نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لا للنقاب، لا لثقافة التصحر والغباء

لا أمن ولا أمن مع الإسلامويين والمتأسلمين وتجار الدين ممن يقدّمون  الشكل على الجوهر والطقوس على حقيقة ما في النفوس. لقد كان هذا ديدن هذا التيار المتحالف تاريخياً مع الكهنوت السياسي الذي جير ووظف القوة العاطفية والزخم الإيماني القوي والرؤى الأسطورية المتجذرة لدى هذه الشعوب في سبيل خدمة مصالحه السلطوية على مدى 1400 عام من تاريخ المنطقة والنتيجة القاتلة أن خرجت شعوبها وكل الحمد والشكر لله من التاريخ والجغرافيا، صفر اليدين ومن دون أي إنجاز.
 
فالنقاب، وكما نعلم جميعاً، هو، وقبل أي شيء آخر، ثقافة وعادة صحراوية بدوية ونمط عبودي تبضيعي وتشييئي وتنميطي وتجنيسي وتسليعي للمرأة،  فرضته ظروف العيش القاسية القاحلة المعزولة في الصحارى النائية وتحجر التفكير، في زمن ومكان ما، وهي لذلك تعكس تفكيراً وطريقة حياة محلية وخاصة بزمان ومكان وفاقدة الصلاحية لم تعد ملائمة، وغير قابلة للحياة، ولا يجب ربطها بأية قداسة أو إعطاؤها بعداً قيمياً لا تستحقه، في ظل ولادة قيم وأفكار وطرق حياة وأدبيات جديدة فرضتها طبيعة تطور الحياة المنطقي. والنقاب، بالدرجة الأولى، هو زي غير قانوني على الإطلاق، من الناحية القانونية. ونعلم جميعاً من يتلثم ولأي سبب يتلثم ومن هو الذي يحاول ألا يكون معروفاً بين الناس أو "يتخفى" دائماً لسبب ما. ولا يمكن لأي إنسان أن يعيش هكذا متخفياً، وراء أقنعة طوال حياته، وسط الناس في مجتمعات تتطلب الاختلاط والتعامل المباشر وضرورة أن يكون الشخص معروفاً للجميع. وإذا كانت القيم الحياة القبلية والصحراوية والبدوية المغلقة والمتوجسة من كل شيء استطاعت أن تنتج هذا النمط السلوكي، فهذا لا يعني بحال انسحابه وضرورة تقبله وإمكانية تطبيقه في مجتمعات اعتادت على الشفافية والانفتاح. وما يبدو مقبولاً وضرورياً في زمن ومكان ما، قد لا يبدو مقبولاً في زمن ومكان خر.

 لكن، اليوم، وبحكم شيوع الثقافة البدوية وتمدد الثقافة الصحراوية ورموزها الكبار بفعل السطوة البترودولارية ، وبتواطؤ وتحلف معلن بين هذه التيارات الظلامية ومن يقف وراءها مع قوى  الشر والاستعمار العالمي والإمبريالية  الأميركية وضلعها الأول إسرائيل لإبقاء هذه الشعوب في حالة من الجهل المطبق والبداوة والبدائية وإعادتها لسيرتها الأولى فأجمل هدية تقدم لإسرائيل هي وجود شعوب ضعيفة جاهلة  ضائعة شاخرة مفككة تتصارع على الفتاوى والتحريم والتحليل، استطاعت هذه الثقافة التي كانت تعاني سكرات النفط قبيل اكتشاف النفط أن تعود للحياة والتغلغل والنفوذ إلى مجتمعات أخرى مع امتلاك وسائل الإعلام وماكينات دعاية جبارة التي استطاعت أن تؤثر في العقول لتضخ تلك الثقافة مرة  في مجتمعات لم تستطع أن تمتلك بدائل ثقافية.  لكن بكل الأحوال، إن هذه السطوة الإعلامية والقوة المالية البترودولارية لن تجعل لا من تلك الثقافة، بالضرورة، ولا من أصحابها قوى شرعية أو مقدسة يجب أن تفرض نفسها على مجتمعات أخرى، هم أحرار في مجتمعاتهم لكن المجتمعات الأخرى حرام عليهم ومسدودة أمامهم وأمام توغلهم الشيطاني. ولا يمكن لتلك الثقافة الرثة الفارغة من أية مضامين قيمية وجمالية وإنسانية أن تكون بديلاً عما تطمح وتصبو إليه شعوب المنطقة من تحرر وعصرنة وتحديث وحياة تليق بالبشر البني آدميين، لا أشباه البشر المعلبين بأطر ثقافية وفكرية متحجرة وبائدة، أو مظاهر شكلانية رثة ومقززة كالنقاب والدشداشة والغترة والعقال التي فقدت وظائفها الحيوية والإنسانية وأصبحت تعبر وبكل أسف، عن نمط ظلامي قهري أسود جلف معاد لكل قيمة ولكل جمال، ومتطرف في معاداته للإنسانية جمعاء، ولعلها واحدة من فضائل النفط أن كشفت كنه وطبيعة تلك الثقافة على ذاك النحو المجرد غير العقلاني وغير الإنساني وشديد الغباء.

وهناك إشكالية كبرى بدأت تظهر ملامحها في المجتمعات العلمانية وهي استغلال قوى الظلام والتطرف لمناخات وقيم العلمانية وتسامحها مع الجميع في أي بلد من بلدان العالم للتسلل إليها وفرض ثقافتها عليها بحجة ممارسة الحرية الشخصية.  فهذه الثقافة غير المتصالحة أبداً لا مع نفسها ولا مع الآخر، وحين نقول بأنها غير متصالحة مع ذاتها، نعني  أن الانشقاقات والخلافات والتذرير داخل التيار الديني والصراعات المزمنة فيما بين أجنحته المختلفة هي أقوى من أي صراع مع أي كان، نقول هذه الثقافة ونمط العيش لا يمكن أن تكون حلاً لأي مجتمع كان إن كانت هي تعاني وتتصارع مع ذاتها وتسبب هذا الكم الهائل من التشرذم والتحلل والانقسام والصدام، فكيف ستكون علاجاً وحلاً للآخر؟

يتذرع كثيرون بأن النقاب يقع تحت يافطة الحرية الشخصية وممارسة خاصة بالمنقبة وهو حماية وعفة لها. وللرد على ذلك لا بد من القول أن للحرية الشخصية شروطها وضوابطها فالحرية ليست مطلقة لاسيما إذا تعارضت واصطدمت مع الآخر وقيمه وهددت وجوده. فالانتحار يقع أيضاً ضمن إطار الحرية الشخصية ولكن هل يسمح لأي كان بالانتحار؟ ألا تعارض حتى ما يسمى بالشرائع السماوية قضية الانتحار وتكفر من يقوم بها رغم أنها حرية للمرء للتصرف بجسده وحياته وروحه؟ كما لا يمكن لقطعة قماش أن تكون مقياساً للشرف أو أن تتحكم بغرائز الإنسان الطبيعية والحيوية التي تتطلب جملة ومنظومة متكاملة من الآليات التربوية والتثقيفية والعلمية أعقد بكثير مما يراه أصحاب الحلول الجاهزة والسريعة والسحرية من أن قطعة قماش قد تكون حلاً لمشكلة الفضيلة التي لم تجد لها البشرية حلاً حتى الآن، ولن نتكلم البتة عن حالات البغاء والشذوذ والانحراف الجنسي والميل نحو الأطفال والمثلية والسحاق في نفس تلك المجتمعات التي صدّرت لنا كل هذه المصائب والآفات. وإذا كانت قطعة القماش حلاً سحرياً لقضايا الشرف والأخلاق، فما هو الداعي إذن للشريعة والقوانين وكل ذاك الركام من الفقه حول الفضيلة والأخلاق؟

إن حماية المجتمع السوري المنفتح والعظيم من خطر الثقافات الدموية الهدامة والتكفيرية هو مسؤولية وطنية وأخلاقية وأمنية كبرى تتطلب الحل والعلاج والتحرك على كافة المستويات، بعد أن تفشى الطاعون الظلامي وتسرطنت البداوة البترودولارية في عموم المنطقة.  ومن هنا فقد كان قرار إبعاد المعلمات عن سلك التعليم نظراً لما لهذا السلك من أهمية في قولبة العقل الجمعي، قراراً حكيماً وشجاعاً للغاية ومنتظراً وترسيخاً لسوريا كقلعة أخيرة للعلمانية والانفتاح المجتمعي والوحيدة الباقية من بين ما يسمى بدول الوطن العربي، والمتسامحة مع كل أنماط الحياة والثقافات التي تجد لها مكاناً لائقاً ومحترماً في عمق المجتمع السوري، ، لكن هذا التسامح وهذا الانفتاح، ومن منظور علماني بحت، لا يعني غلبة وتسيد نمط أحادي على غيره ومحاولة فرض رؤاه وأنماطه الحياتية بقسرية تكريهية في مجتمع يتمتع ويتميز بثراه العرقي والإثني والطائفي،  وتحت أية حجة وذريعة كامتلاك الحقيقة والنجاة وغيره مما نتحف به يومياً من تبريرات للتمدد والتسيد والاستقواء بغوغائية مستفشرة وثقافة الدهماء وأساطير التي لم تعد تقنع أياً كان. هذا الوضع الخطير يتطلب أول ما يتطلب الابتعاد كلياً حماية المجتمع ككل، ومحاربة الزحف الظلامي الأسود والممنهج، ومحاولة وضع كل الأطر القانونية للحد من خطورته على السلام والأمن المجتمعيين، حيث يجب أن تكون الغلبة الأولى والأخيرة لقيم العدالة والأخوة والمواطنة والمساواة. ونتمنى لكل المجتمعات أن تحذو حذو سوريا في منع النقاب، تلك العادة الصحراوية البدوية غير القانونية، والتي لم يكن لها وجود قبل زمن النفط الأغبر، وذلك حماية لمجتمعاتها من الانهيار والانقراض. وتلك الثقافة لم تفلح خلال 1400 عام في بناء إنسان ومجتمعات صحية متعافية ومتكاملة، حتى تفلح اليوم في ذلك، وفي واحدة من أسوأ حقبها، وأشدها ظلاماً وقتامة وسواد.

(كان هذا فحوى وملخص لمقابلة أجريت أول من أمس مع كاتب هذه السطور، والذي كان ضيفاً "مزعجاً"، في برنامج الرأي الحر في قناة الحوار التي تبث من لندن).







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز