موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الحضارة العربية الإسلامية

لما جاء نصر الله والفتح وراح الناس يدخلون بأعراقهم المختلفة وقومياتهم المتعددة في دين الله افواجا, نشأت ظروف جديدة ونمت حاجات مستجدة كان لا بد من التعامل معها بسرعة وجدية لحفظ الدين والمجتمع الجديد. من ذلك ان بعض الأعاجم كانوا يلحنون في تلاوة القرآن مما يؤدي الى تبديل لمعاني السور والآيات مثل اية: إن الله بريء من المشركين ورسوله, حيث كان بعض المسلمين من غير العرب يقرأ كلمة رسوله مجرورة بالكسرة وبالتالي تحوير المعنى ونسفه, وعليه يصبح الله بريئا لا من المشركين فحسب وإنما من رسوله ايضا.

 طبعا تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا وصلى وملائكته على محمد وآله الأطهار. وكان الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام اول من تصدى من الخلفاء الراشدين لهذا الخلل فاستدعى ابا الأسود الدؤلي على عجل وامره ان يضع قواعدا للغة العربية تجعلها ميسرة للعرب وغيرهم.ولم يكتف الإمام بذلك بل وضع لأبي الأسود الدؤلي ما نسميه اليوم في الجامعات العصرية:(Méthodologie de la langue). ثم قال له : إعلم يا ابا الأسود ان الجملة تقوم على ثلاثة عناصر,إما اسم او فعل أو حرف. وبعد ان شرح للدؤلي المنهاج في تقنين العربية ختم الإمام علي (ع) كلامه بقول: انحو هذا النحو يعني اتبع هذا النهج , فذهب قوله مثلا.

ولهذا سميت قواعد اللغة العربية بالنحو. يذكر الدكتور خليل السكاكيني القصة: ( سبب وضع النحو في قواعد تدرس، هو انه لما جاء الاسلام واختلط العرب بغيرهم من الأمم، دخل الى لسانهن بعض الأخطاء النحوية، من قبل الأقوام الاخرى كل هذه الامور، أدركها الإمام علي كرم الله وجهه، وتلافى الأمر بان وضع تقسيم الكلمة وابوابها، وان وأخواتها والإضافة والإمالة والتعجب والاستفهام وغيرها وقال لابي الأسود، أنحى هذا النحو ومنه جاء اسم هذا المعنى فأخذه أبو الأسود وزاد عليه أبوابا اخرى ولما حصل عنده ما فيه الكفاية اخذ عن أبي الأسود ميمون القرن ، ثم خلفه جماعة، منهم عمرو بن علاء، ثم بعدهم أبو الخليل الفراهيدي ، ثم سيبويه ، والكسائي ، ثم سار الناس في فريقين ، بصري، وكوفي ،ومازالا يتداولون ويحتكون الى تدوينه حتى اليوم) .

 طبعا نص الدكتور سكاكيني مليئ بالأخطاء اللغوية إلا ان مضمونه صحيحا. وبالعودة الى الموضوع فأبو ألأسود الدؤلي العالم الكبير لمن لا يعلم كان عربيا شيعيا محبا لأهل البيت عليهم السلام ولم يكن فارسيا ولا صفويا وقد دخل مرة مجلس معاوية بن ابي سفيان في الشام بعد ان استتب للأخير ملكه على المسلمين فضرط في حضرته, ثم قال لمعاوية اكتمها عليّ يا امير المؤمنين فرد معاوية: قد سترنا فعلتك.

 ثم خرج الدؤلي وكأنه يزمع مغادرة القصر وقبل ان يصل الى الخارج, رجع عائدا بسرعة الى محضر معاوية حيث ضبته متلبسا فقد كان معاوية يتندر عليه ضاحكا يروي لزواره ما بدر من الدؤلي . بهت معاوية إذ فوجيء بابي الأسود يقول له: إن رجلا لا يؤتمن على ضرطة أحرى ان لا يسمي نفسه اميرا للمؤمنين. كانت أبجدية اللغة العربية دون تنقيط، فلم يكن ما يميّز النون من الباء أو الذال من الدال او الراء من الزين, فدخلت عليها النقاط في العصر الأموي الأول كما دخلت عليها علامات الإعراب، كالفتحة والضمّة والكسرة والسكون. وقد تم ذلك بعمل دؤوب وجهد حثيث قام به تلميذا ابي الأسود الدؤلي ,وهما العالمان العربيان الشيعيّان: نصر بن عاصم و يحيى بن يَعْمَر .

 أما الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي وهو العالم العربي الشيعي الكبير فلم يكتف بمتابعة ما بدأه ابو ألأسود بل اسس علما جديدا هو علم العروض والقافية. وقصة تأسيس ذلك العلم تدعو للتأمل والدهشة. كان الفراهيدي عاشقا لعلي ابن ابي طالب عليه السلام متتبعا لأثاره ومناقبه. تأمل الخليل مرة ما نقل عن الأمام علي (ع) وصاحبه جابر حين سأله: أتدري يا جابر ماذا يقول هذا الجرس؟ وكان جرس نحاسي يقرع في الأثناء , رد جابر: لا يا ابا الحسن .. فماذا يقول؟ أجاب الإمام انه يقول: حقا حقا حقا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا هذي الدنيا قد غرّتنا واستهوتنا واستلهتنا يا بن الدنيا مهلا مهلا زن اوزانك وزنا وزنا سرت في جلد الخليل بن احمد رعدة فقد شعر انه تلقى رسالة امير المؤمنين عبر السنين وشعر ان الإمام برغم عدم معاصرته إيّاه ورحيله البعيد عن الدنيا قد استأمنه على شيء وهو تأسيس قواعد تحفظ الشعر العربي كقواعد الدؤلي التي حفظت اللغة العربية. فتابع تأملاته سيرا في الأسواق يستمع الى طرقات النحّاسين وهي تتصاعد مخلفة انغام عديدة الى ان الهمه الله فأسس علم العروض والقافية وقسم اوزان الشعر الى بحور عديدة تضبط ايقاعه وتكشف ما زحف منه. والزحاف هو الإضطراب الذي يفسد الوزن في بيت الشعر.

 روي عنه أنه عندما كان يقطّع العروض لأول مرّة دخل عليه ولده فرآه وهو يدندن: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل , ولم يكن ابن الخليل قد رأى أباه في مثل تلك الحالة من قبل فخرج إلى الناس جزعا يردد:أبي قد جن...ابي قد جن !! ولما اجتمع الناس ودخلوا على الفراهيدي رأوه مكبا يدوّن عروض الشعر.. فأخبروه بما قال ابنه عنه فنظر الى ولده معاتبا : لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت اعلم ماتقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا في ما يلي سنتابع انشاءالله كيفية انتقال لواء اللغة العربية من مرحلة التـأسيس على أيد العلماء العرب الشيعة إلى مرحلة ترسيخ العربية وفنونها على ايد علماء الفرس الذين كانوا بغالبيتهم من أهل السنة. ولا عجب فالقتل والتنكيل الذي طاول الشيعة وعلمائهم في العصر العباسي ألأول وصل الى مستوى مهوّل لم يشهد التاريخ له مثيلا. جرائم التطهير العرقي العباسية تلك , فجّرت لأهل البيت وشيعتهم انهارا من الدماء, لم يفلح وعّاظ السلاطين في التستر عليها حيث وثّقتها بعض كتب ذالك الزمان . منها كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني.

 الجزء الثالث وألأخير: كانت جريمة قتل الحسين عليه السلام في سنة ٦١ للهجرة المسمار الأكبر في نعش دولة بني امية حيث ظللت هذه الجريمة تتفاعل في العالم الإسلامي إلى ان قام المعارضون للنظام ألأموي ومن ضمنهم بنو العباس وتحت شعار: يا لثارات الحسين.. بالقضاء على الدولة الأموية. ما ان أقام العباسيون دولتهم حتى انقلبوا على اهل البيت يقتلونهم وشيعتهم انّى حلوا او ارتحلوا. وقد ركّزوا عصبية حكمهم على مزيج من الأعراق مما حدا بالجاحظ الى القول: كانت دولة بني امية عربية إعرابية, اما دولة بني العباس فعربية اعجمية.

ورغم انقلاب العباسيين على شركائهم في الثورة على الأمويين وقتلهم لأبي مسلم الخرساني وإخضاعهم بلاد فارس بالحديد والنار, دار الزمان دورته المخروطية ليعيد تشكيل عصبية السلطة. عندما يكتب دلع النساء مصائر ألأمم: في إحدى ليال الأنس بينما هارون الرشيد يلاعب زوجته زبيدة, وهي من هي, ابنة المنصور الدوانيقي الخليفة السابق وزوجة الرشيد الخليفة الحالي ووالدة ألأمين خليفة المستقبل المذخور لأوانه. راهنت زبيدة هارون انه ان أجاب على سؤالها كان له ما يريد وان لم يجب كان لها ما تريد. وهكذا كان.. فعندما عجز هارون الرشيد عن حل اللغز الذي عرضته له , قال لها الأمر لك لقد ربحت الشرط. فطلبت زبيدة من هارون على سبيل العقوبة ان ينكح خادمتها العجوز الفارسية. يروي الرواة ان تلك المرأة كانت سوداء, شوهاء, قبيحة الريح والشكل لم يكن لها مثيل في النساء. أرخيت ستائر القصر في حجرة الرشيد تلك الليلة,دخلت الخادمة الفارسية على الرشيد إمتثالا لأمر مولاتها زبيدة. ولم تخرج إلا وكانت قد انعقدت في رحمها نطفة طفل سيولد بعد حين ويحمل اسم المأمون لينازع أخاه الأمين ابن زبيدة على ملك ابيه ثم ليقتله ويستولي على الحكم جاعلا من أخواله الفرس شركاءه في السلطة وإدارة الخلافة. ففتحت للفرس ابواب الدولة ومؤسساتها وكان منهم العلماء والوزراء وألأطباء والفلكيين والنحاة وارباب كل حرفة وصناعة. أما اللغة العربية فكانت الرابح الأكبر حيث برع الفرس في إثراء العربية وصيانة قواعدها وآدابها. وقد اشتهر فضل علماء الفرس بما تنوء بتراجمهم آلاف المجلدات إلا اني طلبا للإختصار الشديد سأذكربعد الختام ملخصا لتراجم اثنين من كبرائهم هما سيبويه والكسائي وانهي بذلك البحث في صفحات التاريخ بغية التفرغ و التصدي لموضوعات معاصرة تهم حاضرنا ومستقبلنا عربا ومسلمين.

 خلاصة: لقد قامت الحضارة العربية الإسلامية على جهود المسلمين جميعا , تركهم وكردهم , عربهم, رومهم وعجمهم, اسودهم, اصفرهم وابيضهم ولم تتأخر مجموعة ولا شعب من الشعوب إلا وقد أسهمت وأثرت ثم أثّرت وتأثرت بتلك الحضارة العظيمة. والمتأمل يستعجب فالعلماء العرب المأسسون كان اغلبهم من الشيعة أما المتأ خرون فمعظمهم من الفرس السنّة.

فحين يفتخر السنة العرب بعروبتهم فذلك بفضل إخوانهم الشيعة العرب وحين يفتخرون بإسلامهم فبفضل إخوانهم السنّة الفرس.

١. سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري، المعروف بسيبَوَيه (بالفارسية: سيبوُيه أي: "رائحة التفاح") (١٤٠ هـ/٧٦٠ م-١٨٠ هـ/٧٩٦ م) إمام العربية وشيخ النحاة الذي إليه ينتهون، وله كتاب في النحو يسمى "الكتاب" وهو أول كتاب منهجي ينسق ويدون قواعد اللغة العربية، يذكر كتاب وفيات الأعيان ان الجاحظ قال : «لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله». وسيبويه فارسي الأصل، ولد في مدينة البيضاء قرب شيراز في بلاد فارس، كان مولى بني الحارث بن كعب، ثم مولى آل الربيع بن زياد الحراثي(معجم الأدباء لياقوت الحموي). وقدم إلى البصرة غلاما، وقد اختلف في موعد قدومه تحديدا، ونشأ فيها وأخذ عن علمائها، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي. له وصف لمخارج حروف اللغة العربية هو الأدق حتى الآن. توفي في شيراز عام ٧٩٦ م.

 ٢. ألكسائي: هو على بن حمزة بن عبد الله بن عثمان من ولد بَهْمَن بن فيروز مولى بني أسد وهو من أهل الكوفة ثم أستوطن بغداد، وكنيته أبو الحسن ولقبه الكسائي، لقب به لأنه أحرم في كساء، وهو أحد القراء السبعة والإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات قال الجعبري قيل له لم سميت الكسائي قال لأني أحرمت في كساء وقيل لأنه كان لي حداثة سنة ببيع الكساء وقيل لأنه كان من قرية من قرى السواد يقال لها باكسايا وقيل لأنه كان يتشح بكساء ويجلس في مجلس حمزة فكان حمزة يقول أعرضوا على صاحب الكساء أي أعرضوا هذا الرأي قال الأهوازي وهذا القول أشبه بالصو اب. قال ابن مجاهد: اختار الكسائي من قراءة حمزة ومن قراءة غيره متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة وكان إمام الناس في القراءة في عصره. وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، وينقطون مصاحفهم من قراءته.

 وقال إسماعيل جعفر المدني وهو من كبار أصحاب نافع : ما رأيت أقرأ لكتاب الله تعالى من الكسائي. و قال أبو بكر بن الأنباري : اجتمعت في الكسائي أمور كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وأوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عنده فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ. وروى عنه الحروف يعقوب بن إسحاق الحضرمى. وتوفى الكسائي على أصح الأقوال سنة تسع وثمانين ومائة عن سبعين سنة وهو في صحبة هارون الرشيد بقرية " رَنْبَويَهْ " من أعماله الري، متوجهين إلى خرسان ومات معه في المكان المذكور محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة فقال الرشيد : دفنا الفقه والنحو في الرى في يوم واحد. وفي رواية أنه قال : اليوم دفنا الفقه والعربية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز