نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
بانتظار هيئة الأمر بالمعروف والمنكر في سورية

لا شك، لقد أثار قرار إنشاء شاطئ خاص للنساء في سورية، وعلى الطريقة الوهابية، ردود فعل متباينة بدا بعضها عنيفاً، وبعضها الآخر ساخراً، فيما يسود صمت شبه مطبق في أوساط المعارضة المتدينة باعتبارها قد خطت خطوة أخرى في طريق بدونة سوريا ومشروع إسقاطها النهائي في المشروع الوهابي الذي تسلل إلى كافة الإمارات الدينية الأخرى المسماة دولاً عربية.

 وفي الحقيقة فإن هذه الخطوة تعتبر تراجعاً حداثياً، ونكسة علمانية خطيرة تصيب عمق المجتمع السوري الذي عرف تاريخياً بانفتاحه وتسامحه، لكن يبدو أن المد والهجمة الوهابية الصهيونية المسعورة المدعومة أمريكياً أقوى من أية ثقافة أخرى من الممكن أن تقاوم هذا المشروع الظلامي الرهيب الذي يعكس وصول الحالة الثقافية الشعبية إلى نقطة اللا رجوع واللاعودة وتربعها على عرش بعض الشرائح، من حيث عدم تقبل الآخر-الذكر أو المختلف- وتفهمه ومن ثم التعايش معه.

 ولا ندري إن كان الدخول للـ"مول" النسائي، أو الشاطئ الحريمي يتطلب نمطاً معيناً من الزي،(النقاب الصحرواي وتفرعاته)، أو الطقوس، أم سيكون متاحاً للكاسيات العاريات، من لابسات الشورتات والتنورات، والعياذ بالله، فذاك أمر ننتظره بفارغ الصبر. وللحقيقة لا يمكن تحميل جهة أو جانب بعينه تبعات هذا الانحدار والتراجع الخطير، فذاك مشروع دولي أكبر من طاقة أي كان. وللحقيقة فإن هناك ضغطاً شعبياً هائلاً ، لا يمكن تجاهله، بهذا الاتجاه، وهناك بالمقابل امتثال ما، وانحناءة براغماتية لقوة تيار عريض بدت ملامحه تظهر بقوة في الشارع السوري عبر سلسلة من التمظهرات المتتالية لم يكن مثلاً قانون الأحوال الطالبانية سوى أحد مفاصلها الأساسية.

 فالقضية، بالدرجة الأولى، قضية حالة ثقافية عامة تخيم على سماء المنطقة وتجد لها أصداءً وتقبلاً في أوساط وشرائح شعبية عريضة لم تستحوذ على ثقافة أو بدائل فكرية مغايرة من الممكن أن تحصن مواقعها ومواقفها الليبرالية والانفتاحية للصمود ورفض هذا التيار، بل سعت الثقافة والآليات الفكرية المتواجدة على تجذير الردة الثقافية التي أفضت إلى "مول" خاص، وشاطئ خاص للنساء، ما يعني انتصاراً للقيم الصحراوية على القيم العلمانية والوطنية والإنسانية، ناهيك عن السطوة والقوة الإعلامية الهائلة والخرافية التي تغذي شرايين هذا الفكر والثقافة وتبعث فيه الحياة وتمده بالطاقة، في ظل تغييب وتحييد وإبعاد ممنهج ومدروس للقوى والرموز العلمانية واللبرالية والحداثية، وأيضاً، في ظل عجز وترد ومراوحة بالمكان للإعلام الرسمي والخاص المحلي، الذي سعى هو الآخر، ومن حيث لا يدري ربما، لركب الموجة وتحت ذرائعية وادعاء دغدغة الرأي العام ومحاباته، لمحاكاة تلك الماكينات الإعلامية الجرارة عبر تقليد ونسخ مشوه لتكريس ذات الفكر والثقافة وإن بأطر أخرى، ولقد كان مثلاً لمسلسل باب الحارة، ومثيلاته من المسلسلات البدوية اليد والباع الطولى، في تكريس القيم الصحراوية وتقديمها بقوالب ساحرة وجذابة، بعثت النشوة الغرائزية البدوية من مدافنها، وجعلت من العودة والارتكاسة للوراء ممكنة، وأمراً طبيعياً متقبلاً من تلك الشرائح التي يهمها بعث تلك القيم والثقافة وإعادة نبشها من قبورها.

 كما كان لانتشار ونشاط القبيسات العلني، والضخ الديني الإعلامي العام أثراً كبيراً في الوصول لهذه الفاجعة المجتمعية الكبرى، التي لم تعش سوريا مثيلاً لها عبر تاريخها الحديث ولا يوجد هزيمة أشد وطأة وألماً منها. إنها انتصار وخطوة أخرى يخطوها المشروع الوهابي في قلب واحدة من قلاع العلمانية واللبرالية والانفتاح المجتمعي المميزة تاريخياً في المنطقة الشرق أوسطية، بعد السقوط المدوي والتاريخي السابق لمصر.

 فالحقيقة لا يمكن اليوم، وفي ظل هذا الدعم الأمريكي والإسرائيلي لتيارات التطرف والغلو والفكر السلفي ورموزه بشكل عام والسيطرة المطلق للإعلام الوهابي والظلامي على سماء المنطقة بخزعبلاته وتخاريفه وترهاته المعروفة، من مقاومة هذا المد الذي تعززه وتقويه إمبراطوريات إعلامية بترودولارية أسطورية وضخ أموال هائل غايته الأولى والأخيرة ترثيث وتحطيط وتجهيل إنسان المنطقة ومسخه وإلغائه من معادلة الوجود وتوازنات القوة في المنطقة، ولا شيء ينفع أكثر من إشغاله بالصغائر، وإعادته كلياً وجماعياً إلى القرون الغابرة، كي تبرز إسرائيل القوة الكبرى والوحيدة المهيمنة في سماء المنطقة. وهنا التقاء عجيب ونادر بين مشروع وأهداف التيارين وإن بديا غير ذلك في الظاهر.

 وفي الحقيقة، إن مثل هذه الخطوات لم تمر مرور الكرام، وهناك مقاومة رسمية صامتة لها، فبالأمس القريب كان هناك موقف هام وطيب من مكافحة الوهبنة والبدونة تجلى في إقصاء عدد لم يمكن التأكد من صحته من المنقبات من سلك التعليم و"نفيهم" إلى قطاعات أخرى. وكما تبدو القضية، وفي جانب منها، نوعاً من الفصل العنصري والجنسي بين الرجال والنساء، وبعيداً عن مضامينها الأخلاقية الأخرى، فلها جانب قانون وقضائي ودستوري خطير وهام من حيث تكريسها لسوريا كدولة دينية تعكسها مثل هذه الخطوات، وهو عملية تديين للمجتمع والدولة والسياسة، وهذا يشكل مخالفة صريحة وعلنية وخرقاً فاضحاً لعلمانية الدولة ومدنيتها المنصوص عليها دستوريا، فلم يرد في أي بند من بنود القانون والدستور السوري، وعلى حد علمي المتواضع، بأن سوريا دولة دينية على الإطلاق، لا بأي وجه من الوجوه.

 من جانب آخر، وفي الحقيقة، أيضاً، لن يكون لهذه الخطوات ومثيلاتها تأثيرات محتملة في مناطق معينة من سوريا، ولا يعني هذا لكثيرين أي شيء، بتاتاً، وقد لا يلتززم به البعض ما قد يولد "احتكاكات وحساسيات" قد تأخذ طابعاً صدامياً، كما لن تجد صدى لدى شرائح أخرى وعريضة من الطيف السوري الغني بكل الأطياف المنفتحة واللليبرالية التي ستقاوم ولا شك مثل هذه الخطوات، وتستنكرها وتعريها، لكن هذه الخطوة، ومن الناحية العملية، تتطلب لتنفيذها، وإكمالها شرطة خاصة، وقوات أمن خاصة، وليس هناك أحسن وأجمل من الشرطة الدينية، ورجال هيئة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى الطريقة الوهابية المعروفة، وبأشكالهم المميزة، كي تسعى لعزل النساء عن الرجال وتهيمن على الشارع السوري، وتجلد وترجم من لا يروق لهم تصرفاته أو تصرفاتها. فهل سنشهد ولادة هذه الشرطة الدينية، فلا قيمة ولا بقاء لتلك من دون هذه، ووجود إحداها يستلزم الآخر.

 إنها-الخطوة- ومهما تعددت الرؤى والروايات والتبريرات، ليست سوى، امتدادت وتوغل آخر لثقافة الصحراء ورمالها الصفراء وعاداتها الديناصورية الخطيرة العجفاء التي تكتسح عمق هذه المجتمعات المنكوبة. وبانتظار هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السورية، لتطبيق قوانين الفصل العنصري الجديدة، غير القانونية أو الإنسانية، والتي لم يبق غيرها في الحقيقة للسقوط النهائي في براثن البدونة، نتمنى لكم طيب الإقامة، والمتعة بشواطئ ومولات النسوان في سوريا الجميلة الزاهيىة الخضراء وشراشف الظلام والسواد تحاول أن تلفها وتطبق عليها من كل مكان فليهنأ أبناء "الجماعات"، إياها بهذا الإنجاز، ولنا من بعدهم الحزن والسلوى والعزاء. ولنا أن نتخيل الشرطة الدينية تفتش عن سرائر الرجال وفي موبايلاتهم وأفكارهم وعن صور إباحية، وموسيقى لا تروق للوهابية، أو عن وساوس وميول "عدوانية" وشيطانية تجاه النساء، إنه موقف "ألترا" سوريالي، وميتافانتازي لا يمكن تخيله في ذات المكان الذي كان يشهد، ذات يوم، الميني جوب، والشارلستون ، والدبكة الشعبية المختلطة، ورفع الأقداح، بين الجنسين، التي تطاول عنان السماء. وهل لن يتمكن المواطن السوري التي ترعرع ونما وشب وكبر على تلك الرمال من التمتع بحبات رمل وطنه، والتجول في ربوعها إكراما للصحراويين والجراد القادم بوحشية وهمجية مروعة من عمق الفيافي والبيداء؟ أجراس الخطر الظلامي الداهم تطرق، وتدق بعنف وقوة متناهية تصم الآذان، فهل من سامع لها على الإطلاق؟

 وكل خطوة ظلامية وأنتم بخير.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز