؤال هل للغنى والثروة وجمع المال، وأياً كان مصدره أية علاقة بالأخلاق؟

 

وطبعاً لو قام أحد من الدراويش والمساكين والفقراء المحرومون بهذا العمل ولجأ إلى أساليب غير قانونية وغير شرعية لكسب المال، لوجدنا له العذر، أما أن يقوم به من هو ليس بحاجة لذلك فالأمر بات ظاهرة تجتاح لدراسة وتوقف وربما معالجة نفسية وإعادة تأهيل فالنهم أحد أنماط الأمراض النفسية، ناهيك عن السقوط الأخلاقي المدوي لهذا الشخص وانكشافه بهذه الطريقة المهينة، فإن للأمر بعداً أخلاقياً، وصحياً وهو الأهم، ويتجلى بإحداث الضرر النفسي والجسدي بأناس آخرين من خلال توريد هذه المواد المخدرة السامة والقضاء على حياتهم ومعيشتهم وأسرهم وتدميرها نهائياً ومن دون أي اكتراث بمستقبل الشباب وحياتهم. ولذا يجب أن يواجه هو وغيره ممن تسول له نفسه تدمير المجتمع، بأقسى وأشد العقوبات، ولا علاقة لنا بحياة الشخص المعني، وماذا يريد أن يفعل بها، لكن حياة وأمن المجتمع هي خط أحمر يجب عدم العبث به. والسؤال الذي يجب أن نوجهه لهذا وغيره من ملوك النهب والطمع والمال السحت الحرام، في كل مكان: متى سيشبع هؤلاء، وما هو الشيء الذي يشبعهم، بالضبط، ومتى ستصرف هذه الأموال، والمليارات، وهل فكر هؤلاء أين ستذهب هذه الأموال بعد أن يأخذ الله أمانته، ويذهبون للجنة بالطبع، لولا أنه المرض والعدوانية التي تعشش في النفوس المريضة التي لا تشبع ولا تكل ولا تمل ولا تهدأ من جمع المال وتكديسه؟

 

لقد قيل قديماً، اثنان لا يشبعان طالب علم، وطالب مال، وقيل أيضاً إن ابن آدم لا يشبع عينه إلا حبة التراب التي تلقى بها حين يسجى في مثواه الأخير، وبعيداً عن أي تشف، ومشاعر حقد وشماتة، فالرجل اليوم في موقف لا يحسد عليه، بعد أن دمرت سمعته، كماا إمبراطوريته المالية، وبات خلف القضبان بانتظار حكم العدالة الذي لا نشك فيه أبداً، كلا وحاشانا وحاشاهم على أية حال، فإن أكبر دعاء يمكن أن يوجه لملوك النهب وتكديس المال، وهي باعتقادنا أكبر عقوبة ودعاء لهم، هو : " الله لا يشبعكم يا رب"، نقولها لكل منحرف ومتيم بالمال، في كل مكان، ولا تشبع عينه إلا حبة التراب، كي يستمر في دوامة البحث عن المال التي لا تنتهي، وليس لها نهاية ولا قرار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز