نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
النقاب والاستبداد

مهما قيل ومهما تعددت الآراء في موضوع النقاب، فهو نمط من عبودية المرأة المشرعنة والمقوننة، وشكل من أشكال الاستبداد الشرقي الأزلي والمقيم، وهو استعباد للمرأة وإلغاء لهويتها، وانتقاص من كرامتها وطمس لشخصيتها، وتهميشها اجتماعياً وإخراجها عملية من معادلة التفاعل والتواصل مع الحياة، وهو زي طبقي وعنصري وتمييزي اختصت به حرائر قبيلة قريش دون غيرها،  والأهم والأنكى هو تسليها وتبضيعها والنظر إليها باعتبارها موضوعاً جنسياً مجرداً من أية قيمة واعتبار آخر، وهذا طبعاً دون أن تكون فرضاً دينياً بل عادة بدوية قبلية نشأت بفعل ظروف الصحراء التي فرضت على الحرائر لبس النقاب كي لا يعرفن حين كن يقضين حاجتهن الطبيعية في العراء، وكان بنو البدو يتلصصون على عفتهن، ومن هناك كان الحل السحري من أحد خلفاء الإسلام وبعبقرية نادرة، طالباً منهن ستر وجوههن، وكان نفس هذا الخليفة العادل قد ضرب إحدى الإماء بسبب وضعها النقاب لأن النقاب خاص بالحرائر، وهذا ما يبعد عنه المبادئ العليا والمثلى والفضلى التي يلهج بها مؤيدوه وطالباته وطالبوه. كل هذه الصفات التي تجتمع فيما يسمى بالنقاب تلقي بكل الصفات السلبية عليه، وتجعل من مقاومته والتصدي له، ولانتشاره، أمراً مطلوباً مجتمعياً وقانونياً، ووطنياً باعتبارع عادة بدوية دخيلة على مجتمعاتنا، والمرأة التي تقبل بالنقاب، فهذا يعني أنها تقبل بعبوديتها، وقهرها، وإلغاء شخصيتها وهويتها، ودفنها بالحياة ووأدها بالسواد.

 

فالمنقبة امرأة مسلوبة الإرادة والقرار وخاضعة لعملية غسل دماغ وتزييف وعي واحتيال عقلي يجعل منها أداة طيعة لفكر وسلوك مفروض عليها لا إرادة لها فيه مطلقاً، وهذه كلها أشكال من الاستبداد والقهر المعنوي والجسد والتعذيب المستمر الذي تعيشه المنقبة مدفونة في هذا السواد. وتصور أن العفة هي في إخفاء معالم الجسد فيه الكثير من التسذيج والتبسيط لقضايا كبرى، فحين تعجز المرأة عن التصدي لذئبية المجتمع الذكوري وشبقه إلا بهذه الطريقة غير الفعالة، فهذا يعني بأن هذا المجتمع، المفترض أنه مؤمن وورع وتقوي، قد وصل إلى مناطق حرجة من الانحلال وفي طريقة تعامله ونظرته للمرأة. بمعنى أن النقاب هو حصن للمرأة، وليست أخلاقها أو أخلاق المجتمع المؤمن، وهذا نسف من الجذور للدول الدينية والمجتمعات المتدينة، التي لا تستطيع أن تتمالك نفسها، لا ذكوراً ولا إناثاً حين ترمي هذه القطعة من القماش، المسماة بالبرقع أو النقاب الإسلامي، وهي ليست من الإسلام في شيء كما قال فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، والإمام الأكبر الراحل، حيب توصيفه الرسمي وأمر إحدى الفتيات بخلع نقابها.

 

والسؤال الأهم ما الفرق بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، وأيهما أسبق، وأحق بأن يقاوم أولاً؟ ألم يفض الاستبداد الديني التاريخي في المنطقة المسماة بالشرق الأوسط إلى كل هذا الكم من الاستبداد السياسي الفجر الذي لم تعرف المجتمعات مثيلاً له؟ ولماذا مقاومة الاستبداد الديني ممنوعة وتتعلق باحترام الخصوصيات الثقافية والمعتقدات الفكرية، وومقاومة الاستبداد السياسي عملاً مشروعاً كما يفترض ويلهج بعض المراكسة والبلاشفة العظام التي منـّت بهم علينا حقبة الظلام العربي الطويل؟ أليس الاستبداد السياسي ها هنا خصوصية ثقافية وفكرية أيضاً وموروث شبه ديني ومقدس حين احتكر "خلفاء" اله المال والثروة والسلطان، والكلأ والماء والنار كما النسوان والغلمان. هل استبداد واستعباد النساء وتشييؤهن وتسليعهن عبر النقاب مسموح، واستعباد الرجال وتشييؤهم وإلغاء هويتهم، وطمس وجودهم، وإلغاء كيانهم، وسلبهم حرياتهم، وشطبهم من معادلة الحياة عبر الاستبداد السياسي ممنوع، ما الفرق بين هذا وذاك، لماذا النقاب حرية وخيار شخصي، وقبول الرجل باستعباده واستسلامه أمام قوى الاستبداد الشرق أوسطي ليس خياراً شخصياً وموروثاً ثقافياً، ودينياً، ومجتمعياً؟ إن المدافعين عن النقاب هم نفس أولئك المدافعين عن الاستبداد بشقيه السياسي والديني، فكلاهما صنو الآخر. ولا نقاب لولا الاستبداد الديني والاستبداد المجتمعي، وحين ينتفي الاستبداد الديني فلن يكون هناك مكان للاستبداد السياسي، فهل أدرك الجهابذة من البلاشفة صعوبة التغيير، وأن التغيير ليس بالكلمة السهلة، فهناك قوى تناهض وتقاوم أي نوع من التغيير لأن مصلحة لها في بقاء الاستبداد، أما أن يقاوم التغيير البلاشفة وأهل اليسار والمراكسة السوريين، تحديداً، فهذا هو العجب العجاب؟

 

ثمة أسئلة بسيطة وساذجة نطرحها مع تداعيات الحرب على النقاب الجارية الآن على قدم وساق، والتي ننظر إليها، على أنها محاولات جرئية وصادقة وهامة من أجل حرية المرأة التي يستعبدها النقاب، والتمظهرات الدينية الأخرى التي يعتبرها بعض الجهابذة نوعاً من الحرية والاختيار الشخصي وهي بالقطع ليست كذلك لأنها مفروضة بفعل قوة زخم مجتمعي فكري وثقافي وسلوكي لا ترحم، والدليل الحث والحض عليها إعلامياً ووعظياً وفرضها بالإكراه على النساء، وهذه كلها ليست إلا الاستبداد بعينه، وإذا لم تكن استبداداً فما عساها أن تكون يا أولي الألباب؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز