نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا يوجد حزب علماني في سوريا؟

انقضت الحقبة القومية بقضها وقضيضها، وسوادها وظلام ليلها، ومع تغير في الوقائع الجيوبوليتيكة ومع هذا الخروج العربي الجماعي، غير المأسوف عليه، من حلبات المنافسة الدولية، وفي كافة المجالات، وبروز قوى إقليمية أكثر دعماً وفاعلية في "القضايا العربية المصيرية" حسب الخطاب القومي نفسه، كإيران وتركيا تربعت على عرش إدارة الملفات والمقاومات العربية بعد أن انزوى عرب أمريكا وإسرائيل، وهم الأكثرية والأغلبية وكل الحمد والشكر لله، إلى أدوار لا يقبلها كومبارس مبتدئ في هوليود، ناهيك عن ظهور قوى دولية أخرى فاعلة، وبالتوازي مع تلك الإقليمية، كفنزويلا شافيز والبرزايل لولا دي سيلفا. والغاية من هذه المقدمة "النكداء" هو تبيان انزواء العامل القومي من مجريات السياسة المحلية، كما الإقليمية والعالمية، غير أن معظم أحزابنا المتواجدة على الساحة، والممثلة في الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا هي أحراب قومية، بالمطلق، أو شبه قومية، وبالمناسبة لا يختلف المراكسة والشيوعيون العرب، عن أي فصيل قومي أو سلفي، فهم مجرد نخب استوردت الفكر الماركسي والتجربة الشيوعية "الصناعية والزراعية" لتطبقها على مجتمعات رعوية وأبوية وقبلية ريعية وشبه مشاعية مسكونة ومهجوسة بالغيب والمقدس وهذا واحد من سابع المستحيلات إن لم يكن من ثامنها، ونقطة التلاقي بين القوميين والشيوعيين، هي الشمولية التي تطغى على تفكير الطرفين، والتي تفضي إلى نتيجة واحدة وهي الاستبداد، البعيد كلياً عن الفكر الحداثي العلماني الديمقراطي الليبرالي الذي لدينا ملاحظات كثيرة، عليه هو الآخر، بنسخته البدوية المتداولة هذه الأيام، ولاسيما في صفوف قبائل الملابرة والعلامنة العرب. وبالمناسبة فإن حزب التحرير، ما غيره، يحلم أيضاً ببعث الأمة البائدة وأمجادها وقيمها، عبر نظام الخلافة، وهو يتفق هكذا بالعناوين العريضة مع الكثير من الأحزاب القومية وليست ثمة فرق أو افتراق على التفاصيل، أي أن الاختلاف في الدرجة وليس في النوع. فعصر القوميات وبناء الأوطان على أساس التمايزات العرقية،  لم يعد يتواءم مع منطق العصر ولم يعد ينفع كثير من دول العالم ومنها سوريا التي عقد فيها مؤخراً مؤتمر لبحث مأزق العروبة.

 

لاشك أن هذه الأحزاب تمثل قوى وتيارات سياسية وإيديولوجية وعقائدية على الساحة، ولكن لأحد أن يجزم بأنها هي الوحيدة على الساحة؟ بمعنى ألا يوجد قوى أخرى، ربما علمانية باتت مطلباً على الساحة ينبغي أن تمثل ضمن أطر حزبية وقانونية وشرعية وتمثل حكومياً، بدل ترك الساح هكذا "لآخرين" والحبل على غاربه لتيارات بعينها لا تمثل أولاً المشهد والطيف السوري التعددي، ولا تلاءم أيضاً المنحى والاتجاه العولمي الذي تنحوه كافة مجتمعات الأرض ولدرجة أن صار البعض يخافها أو يخوف منها ويعتبرها شراً مستطيراً؟  أم أنه يجب أن تبقى هذه القوى مبعدة ومهمشة ومن غير تمثيل رسمي وقانوني شأنها شأن بقية القوى، وباعتقادنا المتواضع هي الأكثر ملائمة للراهن السوري وتحقيقاً لتوازنات مطلوبة كانت سمة تاريخية للسياسات السورية المعاصرة حافظت من خلالها على استقرار مجتمعي وسياسي مقبول إلى حد ما؟

 

صحيح أن إدارة سورية،  اجتماعياً على الأقل، ما زالت حتى اليوم، وكل الحمد والشكر لله، علمانية إلى حد كبير، ولا يوجد أي فرض ظاهر لأي توجه ديني، ومن أي طيف كان، غير أن الأصح، ومن قبيل الاعتراف بالحق، فحزب البعث العربي الاشتراكي الذي يحكم سوريا منذ 8آذار/مارس 1963 ليس حزباً علمانياً بالتقييم الإيديولوجي طالما أنه يضع العرب والعروبة نصب أعينه في تحقيق أهدافه و"رسالته الخالدة" التي هي نفس "الرسالة الخالدة" للكثير من التنظيمات السياسية الدينية ألا وهي إعادة إقامة الإمبراطورية العسكرية الاستعمارية الاستحلالية الغازية و"أمجادها" حسب الخطاب إياه، والتي أسسها، ذات يوم، بدو الجزيرة العربية تحت مسمى آخر هو الفتوحات الإسلامية. فتح الحدود

 

المهم و"بلا طول سيرة"، سوريا بلد الحضارة والتعدد الإثني والعرقي، وتشكل واحدة من أكثر بلدان المنطقة تميزاً بهذا الصدد، إذ يندر وجود كل هذا الكم من الأطياف السورية، تجتمع كلها تحت الهوية والراية السورية، والتي من الممكن للعامل والتوجه والفكر العلماني الحداثي أن يوحدها جميعاً تحت رايته. وقد تبدو الأحزاب القومية والسلفية غريبة وشديدة الحساسية بالنسبة للكثير من الأطياف السورية التي يتواجد بين ظهرانيها، وبدون أدني شك، أناس منفتحون متنورون ليبراليون علمانيون يوحدهم هذا التوجه أكثر من غيره، وفوق ذلك كله تظلله الهوية السورية، التي من المفترض أن تلغي أية هوية أخرى لكل من يعي أهميتها وقدسيتها.

 

لقد صار من الواجب، بل ربما من الضروري، التوجه نحو تعميق الاتجاهات الليبرالية والعلمانية في سوريا، وإيجاد القنوات، والمنابر لها كي تنطلق بقوة وزخم ولاسيما في ضوء التمدد الخطير والواسع للاصولية الشرق أوسطية وما يسهل من مهمتها هو عدم وجود أي نوع من المقاومة أو التصدي عبر الأدوات العلمانية التنظيمية المدنية والسلمية لها، وعلى مبدأ نظرية ملء الفراغ المعروفة، والتي هي بالأساس قانون فيزيائي يحكم الطبيعة والحياة. وما التطورات الأخيرة التي حصلت في سوريا، منع المنقبات من العمل في سلك التدريس، الإعلان عن إقامة منشآت وطنية محصورة فقط على النساء كالشواطئ والأسواق المغلقة "المولات Malls"  وحظر تقديم المشروبات الروحية في بعض المناطق السياحية في دمشق القديمة وبقرار ناري من وزير السياحة، الذي بات يمهد، على ما يبدو، للسياحة الدينية، هذا والله أعلم ما في السرائر والأرحام.  

 

قد تبدو الأحزاب القومية والسلفية نافعة وناجعة للدول ذات اللون والطابع الإيديولوجي والمعتقدي والإثني الواحد، ولا اعتراض لنا على ذلك البلد، لكن هذا قد لا ينفع ولا يجدي، وقد يكومن مصدر خطر مستقبلي ما في البلدان ذات التعدديات والأطياف الكثيرة التي تتطلب نمطاً أكثر ليبرالية وانفتاحاً مما يتحواه الفكر القومي والسلفي، أو الديني بشكل عام. 

 

وتفتقر سوريا، وبكل أسف، وعلى نحو خاص لهذا النوع من الأحزاب والنشاطات والهيئات والفعاليات، ومعظم ما هو موجود على الساحة، وكما أسلفنا، حتى من يلعلع بالخطابات الحمراء، يخرج من تحت عباءات وتيارات وإيديولوجيات سلفية وأصولية، ويخدم بالنهاية أجنداتها وأهدافها، والدليل هذه "الجائحة" الظلامية التي باتت تعلن عن نفسها وبلا خجل أو أدنى شعور بالمسؤولية. وقد راعني بالأمس القريب، ذاك الخطاب الجهوري، وتركيز أحد ضيفي الاتجاه المعاكس على حقيقة كونه "من الإسلاميين" وقد ركز على ذلك مراراً وبدا حاداً وقاطعاً وهو يعلن عن ذلك في حلقة مبثوثة من دمشق وكان يقول في كل مرة "نحن الإسلاميون لا نقبل ونحن كذا وكذا..إلخ"،  وكأنه لا وجود لغيره على الساحة فيما بدا الضيف الآخر المسكين بلا حول ولا قوة في وجه سيل تهديداته التي دعت المحاور الآخر للصمت والانزواء. وطبعاً هذا واقع غير علماني وترويج إيديولوجي لطيف دون غيره، وتغييب لغيره بالإرهاب الخطابي.

 

  ومن هنا، إن وجود حزب أو هيئة أو منظمة تعمل على نشر وتأسيس للفكر العلماني والتوجه الإنساني والعولمي المتسامح والمتصالح الذي يسود الكوكب الأرضي اليوم، قد يعيد لوحده التوازن شبه المفقود حاياً في تركيبة القوى التي تميل كلها وتخدم الفكر القومي والسلفي، أكثر مما تخدم الفكر العلماني والإنساني الذي تحتاجه سوريا أكثر من غيرها. حزب أو منبر يصهر الجميع في البوتقة والوطنية السورية من دون تمييز ولا تركيز على هذا أو ذاك، ويقف على مسافة واحدة من الجميع.

 

حاشية: لا نعتقد، البتة، بوجود أي نوع من العلمانية "العربية"، ولنا تحفظات كبيرة على ما يسمى بالعلمانيين "العرب"، وعلى نفس النمط الذي تطور ذاتياً وتشكل ظرفياً وبنيوياً في قلب الغرب الأوروبي بعد عذاب مرير وتراكم معرفي رهيب وتطور مجتمعي طويل وانقلاب مفاهيمي جذري، فهذا أبعد ما يكون عن واقعنا، في المرحلة الحالية على الأقل، ولكن المقصود ها هنا، هم أصحاب التوجهات التنويرية التسامحية المنفتحة على الآخر بشكل عام، وتقديم مبدأ المواطنة والهوية الوطنية السورية الجامعة على ما غيرها من هويات يبدو أنها-الهويات- تجهد حالياً لترسيخ ذاتها والإعلان عن نفسها وتمييز ذاتها عن الهوية السورية التاريخية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز