نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
حضارة لصوص الخراج

الخراج وهي اللفظة التي أطلقها الغزاة البدو الدوليون على موارد الخلافة من سرقة ونهب الشعوب المستعمرة التي استباحوا حرمة أراضيها ودمها وفرضوا عليها ثقافة ولغة وطريقة حياة بدوية فظة وقاسية وغير متسامحة ما زالت تداعياتها مستمرة حتى يومنا هذا. وتعادل في علم الاقتصاد اليوم الناتج أو الدخل القومي من شتى القطاعات. والخراج في الأصل وكما ورد في كتب التاريخ هو مقدار معين من المال أو الحاصلات كان يفرض على البلدان التي "فتحها" المسلمون وتركوها لأهلها الأصليين من غير المسلمين لزراعتها. (اتذكر هنا مقولة لم يجد التاريخ فاتحأً أرحم من العرب وبئس قائلها). وفي رواية أخرى أتت التسمية مما تخرجه الأرض، هذا والله أعلم، ويدخل هذا الخراج ما يسمى بيت مال المسلمين، (وزارة المالية اليوم)، رغم أنها أموال حرام جمعت بالعسف والنهب والسبي والفرض والجبر والقهر والقتل واستغلال الفقراء والعبيد والمساكين، ولكن هذا كله لم يشكل أي وازع أو رادع ديني أو قيمي للخلفاء للتمتع بها، وجمعها، والتنعم بها مع خليلاته وجواريه وأصحابه ومحظياته وبناء القصور وشراء الإماء والسبايا بها حيث كان يغدق عليهم من تعب وكد أولئك الفقراء وهذا ما يضع عشرات الأسئلة على الممارسة الأخلاقية للكثير من الخلفاء وهل هذا يرضي الله؟ وكان هذا الخراج لوحده، هو محور السياسة الداخلية والخارجية للخلفاء والولاة وشغلهم الشاعل، وكان الوالي والخليفة المرضي عنه يولى منطقة أو بلداً "دسماً" في خراجه، بين الوالي "أي كلام"، فكان يولى بإقطاعية أي كلام، ومن هنا كانت تولية معاوية ابن أبي سفيان للشام، وعمر بن العاص لمصر بسبب موقفه السياسي المؤيد للأمويين، وليس من اجل سواد عيونه. ويقال بأنه في عام الرمادة والمجاعة كانت قوافل "الخراج" تمتد من المحروسة مصر إلى المدينة المنورة، وكلها من تعب وكد وجهد ودم فقراء المصريين. وعلى هذا الأساس السبي والخراج والغزو قامت ما تسمى بحضارة لصوص الخراج الكبار ويطلقون عليها أيضاً اسم الحضارة العربية والإسلامية ويقيمون لها المهرجانات الثقافية التي تحتفل ويتم التذكير بها كل سنه وتنظم المهرجانات بذكرى هذه المحرقة والهولوكوست الثقافي والدموي الخطير الذي أتى على أخضر ويابس هذه المنطقة.

ويتباهى، مثلاً، كثيرون من مؤيدي الغزو البدوي، والدعاة المعجبين بالسبي واللصوصية والخراج بعبارة هارون الرشيد التي خاطب بها الغيمة الشاردة في كبد السماء قائلاً، أمطري حيثما شئت فسيأتيني خراجك. (كان هارون الرشيد إمبراطور ذلك الزمان الوحيد كذلك الحال بالنسبة لجورج بوش إمبراطور هذا الزمان الفريد). هكذا. وبعيداً عن النزعة الاستغلالية والنهبوية اللا أخلاقية في هذه العبارة، فإنها تنطوي على غطرسة استعمارية بدوية فاحشة وغرور أحمق يستدعي الخجل والاعتذار بحق كل من تضرر وتأذى من تداعيات الحملة البربرية البدوية ضد شعوب المنطقة والجوار تحت الرايات المقدسة، ولا تستدعي أي نوع من الفخر والاعتزاز. والأنكى من ذلك أن هذه العبارة تدرس للتلاميذ الصغار، وتحشى بها أدمغتهم الغضة اليافعة، فيتحولون حين يكبرون إلى مشاريع لصوص يقلدون كبارهم وخلفاءهم ومن هم في حكم المقدس في عقلهم الباطن. ومن هنا يجب ألا نفاجئ بحجم الفساد الهائل وعدد اللصوص والحرامية النشترية العرب المنتشرين بين ظهرانينا بأكثر من القلب على الهم، وبأنهم سادة المجتمعات العربية بلا منازع، ويحظون بكل تقدير وإعجاب وتبجيل واهتمام. فلهذه اللصوصية والميل الغريزي والطبيعي نحوها له ما يسنده في تراث لصوص العرب الغزاة الكبار القدماء وقاطعي الطريق الذين روعوا السكان الآمنين، ومن يطلق عليهم بالخلفاء والولاء والسلف الصالح جداً الذي مات أغلبهم وهو يكتنز الذهب والفضة والسبايا من فارس وبلاد الشام ومصر وأرض الرافدين مهد حضارة الإنسان. فالعربي اليوم يفخر في عموم هذه المنظومة القهرية لكونه لصاً، بينما يطأطئ الفلاسفة والكتاب والشعراء والأطباء والشرفاء رؤوسهم ويتوارون خجلاً، إذ لا مكان لهم بين العربان. وتعتبر الدول العربية والإسلامية في ذيل دول العالم في مؤشرات الفساد واللصوصية والشفافية بسبب شيوع ثقافة الخراج ومؤيديها، فالنهب والسلب والسبي واستسهال قنص مال وعرض ودم الغير هو تقليد متأصل في عمق الوجدان والذاكرة والثقافة والموروث الشعبي في هذه البلدان( يقوم بعض أعضاء الجماعات إياها، في مصر بحرق وسبي محلات الأقباط بحجة أنها حلال وملكيتها تعود للكفار حسب اعتقادهم وكله مسند بفتاوى شرعية من هنا وهناك). وهذا ما جعل من جميع هذه الدول دولاً فاشلة وكل الحمد والشكر لله، بلا منازع، لأن القضية ثقافية وفكرية ووجدانية بالدرجة الأولى، فكما تفكر تكون، وليست سياسية البتة. فهل عرفنا سبب استشراء الفساد واستحالة الإصلاح ما لم تتبدل الثقافة والعقل الجمعي العام وليس كما تقول بعض المعارضات البائسة أن تغيير شخص أو نظام هو الحل السحري لمشكلة الاستبداد والفساد؟

وفي العصر الحديث انضم جورج بوش، "خليفة" الأمريكان لفترتين متتاليتين( فالقضية كما نرى ليست قضية تسمية ومصطلحات إنما قضية أفعال وسلوكيات)، إلى قائمة لصوص الخراج الكبار في التاريخ، فطمع صاحبنا وأغراه نفط العراق الذي "تنتجه" أرض الرافدين، كما أغرت الشام ومصر والعراق لصوص البدو الكبار، فغزا العراق تحت الرايات الديمقراطية هذه المرة، مغلفة بنكهة مقدسة، مثل أصحابنا و"حبايبنا" البدو، وعيـّن الوالي الأمريكي البدوي بول بريمر، وليس "بول البعير"، والياً على العراق، تماماً كهارون الرشيد ليجبي ما يتيسر له من نفط، ويرسله إلى بيت مال "الكفار"، هذه المرة، في واشنطن حيث الصدر والحبر الأكبر، والخليفة العادل، العم جورج بن بوش عليه أطيب السلام، الذي كان يحج له ولاة الأعراب زرافات وقطعاناً للتسليم له بالبيعة كخليفة مطلق على سائر ولايات الأعراب، والعراق بالذات. ومن هنا لا أجد أي فرق بين بول بريمر، وهارون الرشيد أو الحجاج حيث ولي الجميع على حكم بلد عظيم و"دسم" قديماً وحديثاً كالعراق. فهارون الرشيد بدوي من ما يسمى ب الجزيرة العربية، (مثله مثل معاوية الأموي الذي منح بلداً عظيماً كالشام)، ولا حق له في حكم بلد مجاور كالعراق الذي يجب أن يحكمه أهله، وأتي به الغزاة البدو لحكم العراق، وبول بريمر، وبنفس السياق هو كاوبوي أو بدوي أمريكي آخر أتى به الغزاة البدو الأطلسيون لحكم العراق. وهكذا هي الحياة نداولها بين الغزاة. فلماذا نصفق للغازي والمستعمر والحاكم البدوي وندين ونستنكر ونشجب المستعمر والغازي الأطلسي؟ (لا كبير فرق بين البدو، والكاوبوي "فالكاوبوي" لصوص الخراج، هم بدو أمريكا تنقل وسبي وبطش وقتل" من حيث الاشتراك بثقافة الغزو والسبي والقتل ومن هنا نرى التحالف العضوي والمصيري والصداقة الحميمة بين الجانبين من خلال الاشتراك في ثقافة ورؤية واحدة يتفهمها الجانبان تماماً). ويشترك الاثنان في كونهما مجرد لصوص من لصوص الخراج الكبار في التاريخ، ومهما كانت الشعارات واليافطات. وأتخيل لسان حال بول بريمر وهو يرى النفط العراقي يتدفق من آبار العراق قائلاً: " اذهب إلى أي ميناء أو بلد في العالم فإن خراجك سيكون بالدولار وسيعود للخزانة الفيدرالية الأمريكية وبيت مال الإمبرياليين الكبار". هل ثمة فرق بين المنطقين؟

ومن هنا، أيضاً،إذا كان علينا أن نؤيد حضارة لصوص الخراج الكبار الأولى والسبي في التاريخ البدوي ونخضع لهم ونقدسهم وننزههم عن سوء النية والطوية، فعلينا أيضاً، وبالمقابل، أن نؤيد غزو الخليفة المعصوم جورج بوش البربري للعراق لسرقة نفطه تحت الرايات المقدسة إياها، ونجد له المبررات. إذ لا كبير فرق بين هذا وذاك، فلكل مبرره الإيديولوجي، ولكن أخلاقية وقيمية ذاك المبرر هي المحك والأساس؟

إن عبارة هارون الرشيد الشهيرة هي مدعاة للخجل والخزي والاعتذار من كل الشعوب المنهوية، وهي في نفس الوقت، المدخل الى أخلاق وثقافة اللصوصية والسبي والغزو الفساد العام وشرعنة الاحتلال وجمع الخراج غير الشرعي، ويجب ألا تعلم للصغار، وتزال من كتب التاريخ في الحال.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز