علي عبد العال
ALY_ABDELAL@YAHOO.COM
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من مصر مقيم في القاهرة

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
طارت بين لندن والرياض ... اليمامة صفقة الفضيحة
تعد "صفقة اليمامة" واحدة من أكبر قضايا الفساد السياسي والمالي في العالم، وهي القضية التي أثارت ـ ولازالت ـ ضجة إعلامية وسياسية كبيرة حولها، وذلك بعد أن تم الكشف عن رشاوى بمليارت الدولارات صاحبت عقد مبيعات الأسلحة الذي أبرمته المملكة السعودية ـ في ثمانينيات القرن الماضي ـ مع شركة صناعة الأسلحة البريطانية العملاقة "بي إيه آي سيستمز"، الذي بلغت إيراداته 43 مليار جنيه استرليني (84.4 مليار دولار).
 
وأوقفت الحكومة البريطانية رسميا ــ في ديسمبر الماضي ــ تحقيقات استمرت لعامين، حول فساد شاب الصفقة، وقال رئيس الوزراء توني بلير ـ الذي اضطر للتحرك بنفسه ـ إن وقف التحقيقات كان حيوياً للمصالح البريطانية، وأعلن : أنه يتحمل شخصياً مسؤولية وقف هذا التحقيق، لأنه " كان سيؤدي إلى نتائج كارثية لعلاقتنا مع بلد مهم نتعاون معه بشكل وثيق في مجال مكافحة الإرهاب، والأمن، وعملية السلام في الشرق الأوسط ، وقضايا أخرى عديدة ".
 
جاء القرار السيادي بوقف التحقيقات، بعد تقارير قالت : إن السعوديين عبروا عن إستيائهم، وحذرت الرياض من أنها قد تلغي صفقة مقاتلات "اليوروفايتر"، ووقف كل الأموال التي لها علاقة بصفقات الدفاع، مع بريطانيا، والتي تصل إلي 40 مليار جنيه استرليني، إذا ما استمرت التحقيقات.. وهو ما دفع شركات التصنيع العسكري إلى التحذير من أن استمرار هذه التحقيقات سيتسبب في خسارة عقود سعودية كبيرة، في المستقبل. وقالت صحيفة "صنداي تايمز" إن الرياض هددت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع لندن، ووقف كل أشكال التعاون في مجال مكافحة الإرهاب. وقال مصدر زعم أنه أطلع على رسالة إنذار نهائية سلمها دبلوماسي سعودي بارز إلى الحكومة : إن السعوديين اتهموا الحكومة البريطانية بخرق وعودها وتعهداتها، فيما يتعلق بالصفقة والحفاظ على سريتها، ومن ثم سعى "داوننج ستريت" إلي تهدئتهم.
 
جاء التشدد السعودي حيال القضية وهذا التحرك السريع، بعد أن اقتربت التحقيقات من الحسابات السرّيّة ــ في بنوك سويسرا ــ لاثنين من الوسطاء، أحدهما رجل أعمال سوري، والآخر وزير لبناني سابق، وكادت تكشف عمولات ضخمة قيل أنها ذهبت إلى أمراء كبار، وبلغت أرقاماً خيالية يقدّرها البعض بثلاثة مليارات دولار! حيث كان الرجلان واجهتين للأمراء الذين تفاوضوا على الصفقة بحكم مكانتهم ونفوذهم. وكان المحققون يبحثون في تقديم "المجموعة البريطانية للتصنيع العسكري" هذه الرشى من أجل تأمين الحصول على الصفقة الهائلة، حيث تعد مبيعات الأسلحة البريطانية للسعودية من أكبر صفقات التصدير في تاريخ بريطانيا، وكان لليمامة دورها الخطير في تشغيل صناعات السلاح البريطانية، وبخاصة سلاح الجو لأكثر من عشرين عاماً.
 
وفي أكتوبر من العام 2006 وجدت الحكومة البريطانية نفسها في موقف حرج، بعد نشر وثيقة ـ عرضت في الأرشيف الوطني بالخطأ ـ تكشف أن سعر الطائرات التي باعتها بريطانيا للسعودية من نوع "تورنادو" تم تضخيمه بشكل كبير. وأظهرت الوثيقة التي أعدها مسؤول وحدة المبيعات في وزارة الدفاع سير، كولن تشاندلر، أن سعر الطائرات تم تضخيمه بنسبة الثلث، من قبل مسؤول كبير في وزارة الدفاع السعودية. وقالت رسالة للسفير البريطاني في الرياض، ويلي موريس : إن هذا المسؤول لديه اهتمامات فساد في كل العقود.
 
وفي هذا الإطار، رأى خبراء ومراقبون أن ميزانية الانفاق على التسلّح السعودي، باتت تثير الكثير من علامات الاستفهام حولها، فهي توازي ما ينفق على جيوش إيران وتركيا وإسرائيل مجتمعة، بالنظر الى أن الجيش السعودي يصنّف من بين الجيوش المتواضعة الحجم والمقدرة، إلا أن المراقبين ذاتهم يرون أن مليارات هذه الصفقات تسهم في تبنى مواقف سياسية ودبلوماسية للرياض. ومما يشير إلى ذلك التقارير التي تحدثت عن أن الرياض كانت قد ضمّنت شروط "صفقة اليمامة"، شروطاً سياسية من أجل إتمامها، منها : إبعاد المعارضين السعوديين الدكتور محمد المسعري والدكتور سعد الفقيه من بريطانيا، أو تسليمهم إلى الرياض، واستئناف رحلات الخطوط الجوية البريطانية إلى الرياض والتي كانت توقفت لأسباب أمنية، ووقف التحقيقات البريطانية بالفساد الذي شابها.
 
وتميزت صفقة القرن العسكرية بمراحل ثلاث حيث بدأ توقيعها العام 1985، وهي صفقة قامت بمقتضاها لندن ببيع الرياض 72 مقاتلة من طراز "تورنادو" و30 مقاتلة من طراز "هوك"، وقد جرى تجديدها العام 1993 ــ حين طلب السعوديون بيعهم 48 مقاتلة أخري من طراز "تورنادو" ــ وفي المرحلة الثالثة من الصفقة التي تم توقيعها العام 2005 اتفق البلدان علي قيام بريطانيا ببيع السعودية 72 مقاتلة "يوروفايتر" بقيمة عشرة مليارات جنيه استرليني (19.8 مليار دولار).
 
ويضم تحالف صانعي "يوروفايتر" أربع دول أوروبية، هي (المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا) تقوم كل دولة بتصنيع بعض مكونات المقاتلة الأوروبية، وتوظف الشركة نحو عشرة آلاف عامل وخبيرشخص في مشروع المقاتلة.
 
ونظرا لضخامة العائد المالي للصفقة، أشار محللون إلى أنها ربما تأتي في إطار الضغوط الأمريكية والغربية لامتصاص الفائض في العوائد النفطية بسبب ارتفاع اسعار النفط، حيث بلغ دخل المملكة العربية من هذه العوائد حوالي 140 مليار دولار العام الماضي، وجرى تقدير الفائض في الميزانية المعلن عنها بحوالي 57 مليار دولار. ويستطرد هؤلاء المحللون بأن الصفقة ربما تكون مقدمة لصفقات أخرى تعقدها الرياض مع الولايات المتحدة، لامتصاص هذا الفائض. ومن غير المستبعد ـ في ظل تصاعد التوتر مع إيران، بسبب برنامجها النووي، ومعارضة الدول الخليجية له نظراً لأخطاره على أمن المنطقة ـ من غير المستبعد أن تأتي هذه الصفقة في ظل استعدادات حثيثة لحرب متوقعة في المنطقة تكون إيران طرفاً فيها، فصفقة اليمامة جرى توقيعها قبل أعوام من الحرب على العراق، وصفقة طائرات الـ "اليوروفايتر" الأخيرة التي ستعتبر هي الأخرى صفقة القرن مقدمة لحرب أخرى ضد إيران.
 
ورغم ضخامة الضغوط التي يمارسها "دوننج ستريت" فقد أخذت القضية أبعاداً جديدة، بفضل الجهود التي تبذلها مؤسسات مدنية بريطانية، تعارض التسلح وتجارته بين الدول المنتجة والمستوردة. وهو ما ساهم في ظهور وثائق بريطانية سرية إلي العلن ربما أوصلت القضية إلى نقطة اللاعودة. وما تزال القضية تتفاعل في وسائل الإعلام الغربية والعربية، وليس مستبعداً أن تنضم المنظمات الرقابية إلى الجهات المطالبة بإجلاء الحقيقة حولها، خصوصاً بعد تدخل رئيس الوزراء توني بلير لإيقاف التحقيق بنفسه، في سابقة تتنافى مع مبادئ النظام البريطاني.
 
وبعد أن رأت "منظمة الشفافية الأوروبية" التي تتابع حالات الفساد، أن تجارة الأسلحة هي أكبر تجارة فاسدة في العالم، ووجهت "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" انتقادات لاذعة لبريطانيا، بسبب وقفها التحقيقات، وأكدت المنظمة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة ضد الحكومة البريطانية. كما هدد نشطاء في مجال مكافحة الرشوة ـ من جهتهم ـ بمقاضاة الحكومة، وقالت جماعتا "كورنر هاوس" و"الحملة ضد تجارة الأسلحة" : إن القرار يشكل خرقاً لميثاق مكافحة الرشوة الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 1999، والذي يلزم الدول الموقعة عليه بتجريم دفع رشا لمسؤولين حكوميين أجانب في المعاملات الدولية.
 
حجم الفساد المالي بالصفقة
 
كشفت وثائق نشرتها صحيفة "الجارديان" أن الرياض دفعت زيادة تقدّر بـ 600 مليون جنيه إسترليني أي (مليار و80 مليون دولار أمريكي) على الأثمان الأصلية للطائرات الحربية من نوع "تورنادو" وقدّمت الوثائق أدلة دامغة على المدفوعات الفاسدة بالعقد، كما قدمت تفصيلات أظهرت أن سعر الطائرة الواحدة تضخّم بنسبة 32 بالمئة، أي من 16.3 مليون إلى 21 مليون جنيه إسترليني.. وهو ما يعني أن الصفقة ـ التي أبرمت بين وزير الدفاع السعودي وولي العهد الحالي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ووزارة الدفاع البريطانية، تضخّمت إلى الثلث تقريباً.
 
وقد بات شائعاً في الصفقات العسكرية ــ حسب الخبراء ــ أن أسعار الأسلحة يتم رفعها حيث يمكن اقتطاع العمولات من الزيادة الحاصلة، فالـ 600 مليون جنيه إسترليني هي المبلغ الذي من المفترض حسب الوثائق والتقارير المنشورة، دفع سريا للأمراء السعوديين ودائرة الوسطاء في لندن والرياض، كمقابل لإتمام الصفقة.
 
 
أسماء ملكية كبيرة
 
وفي أطار الحديث عن تورط أمراء كبار في العائلة السعودية الحاكمة، تكهنت تقارير ووسائل إعلام بريطانية بأن الشبهات تحيط بولي العهد السعودي ووزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز، الذي قيل إنه كان يأمل في تحقيق ربحاً فلكياً من الصفقة، بجانب صفقات أخرى عقدت في فرنسا والولايات المتحدة.
 
ومن بين الأسماء التي تم تداولها، الأمير تركي بن ناصر بن عبدالعزيز، الذي كان مسؤولاً ـ على مدار عشرين عاماً ـ عن الإشراف على أعمال الجانب السعودي لإتمام الصفقة، ويتردد أنه المستفيد الأكبر من تلك المليارات. وفي برنامج "المال" الذي يوصف بالشهير ـ لدى أوساط البريطانيين ـ الذي تبثه قناة "بي بي سي" الثانية، روى بيتر جاردينر ـ الذي كانت مهمته من قبل شركة الأسلحة البريطانية تحقيق كافة مطالب المفاوضين السعوديين ـ روى كيف أغدق الأموال على الأمير تركي لأكثر من عقد من الزمن، في سابقة خرج بها عن صمته بهذه القضية، وتحدث لأول مرة عما كان يرتكبه من أعمال، حيث أطلع (جاردينر) بناء على تعليمات الشركة، الأمير تركي على ما يمكن أن يوفره له ولحاشيته من فنادق لا نهاية لها، وطائرات خاصة، وسيارات فاخرة، وحراسات خاصة وإجازات مثيرة.
 
كما استفادت عائلة الأمير السعودي من الأموال التي أغدقتها الشركة، وقال بيتر جاردينر : إن زوجة تركي حصلت على سيارة "رولز رويس" يقدر ثمنها بنحو 170 ألف إسترليني، كهدية في عيد ميلادها. كما وضع تحت تصرف زوجة تركي وحاشيتها طائرة شحن من طراز "بوينج 747" لنقل مشترياتهم. وحظي نجل تركي وأصدقاؤه برحلة تزلج في كولورادو تقدر تكلفتها بنحو 99 ألف إسترليني، كما صور حفل زفاف ابنة تركي بتكلفة قاربت المائتي ألف إسترليني. كل هذه الأشياء دفعت تكاليفها شركة الأسلحة البريطانية.
 
كما نظم جاردينر برنامج العطلة الصيفية لتركي وعائلته في عام 2001م التي استغرقت ثلاثة أشهر. وكلفت هذه الإجازة شركة "بي إيه أي" نحو مليوني إسترليني. وقال جاردينر في تصريح لبرنامج المال : "إن أسلوب الحياة هذا فاق أسلوب حياة النجوم السينمائيين. لقد كان نجوم السينما يرتادون الفنادق التي كنا نزورها لكنهم لا يعيشون في هذا المستوى من الرغد".  وتلقى جاردينر في بعض الأحيان تعليمات بتوفير الأموال لتركي وعائلته سواء في صورة أموال سائلة أو تحويلات مصرفية لسداد فواتير البطاقات الائتمانية. وقال جاردينر إنه قام بتحويلات مصرفية قيمتها مائة ألف دولار. وأضاف: "لم نكن نسأل عن هذه الأمور. كان يطلب منا دفع الأموال المطلوبة ومن ثم كنا ندفعها".  وكان كل ما يطلبه تركي سواء كان شيئا كبيرا أو صغيرا كان يحصل عليه بعد أن تدفع "بي إيه إي" الثمن.
 
وبينما رفض الأمير تركي الإجابة على تساؤلات وجهها البرنامج، قالت السفارة السعودية في بيان موجه لبرنامج "المال" : إنها تشعر بالصدمة إزاء سماع تلك العبارات.
 
وأمام الـ "بي بي سي" روى (إدوارد كانينجهام) أنه تلقى تعليمات بتلبية متطلبات المسؤولين السعوديين الأقل مرتبة من أجل تسهيل أعمال الشركة البريطانية.  وأوضح كانينجهام في تصريحاته للبرنامج : أنه كان يقدم لمسؤولين بالسفارة السعودية أطقم مائدة فضية وذهبية قيمة القطعة الواحدة بها تبلغ نحو ألف إسترليني. وقال : "كنت منهمكاً (بتلبية طلبات) كل من بالسفارة. كانوا جميعا يريدون أطقما ذهبية وكانوا يعزفون عن تلقي الأطقم الفضية".
 
وفي هذا الإطار، قال (إيان جيلمور) الوزير البريطاني السابق، في حكومة اللمحافظين : إن الرشاوى شائعة في الصفقات العسكرية التي تعقدها السعودية. وقال لبرنامج "نيوزنايت" الذي تبُثه القناة الثانية التابعة لشبكة "بي بي سي" : "إنك إن دفعت رشاوى للكبار في الحكومة (السعودية) مع كون ذلك في الحقيقة غير شرعي في القانون لدى آل سعود، إلا أن ذلك لا يعني شيئاً كثيراً".
 
أسلحة اليمامة
 
وبين تصاعد الجدل حول صفقة اليمامة وأسحتها، ألمح خبراء عسكريون إلى أن أسلحة تلك الصفقة لم تستخدم على الاطلاق، ولم تشارك إلا بدور ثانوي جداً في الحرب على العراق يناير عام 1991. فهذه الأسلحة ــ حسب مصادر صحفية ــ قديمها وحديثها لم تستخدم مطلقاً في أي حرب، رغم ضخامة قيمتها، وعندما تعرض أمن المملكة للخطر بعد اجتياح الكويت، ظلت هذه الأسلحة في مخازنها وتم اللجوء لنصف مليون جندي أمريكي للقيام بالمهمة.. وحتى الطائرات السعودية التي انطلقت لضرب بغداد فشلت معظمها في تحقيق أهدافها وبعضها لم يعد، وسقط طياروها أسرى لدى العراقيين.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز