المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
صراع الامم ... ج4

كان العهد الأول في مصر القديمة أزهى وأنقى عهود الإنسانية ، وهو الذي يمثل في الفكر البشرى ، حقيقة العهد الذهبي ، أو مملكة الله أو ملكوت السماوات ، وهذا العهد يمتد على مدى الفترة من 10500ق.م  ، حتى عصر التدوين 3400 أو 3200ق.م ، والى 2270ق.م (انتهاء الأسرة السادسة) . ذلك بأن المصرى القديم كان يربى وينشّأ على أن يطوى فى قلبه وضميره القانون الإلهى الذى تمثله "ماعت" سيدة الحق والعدل والإستقامة والنظام بهذا كان المصرى آن ذاك وحيث ذاك على وفاق مع نفسه ومع المجتمع ومع الإنسانية ومع الله ، ومن ثم ساغ له أن يرنّم قائلا فى كل حين : إن روحى هى الإله .. هى الأبدية .
  
أسلوب قدماء المصريين في الاستقامة الخلقية ، طّمع فيهم القبائل البدوية التي كانت على حدودهم الشرقية وحدودهم الغربية ، فبدأوا الهجرة إليها زرافات ووحدانا ، ليجدوا الخير والرخاء والنعمة والسماحة . ولم يحاول المصريون منعهم أو صدّهم  لأن الشعور الإنساني الراقي  لديهم ، لم يكن يسمح لهم بذلك . ومع الوقت تكاثر البدو فأثّروا بمسالكهم البُدائية وتصرفاتهم الهمجية على السلوك المصري عامة ، وعلى نظام الدولة خاصة ، فسقطت الدولة القديمة وتحللت الى إقطاعات . ودعا ما حدث لمصر قبائل البدو الى غزوها عسكريا من الشرق ، وساعدهم في ذلك اختراع العربة الحربية التي يجرها حصان ، واختراع البرونز الذي استعملوه في صنع السيوف بدلا من النحاس . وكان المصريون ، لفرط تسامحهم الخلقي وتساميهم الديني ، قد حجبوا أنفسهم عن تطور وتقدم تقنية السلاح في آسيا الصغرى ، التي نقلها البدو واستعملوها، فحكموا مصر فيما يسمى بعصر الهكسوس (1710-1560ق.م) .

نجحت أسرة من منطقة طيبة (الأقصر) في دحر الهكسوس وطردهم من مصر ، وبها قامت الدولة الحديثة (1560-1100ق.م) وخلال هذه الفترة نهضت العسكرية المصرية ، التي أقامت إمبراطورية ،امتدت شمالا الى بلاد الحيثيين في آسيا الصغرى ، وجنوبا الى ما بعد منطقة النوبة . والواضح من امتداد هذه الإمبراطورية أنها كانت تشمل ، فضلا عن أرض مصر ، أو الأرضين كما كانوا يطلقون عليها ، هذه المناطق التي جاء منها العدوان على مصر .

فالعسكرية المصرية التي ظهرت في الدولة الحديثة كانت تستهدف الدفاع عن النفس والأرض ، ولم تزد في أهدافها على ذلك ، لتمتد الى احتلال دولة أخرى واستعباد شعوب بعيدة ؛ ومع هذا فإنها خلال تلك الفترة أعادت تقديم مفهوم التوحيد الإلهى ، من خلال تعاليم اخناتون (1369-1353ق.م) ، التي كانت تسبق ظهور اليهودية بمائة عام على الأقل ، فضلا عن تهجير العبرانيين الذين سُموا بعد ذلك بالإسرائيليين ، إلى أرض كنعان ، وهى فلسطين حالا ، والتأثير الكبير عليهم بمفهوم الوحدانية ، وبناء هيكل سليمان لهم على نمط المعبد المصرى ، مما فصلناه في كتابنا (الأصول المصرية لليهودية) والذي نشر على حلقات في مجلة مصرية ، خلال الفترة من سبتمبر 2000 حتى مارس 2001 . وكان قصد المصريين من تهجير العبرانيين إلى أرض كنعان هو إستخدامهم فى إبادة القبائل التى كانت تكّون ما يسمى بالهكسوس ، أو على الأقل أن يوجدوا بالعبرانيين منطقة عازلة ، هى التى تسمى فى الوقت الحالى منطقة منزوعة السلاح (Buffer Zone) .
بعد العهد الذهبي في حضارة مصر القديمة بدأ صراع الأمم على النحو التالى :
(أ) فارس (Persia) اسم كان ومازال يطلق على إيران الحديثة ، وأصل الاسم لإقليم يوجَد جنوب غرب إيران ، يشمل برسيس أو فرسيس القديمة التي كانت نواة الإمبراطورية الفارسية القديمة . ولا يُعرف كيف قدمت القبائل الناطقة باللغات الإيرانية لسكنى تلك المنطقة ، والمرجح أن الفرس القدامى كانوا قبيلة أو قبائل رحالة تسربوا في زمن مجهول عبر جبال القوقاز الى الهضبة الإيرانية .
وفى القرن السابع قبل الميلاد استقروا في إقليم فارس الحالي ، والذي كان يتبع الإمبراطورية الأشورية (مكان العراق حالا) . وقد ربطت الحكام الفرس ، منذ العصور الأولى ، وشائج بالميديين الذي كانوا قد أقاموا دولة قوية فى القرن السابع ق.م هي ميديا في آسيا الصغرى حيث توجد تركيا حالا . وفى منتصف القرن السادس ق.م ظهر قورش الأكبر ونصّب نفسه حاكما لميديا ، وقام بسلسلة من الفتوحات السريعة للأراضى الفارسية ، وأقام إمبراطورية فارس . ولأنه في الأصل من ميديا ، على مقربة من اليونان ، فقد طمع في أراضيها ، وشجعه على ذلك ما كان من تناحر بين بلاد اليونان التي كانت كل منها تشكل دولة المدينة (State City) ، وأن الجيوش البرية لدى هذه البلاد ، فيما عد إسبرطة ، كانت ضعيفة ،في حين كانت ذات قوة بحرية .
عمد قورش الى حرب اليونان ، وتلاه داريوس ، ثم أعشويروش ، فيما يُعد بداية أول صراع في تاريخ البشرية بين الشرق والغرب . وبهزيمة الأسطول الفارسى فى موقعة سلاميس عام 48ق.م ، وهى جزيرة بين شاطىء أتيكا الغربي وشاطىء ميجارا الشرقى ، وقَف الغزو الفارسي لبلاد اليونان . 
لم تكن بلاد اليونان موحدة ، كما سلف البيان ، بل كانت متقطعة فى دول المدينة ، فقامت بينها ما تسمى بالحرب البلوبونيزية (431-404ق.م) ، وهى نزاع مسلح دار بالأساس بين أثينا وأسبرطة . وفى الصراع بين البلدين أو الدولتين ، كانت أثينا تركن الى الدعوة الديمقراطية ، فى حين كانت إسبرطة تناصر الأوليجركية (حكم الأقلية المتميزة) وتعمد الى ما تقول إنه حق (تقرير المصير) و (توازن القوى) ، وهى تعبيرات لم تزل تستعمل حتى العصر الحالي .
وعلى نحو ما سلف من قبل ، فقد ظهر في مقدونيا فيليب الثاني (359-336ق.م) والد الأسكندر الأكبر ، وقصد الى توحيد بلاد اليونان جميعا تحت إمرته فغزاها بلدا بعد الآخر ، واستولى على إسبرطة وأثينا وطيبة ، وتم له توحيد بلاد اليونان ، وكان يعمل على غزو فارس للانتقام من الحروب الطويلة التي شنتها على بلاد اليونان ، وإذ وافته المنية ، واعتلى عرشه ابنه الأسكندر الأكبر (356-323ق.م) بدأ منذ عام 334ق.م تنفيذ مشروع محاربة الفرس الذي كان قد ورثه عن أبيه فغزا مصر عام 332ق.م ، وفى عام 331ق.م هزم الفرس عند جاوجميلا ، ثم توغل في بلادها حتى وصل إلى الهند .
كانت حروب الإسكندر الأكبر في مصر وسوريا وفارس والهند ، أول صراع مهم بين الأمم فى الشرق والغرب ، يظهر في تاريخ البشرية ، لكنه لن يكون الأخير . وقد قصد الإسكندر من حروبه نشر الحضارة الإغريقية (المسماة بالهيلّينية ، نسبة الى هِلن التي تقول الأسطورة انه أصل الإغريق) ، وإحداث تغييرات جوهرية في البنية البشرية والثقافية تضم الغرب والشرق في وحدة واحدة ، بالزواج المختلط . فرأت شعوب الشرق أنه بما يفعل يغزو ثقافتها ويوهن كيانها، فقاومت الغزو الثقافي بما لم تقاوم به الغزو العسكرى ، وظلت حروب الإسكندر الأكبر ، التى كانت ردا على عدوان الفرس ، وصدا لرغبتهم فى احتلال اليونان ، أول صراع فى التاريخ بين أمم الشرق وأمم الغرب على ما أنف ، خاصة أنه اتجه فيها صوب الشرق ولم يتجه على الإطلاق نحو الغرب ، حيث كانت روما .
روما مدينة فى وسط إيطاليا قرب الساحل الغربى على ضفتى نهر التيبر ، وكانت أصلا مركزا تجاريا تلتقى فيه شعوب اللاتين والسابين والاترويين . وحوالى عام 500ق.م تأسست الجمهورية الرومانية التى عملت على بسط سلطانها على الدول اللاتينية المجاورة وعلى الشعوب المحيطة بها . وفى القرن الثالث ق.م غزت روما قوة برية لها من القدرة ما مكّنها من تحدى قرطاجة (أو قرطاجنة) بتونس حالا  ، فيما سمى بالحروب البونية . وكانت هذه الحرب حلقة فى صراع الأمم بين الشرق والغرب .
وبانتصار روما على قرطاجنة صارت سيدة البحر المتوسط واتجهت نحو الشرق ، فى الطريق الذى كان الإسكندر قد مهده لها ، فدانت لها سوريا ومصر وبلاد الإغريق وآسيا الصغرى وشمال أفريقيا .
نقل قسطنطين عاصمته الى بيزنطة وسماها القسطنطينية (وهى الأستانة حالا) فأدى ذلك الى قسمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى قسمين : الإمبراطورية الرومانية الغربية والإمبراطورية الرومانية الشرقية . وفى عام 313 منح قسطنطين للمسيحيين حرية العبادة فبدأت المسيحية فى النمو عام 476 ، وبعزل رومولوس أغسطس آخر أباطرة الغرب ، انتهت الإمبراطورية الرومانية الغربية وتحللت فى إقطاعات وإمارات وممالك . وفى عام 846 استطاع بعض المسلمين الوصول الى روما من خلال إفريقية (تونس حالا) ودمروها ، إلا أنها استعادت مجدها وأصبحت حاضرة الفاتيكان  ، مقر بابا الكاثوليكية . 
كانت الإمبراطورية الرومانية تقوم على السيف والقانون ، فبالكتائب الرومانية كانت تنشر ما يسمى بالسلام (Pax Romana) ، وبالقانون الرومانى كانت تقيم العدالة بين المواطنين والرعايا والمحكومين . ومع أن الشعوب المحكومة من روما استفادت من حكم القانون الرومانى إلا أنها عانت كثيرا من سطوة العسكر وعسف السلطة .


( ب) بشر السيد المسيح برسالته فى منطقة الجليل والقدس بأرض فلسطين ، متوجها الى اليهود ، أو كما قال "خراف بنى إسرائيل الضالة" ، وبعد واقعة الصلب ظهر لبعض تلاميذه،ودعاهم الى التبشير (التكريز) بدعوته فى كل أنحاء المعمورة ، وفهم التلاميذ من ذلك أن يُبشروا بالدعوة بين جماعات اليهود التى كانت مقيمة فى مصر وفى سوريا وفى آسيا الصغرى وفى اليونان ، وفى مناطق أخرى . فتوجه بولس (الرسول) للتبشير بين مجموعات اليهود فى آسيا الصغرى واليونان ، إلا أنهم رفضوه ورفضوا دعوته تماما ، مما اضطره الى التوجه الى الأمم ، أى غير اليهود ، المسمون Gentiles أى الأمميون وهم فى القرآن "الأمّيون" وبهذا أصبح بولس يسمى رسول الأمم . كذلك فإن بطرس كبير التلاميذ اضطر هو الآخر الى التبشير بين الأمم ، إزاء الرفض الشديد الذى عاناه من اليهود ، ونتيجة لرؤيا منامية فهم منها أن رسالة السيد المسيح قد انفسحت للأمم جميعا .
من خلال دعوة بولس تبلورت المسيحية فى مبدأين مهمين ، كان لهما أثر كبير فى غزو الغرب ثقافيا ، دون استعلاء أو استكبار ، وبغير حرب أو ضرب .
• المساواة بين جميع البشر ، وهو المبدأ الذى تطور من خلال الإدراك الشعبى ، وبفضل المفكرين والفلاسفة ، حتى كان أهم الأسباب فى نشوب الثورة الفرنسية عام 1789 بما ترتب عليها من تداعيات ذات خطر فى التاريخ البشرى .
• الخلاص (أو النجاة) يكون بالإيمان بالسيد المسيح ، وهو المبدأ الذى قوض مفاهيم العمل وأساليب الإنتاج وحركة المال ، مادام أنها غير ذات فائدة فى خلاص المرء ، بل كانت عائقا أمام هذا الخلاص . وبظهور البروتستانتينية تغيرت النظرة الى العمل والتجارة ، فكان من شأن ذلك تقدم الشئون المالية والاقتصاد تقدما كبيرا فى الغرب المسيحى .
فى المرحلة الأولى لم تلجأ المسيحية قط الى الغزو العسكرى المادى ، لكنها اتّبعت الغزو الثقافى الذى وجد سبلا ممهدة فى نفوس العوام من الناس ، ومع أن هذا الغزو كان مضادا للطبقات الحاكمة ، ومصالح الأمراء والملاك ، فإنه مع الوقت نفذ الى هؤلاء وقوّض مفاهيمهم وضرب  صوالحهم ، حتى اضطر الإمبراطور الرومانى قسطنطين عام 325ق.م أن يعتبر المسيحية دينا للإمبراطورية ، فكانت ثانى غزو ثقافى يخترق الغرب من الشرق ، بصورة حادة واضحة ، وذلك على اعتبار أن الغزو الثقافى المصرى حدث بهدوء ، وعلى طوال قرون طويلة ، حتى صار بعض ثقافة اليونان والرومان ، وكل الغرب ، على المدى الواسع الطويل .

 
(ج) بدأ الإسلام فى شبه الجزيرة العربية ، المسماة بالدول الخليجية حالا، ثم شرع فى الإنتشار من خلال الغزوات الى مصر والشام وفارس وإفريقية أى شمال أفريقيا . وكانت البلاد المحيطة بالبحر المتوسط تدخل فى سيطرة الإمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة ، ومركزها القسطنطينية . ومع أن غزو البلاد كان يعتبر فى مناطق هذه الإمبراطورية غزوا لها ، فإنها لم تحرك ساكنا ولم تحاول قط وقف هذا الغزو أو محاربته بعد أن نجح فى أهدافه .
ثم حدثت المواجهة والصراع بين الأمم ، أو بين المسلمين والفرنجة فى عدة حالات :
• فقد نفذ بعض المسلمين البربر بقيادة طارق ابن زياد الى الأندلس جنوب أسبانيا عام 711 ، وأعقبهم العرب بقيادة موسى بن نصير ، ومن ثم استقر المسلمون فى الأندلس ، كخلافة أموية ثم فى طوائف يحكم كلا منها ملك (هو فى الحقيقة عمدة Mayer أو على الأكثر محافظ Governor) ، فيما سُمى ملوك الطوائف .
• ثم حاول بعض المسلمين غزو فرنسا من الغرب القريب من إسبانيا ، ولما انهزموا فى موقعة بواتيبه عام 732 ، لم يكرروا المحاولة بعد ذلك .
• وخرجت مجموعة من المسلمين ، من إفريقية أى تونس حالا واتجهت لإحتلال روما عام 846 وهى مركز المسيحية الكاثوليكية ، فاستولت عليها ، غير أنها لما لم تستطع السيطرة عليها والبقاء فيها دمرتها وعادت أدراجها ، ولم تكرر محاولة الغزو بعد ذلك .
مع هذا الغزو العسكرى من جانب المسلمين للإمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة والمناطق التى كانت تكون الإمبراطورية الرومانية الغربية المقدسة ، بل محاولة غزو روما حاضرة الفاتيكان ثم تدميرها ؛ مع هذا الغزو الإستيطانى لمصر وسوريا وأفريقية والأندلس والغزو العسكرى لغيرها ، فإن من يسميهم العرب بالفرنجة ، وهم المسيحيون فى أسبانيا والبرتغال وفرنسا وايطاليا وشرق أوروبا اكتفوا بصد الغزو العسكرى ولما انتصروا فى موقعة بواتيبه ، وفى روما ، قعدوا عن الحركة ولم يتعقبوا جيوش المسلمين الى بلادهم ، بل إنهم تركوهم مستوطنين فى أسبانيا مدة ثمانية قرون . ورغم التفوق العسكرى الأسبانى منذ القرن الحادى عشر الميلادى فإنهم لم يُخرجوا المسلمين من أسبانيا إلا بعد فترات تراخت حتى تم لهم ذلك نهائيا بعد موقعة غرناطة عام 1492 .
كان قعود المسيحيين الفرنجة عن حرب المسلمين يرجع الى ضعفهم من جانب، والى أن المبدأ المسيحي فى التسامح كان يُضعف القوى المادية والعسكرية بوجه عام . وظل الحال كذلك حتى ظهر الفايكنج Viking فى المناطق الإسكندنافية ، فغزوا إنجلترا وأسبانيا وفرنسا وألمانيا ، خلال الفترة من القرنيين الثامن الى العاشر ، فسُمى عصرهم بعصر الفايكنج . وكان هؤلاء الإسكندنافيون الجرمان فى ذلك الوقت أفضل بحارة العالم ، وأعظم بناة السفن حذقا . وإذ كانوا وثنيين فقد اعتنقوا المسيحية وهو الأمر الذى تأدى الى ظهور فرقة فرسان المسيحية (Christian Knights) التى قامت بالجهد الأكبر فى الحروب الصليبية ، والتى تحول اسمها الى فرسان المعبد (Templars) ، ثم تحولت إلى المال وإلى أن تكون مقارها ، وخاصة فى إنجلترا وفرنسا ، هى بيوتات المال التى قبضت على الحركة المالية والاقتصادية العالمية ، بما إستمر أثره حتى العصر الحالى .

(د) غيرّ طابع الفايكنج القتالى ، وحذقهم البحرى ، من طبائع وعادات الإنجليز والفرنسيين والألمان المسيحيين ،من التسامح الى العنف ، ومن تفادى الحروب الى الغزو والقتال ، فهيأ ذلك للمواجهة الجديدة بين الشرق والغرب ، الذى يُشكّل حلقة مهمة من حلقات صراع الأمم .
وعلى ما سلف فان المغول البربر غزو بقبيلة منهم آسيا الصغرى ، تركيا حالا ، سُميت بالسلاجقة نسبة إلى قائدهم سلجوق ، حتى لا يتَسمّوا بإسمهم الحقيقى كمغول وتتار . وفى عام 1071 حارب السلاجقة الإمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة وأسروا الإمبراطور رومانوس ديوجنيس . فوجه البيزنطيون ، المقيمون فى بيزنطة عاصمة الإمبراطورية ، نداءات عديدة الى الغرب ، كان آخرها ذلك النداء الذى وجهه الإمبراطور الكسوس يطلب فيه من البلاد الغربية ، ألمانيا وفرنسا وانجلترا خاصة ، تقديم المساعدة للوقوف فى وجه التوسع الإسلامى والذى كان فى حقيقته توسعا تتاريا سلجوقيا عانى منه المسلمون عامة ، وسلطة إسلامية هى الخلافة الفاطمية خاصة .
وواكب ورافق هذه النداءات ما أُشبع وأذيع عن اتجاه الحاكم بأمر الله ، الخليفة الفاطمى فى مصر (996-1020) والذى كانت تتبعه بلاد الشام ،بما فيها فلسطين ، كما كان هو الحامى للحرمين الشريفين فى مكة والمدينة ، من أنه أمر بالبحث عن قبر المسيح ، فى المكان الذى أقيمت عليه كنيسة القيامة ، والذى يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح دفن فيه وقام من الموت منه ، بينما يعتقد المسلمون أن المسيح رفع بجسده وروحه ، وانه لم يذق الموت ، وبالتالى لم يدفن ولا يمكن أن يُوجد قبر له .
إزاء تصرف الحاكم بأمر الله (التى كان يشكو منها المسلمون فى مصر والشام) ، وعلى نحو ما أنف فإن البابا أريان الثانى ألقى موعظة فى مجمع كلرمونت عام 1095 حث فيه العالم المسيحى على حرب المسلمين لتخليص القبر المقدس منهم ، وجعل الحرب لهذا الغرض هدفا دينيا ، لمن يخوضها الغفران والخلاص .
تضافرت العوامل من ثم لبداية صراع بين الأمم ، المسيحية والإسلامية ، تفجرت فيها المشاعر المكبوتة من هزائم الغرب ، وسكوته عن الغزو الاسلامى العسكرى والإستيطانى ، ودفعت المسيحيين الى التوجه الى الشرق لمواجهه  المسلمين ، دفاعا عن القبر المقدس بعد أن كانوا قد قعدوا عن ملاحقتهم حتى فى بلادهم هم إثر موقعة بواتييه وتدمير روما ، وأسر إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة .
وإستمرت الحروب الصليبية بين كرّ وفرّ وانتصارات وهزائم ، طوال ثلاثة قرون من 1095 حتى 1272 فى تسع حملات ، وعندما انتهت كانت مصائر الأمم قد تغيرت ، كما كانت مقاديرها  قد تبدلت ، فإذا بالغرب الى القوة والتقدم والشرق الى الضعف والتخلف .
وزاد الشرق خمولا على خمول وتخلفا على تخلف ، تعرضه لهجمة مغولية تتارية أخرى ، أشد وطأة وأنكى أثرا ، فلقد تقدمت منهم أسرة لقبت نفسها بالعثمانية نسبة الى قائدهم عثمان بن أرطغول (1281) ، كما كانت الأسرة السلجوقية قد نسبت نفسها الى قائدها سلجوق ، لإخفاء أصلها المغولى التتارى ، حتى يقبلهم المسلمون ، بعد أن كانوا قد عارضوهم وحاربوهم ، قرنين قبل ذلك


(هـ) استولى العثمانيون على منطقة أسيا الصغرى ، ولأن لغتهم هى التركية فقد قيل إنهم أتراك ، بنسبتهم الى اللغة ، ولأنهم مغول تتار فقد كانوا محاربين قساة ، يبيدون الزرع والضرع ، ولم تكن لهم ثقافة يقدمونها أو يغزون بها ، وإنما كان غزوهم عسكريا فتاكا ، عانت منه الشعوب الإسلامية فى منطقة الشرق الأوسط قبل أن يعانى منه غيرها .
حاربت السلطنة العثمانية الإمبراطورية البيزنطية ، ومملكتى بلغاريا وصربيا ، واستولت عام 1453، وفى عهد محمد الثانى ، على القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، وحولتها الى عاصمة لها باسم إسلام بول أو استانبول أو الأستانه ، فورثت أملاك هذه الإمبراطورية . ثم غزت ، فى عهد سليمان الثانى ، معظم بلاد اليونان ، وجزائرها ، والمجر ، وكثيرا من أنحاء فارس ، وبلاد العرب ، وصارت ولايات ترنسلفانيا والافلاق والبغدان إيالات (أى ملكيات ألت إليها) خاضعة لها.
واستولت كذلك على كثير من أملاك الخلافة العباسية وعلى بعض ممالك الدولة الغزنوية لآل سبكستين والدولة السلجوقية فى الروم وفى كرمان والشام ، ودولة المماليك فى مصر والشام ، ودولة الأتابكة فى الموصل ، وكثير من دول أوروبا وجزائر العرب وجزء كبير من قارة أفريقيا وجزائر بحر الروم وغيرها .
ونقلت الخلافة الإسلامية ، العباسية الثانية التى كانت فى القاهرة ، إلى بيتها فصارت الأستانة مركز الخلافة ، مع أنها كانت قد استولت على الأستانة (بيزنطة أو القسطنطينية) قرنا من الزمان سابقا على نقل الخلافة .
والى جوار ذلك كله،فقد اتجهت لاحتلال فيينا التى صارت مقر إمبراطور الدولة الرومانية الغربية المقدسة ، بعد سقوط بيزنطة أو القسطنطينية فى يد العثمانيين . وحاصر هؤلاء مدينة فيينا مرتين فى عام 1529 وعام 1683 ، وعندما استطاع أهل فيينا – بمعونة آخرين - فك الحصار الثانى ، وصد جحافل الترك العثمانيين ، كانت الجولة الأخيرة من صراع الأمم قد بدأت بصورتها التى تمتد حتى اليوم .
إشارات من الكاتب :
1.. نقل العرب إلى الأندلس (جنوب أسبانيا) أساليب الرى الفارسية ، وغالبا ما كان ذلك على أيدى أشخاص فارسين .
أما الحضارة الإسلامية التى تكونت خلال القرنين الثالث والرابع الهجرى فى بغداد فقد قامت على جهود العرب والفرس والشوام والمصرين واليهود والهنود وغيرهم ، مما ذكره الكاتب فى مقالاته عن التراث التى نشرت على هذا الموقع .
2.. عندما تحدثت الدراسة عن الفاطميين سمّتهم سلطة ، والقول بأنها الخلافة الفاطمية هو تقرير لأمر واقع (DE FACTO) . وهى قبائل غزت مصر من الغرب (إفريقيا التى هى تونس الآن) وهى تتكون من قبائل شيعية إسماعيلية متطرفة ، لكن المقال لا يتسع لبيان ذلك ، وعلى من يريد تفصيلا أكثر أن يقرأ كتابنا عن الخلافة الاسلامية المنشور عام 1990 .
3.. عندما تشير الدراسة إلى قصور حدث من البعض ، فإنها بذلك ترفض الواقع ولا تقصد البكاء على الأطلال أو الرغبة فى أن يكون ما حدث خلافا لما ترجو

ظريف الطول   شكرا   July 21, 2010 4:42 AM
شكرا جزيلا للاستاذ الكاتب على سرده المختصر لتاريخ الانسانية العظيم احيانا والمبكي احيانا كثيرة. يا حبذا لو سرد لنا كاتبنا العزيز بعض الاحداث في تاريخ بني اسرائيل بدون الاعتماد على كتبهم التي قد تكون مجافية للحقيقة.

أبو القاسم   التاريخ يتكرر   July 22, 2010 8:01 AM
اقتباس:
"أسلوب ... المصريين في الاستقامة الخلقية ، طّمع فيهم القبائل البدوية التي كانت على حدودهم الشرقية وحدودهم الغربية ، فبدأوا الهجرة إليها زرافات ووحدانا ، ليجدوا الخير والرخاء والنعمة والسماحة . ولم يحاول المصريون منعهم أو صدّهم لأن الشعور الإنساني الراقي لديهم ، لم يكن يسمح لهم بذلك . ومع الوقت تكاثر البدو فأثّروا بمسالكهم البُدائية وتصرفاتهم الهمجية على السلوك المصري عامة ، وعلى نظام الدولة خاصة ، فسقطت الدولة ... وتحللت الى إقطاعات . ودعا ما حدث لمصر قبائل البدو الى غزوها عسكريا من الشرق."
مااشبه اليوم بالبارحة، وما اشبه البارحة بأول امبارحة. أليس هذا ما كرره البدو منذ 1400 عام؟ ثقافة البدو الارهابية لا يقبلها اليوم غير اتباعها، ولكنها مرزولة بين الثقافات المتحضرة فى ظل الانفتاح العالمى.

ناصر احمد   الى ابو القاسم # 4   July 24, 2010 8:02 AM
البدو هم اللي غزو مصر, ولا الفلاحين اللي غزو المشرق, من ايام امنحوتب ورمسيس الى محمد علي والشريف عدوالناصر, وصولا الى عزو قطعان الصعيد الى دول الخليج؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!
ســــــــــــؤال محـــــــــــرج !!

ابوسفيان ابن حرب الاموى   نرجو المزيد   July 26, 2010 5:37 PM
عقلية جبارة فاهمة وهى درس لكل الحضارات ان تاخذ حذرها من الهمج المتربصين فكيف تداس الحضارة المصرية الراقية تحت سنابك البدو
الرعاة الهمج وغيرهم لنظل اسرى الخرافات والجهل
متعك اللة بالصحة لخدمة بنى الانسان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز