سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أفغانستان...دحر الغزاة وضرورة تجدد الفكر

 

تأبى أفغانستان إلا أن تكون كما وصفها العديد من الباحثين والمهتمين «مقبرة الغزاة» وقدر الله في القوى والإمبراطوريات العظمى ؛فأفغانستان لم تخضع لغاز أو مستعمر ،وبقيت عصية على الكسر،وحتى في حال سيطر جيش أجنبي عليها فهذا يكون لفترة محدودة تتخللها الاضطرابات وعدم الاستقرار ثم بدء القتل في الجيش الغازي على يد مقاتلي الأفغان ،وينتهي الغزو بهزيمة نكراء؛فأفغانستان استعصت جبالها الوعرة على الاسكندر المقدوني؛وأفغانستان هزمت الجيوش البريطانية التي كانت تمثل الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس مرتين في القرن التاسع عشر؛وأفغانستان هزمت الجيش الأحمر السوفياتي في ثمانينيات القرن العشرين شر هزيمة وكانت سببا في انفراط عقد الشيوعية.

هزيمة وشيكة لأمريكا

واليوم نحن على أبواب تكرار السيناريو من جديد مع الجيش الأمريكي وحلفائه؛أي أن انكسار القوات الأمريكية وهي العمود الفقري والركن الأساسي لحلف الناتو في بلاد الأفغان بات وشيكا،والبعض أو ربما الجميع  يتخيل فرار حميد كرزاي إلى واشنطن –إذا قبلت استقباله- أو إلى دولة أخرى ليصبح نسيا منسيا ما خلا إطلالات إعلامية كل فترة،لنسمع عن وفاته غريبا عن بلاده لاحقا،هذا إذا لم يلاق مصير نجيب الله على يد الرجال الأشداء الذين يحكمون السيطرة يوميا على بلادهم المحتلة،وبات أمر وصولهم إلى كابل مسألة وقت ليس إلا ،فنحن بلا شك على أبواب هزيمة نكراء للقوة الأعظم في العالم تمهيدا لانتهاء عصر القطب الواحد.

الأسباب كثيرة ومتنوعة؛منها تضاريس تلك البلاد وجبالها الوعرة؛والعديد من العلماء يرون أن سكان منطقة أو إقليم ما يكتسبون مع مرور الزمن بعضا من صفاته ؛فالأفغان اكتسبوا الصلابة والأنفة والقدرة على التحمل والحياة في ظروف صعبة،ومنها أو قبلها الرفض الغريزي للشعوب عامة وللشعب الأفغاني خاصة لسيطرة الأجنبي ،وما يرافق تلك السيطرة من جرائم وانتهاكات،فالأمريكيون يكررون جرائم السوفييت بقتلهم للمدنيين وانتهاك حرمة البيوت والقصف المتعمد للمساجد وحفلات الأعراس،وما يتولد عن ذلك من رغبة في الثأر يعرفها كل من له ولو معلومات سطحية عن أفغانستان ،ومنها أن أفغانستان كانت جزءا من «لعبة الأمم» في القرنين الماضيين وهي ما تزال كذلك حتى الآن،ولقد كان المهندس قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني صريحا من هذه الناحية فور بدء الغزو الأمريكي لبلاده حين تحدث باللغة العربية على شاشة قناة الجزيرة بأن روسيا والصين وإيران لن تسمح لأمريكا بالسيطرة على أفغانستان؛فالمتحدث رجل متمرس حارب السوفييت ،وخاض غمار النزاعات مع القوى والأحزاب الأخرى،واليوم هو في حرب مع أمريكا ومتحالف مع طالبان والقاعدة في هذه الحرب،ويدرك بخبرته ما تمثله بلاده للقوى العظمى والكبرى والإقليمية،وكأن السيناريو يتكرر بطريقة مقلوبة؛فكما سعت أمريكا لهزيمة السوفييت في أفغانستان،تلعب روسيا والصين ذات اللعبة مع أمريكا ولكن بشكل مستتر وخفي،ولعل الإعلان عن اكتشاف كنز من المعادن تقدر قيمته بتريليون دولار يزيد من أوار الصراع.

لا يتعلمون من التاريخ

 رغم التحذيرات التي أطلقها باحثون وصحافيون كبار في الغرب من أن الحرب على أفغانستان محكومة سلفا بالهزيمة والفشل ،إلا أن بوش ومن خلفه أوباما لم يتعظا من دروس التاريخ الطويل،وكان هناك بعض المطبلين والمزمرين للمشروع الأمريكي،الذين اعتبروا أن أمريكا حالة خاصة لا مثيل لها في كل شيء،بما في ذلك غزو أفغانستان وفرض نظام موال لها هناك،واعتبروا بأن ظهور فتيات حاسرات الرأس ورجال حليقي الذقن وافتتاح محلات لترويج أسطوانات الديسكو نصرا ما بعده نصر،والنتيجة كما نراها بعد نحو عقد من بدء الغزو الأمريكي-الأطلسي لبلاد الأفغان،وما فضيحة الجنرال ماكريستال إلا انكشافا لبعض جوانب الوضع.

لو انسحب الجيش الأحمر ضمن ترتيبات تحفظ لموسكو ماء وجهها عام 1985م من أفغانستان لكان من السهل تضميد الجراح السوفييتية،لكنهم أصروا على التحدي الذي أفضى إلى هزيمة واندحار بلا ماء وجه،والحال ينسحب على أمريكا اليوم،وهذه سنة الله في الجبابرة؛فهم أولا لا يتعظون بمن سبقهم وينظرون إلى أنفسهم كحالة استثنائية في تاريخ وسيرة الغزو والاحتلال ،وأيضا مصابون بالكبرياء الأحمق،فينظرون إلى شعب أفغانستان من زاوية كونه يعيش بلا وسائل التكنولوجيا والرفاهية الحديثة وتنتشر الأمية في صفوفه ويتسم بالبدائية عموما،فيظنون أنهم قادرون على الغزو وتثبيت نتائجه،وما دروا أن هذه الحياة البدائية فيها مقتلهم وتفوق أصحابها عليهم،وأن الأفغان مقاتلون بالفطرة والنشأة،والأيام حبلى بالتفاعلات والتطورات التي ستقود أمريكا إلى هزيمة جديدة،وإذا كان هناك مثل شعبي يقول«الهريبة ثلثين المراجل» فالحال مع أفغانستان هو أن الهرب هو المخرج الوحيد وقمة الحكمة،ولكن هؤلاء قوم أقوياء بلا حكمة ،عضلات بلا عقل،ولمن أراد التمعن والتوسع أكثر في الاستراتيجية الأطلسية الفاشلة في أفغانستان فليقرأ ما كتبه د.أكرم حجازي تحت عنوان «أفغانستان قدر الله في الامبراطوريات العظمى».

 

وجوب استخلاص الدروس

 

ما دام العدو والصديق يقرّ بقرب هزيمة أمريكا في أفغانستان،فالواجب على الأمة استخلاص الدروس من تاريخ طويل مع هذا البلد،ويتوجب مراجعة التجربة الأفغانية والتجربة العربية الجهادية في أفغانستان من منظور نقدي بعيدا عن التشنجات والانفعالات والحساسيات.

وأعلم أن مثل هكذا مراجعة تكاد تكون محظورة،ونحن لا زلنا نذكر كيف تم إيقاف بث مسلسل «الطريق إلى كابل» استنادا إلى حجج ومبررات لا تقنع حتى السذّج،ولكن هذا يدفعنا إلى التعمق أكثر ونقد التجربة بناء على العناوين والملاحظات التالية:-

أولا: ما دامت أفغانستان مقبرة الغزاة وشعبها قادر على الدفاع عن أرضه ومجاهدة غزاتها لماذا تم إرسال الشباب العرب إلى تلك الديار؟ومن الذي رتب ذلك؟هناك أجوبة واضحة،وأمور انكشفت تماما بهذا الخصوص،ولكي لا يساء الظن بي فإنني لا أشكك البتة في الرجال العرب الذين خرجوا من ديارهم للجهاد في بلاد الأفغان،حيث أرادوا رفع الضيم عن بلد مسلم انتهك من قبل جيش دولة ترفع شعار «لا إله والحياة مادة والدين أفيون الشعوب»،فهؤلاء رجال استحوذت على قلوبهم قوة العقيدة ورسوخها،وفارت في دمائهم النخوة والمروءة ،وعمّر الإخلاص وحب الجهاد والاستشهاد قلوبهم،فلست أرمي هنا إلى التشكيك بنواياهم،إنما على المؤمن أن يكون كيّسا فطنا؛فهناك أسئلة كثيرة شائكة ؛منها على سبيل المثال لا الحصر كيف تسمح بعض الدول التي كانت تدور في فلك موسكو لشباب من مواطنيها بالخروج لمحاربة الجيش الأحمر؟ ولماذا غاب عن الدعاة الذين تولوا عملية الحشد باتجاه أفغانستان أن هناك بلادا لها ما لها من القداسة احتلت قبل أفغانستان بثلاثين سنة وهي فلسطين،وأهل فلسطين ليسوا كالأفغان في مسألة لعبة الأمم حيث أن إسرائيل التي أقيمت عنوة فوق أرضهم اعترفت بها واشنطن وموسكو فورا ،وقبلها سهلت بريطانيا هذا الاغتصاب والاحتلال،كما أن القاعدة القرآنية واضحة في هذه المسألة :-

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» /التوبة 123

فالأولى هو الجهاد في فلسطين ،ولا مجال لقبول الحجة المكررة أن الدول العربية لا تسمح، فلو أن الطاقات والجهود التي بذلت في أفغانستان بذلت من أجل فلسطين لتحطمت نظرية«لا تسمح» وكان يمكن الاكتفاء بدعم إعلامي ومعنوي وعمليات إغاثة طبية وغذائية دون الانخراط في العمل المسلح هناك بهذا الحجم،لأن أهل تلك البلاد لديهم الرجال الأشداء الذين يستطيعون الدفاع عن بلادهم،كما أنهم أعرف بتضاريس ومناخ وطبيعة أرضهم.

ثانيا:  وقوع هؤلاء الشباب فريسة للتطاحن والاقتتال الداخلي بين مختلف الفصائل والقوى الأفغانية،والذين تمكنوا من العودة إلى ديارهم دُمغوا بالوصف الشهير «الأفغان العرب» وأصبحوا منبوذين ملاحقين من أجهزة الأمن في ديارهم ،وكان مصير العديد منهم أعواد المشانق أو الزج في السجون،أما الكارثة الأكبر والأعظم فهو تمكن الأمريكان من رشوة أمراء الحرب وبعض زعماء القبائل لتسليم العديد من العرب،حتى ممن يعملون في مجالات الإعلام والإغاثة حيث وقعوا في أيدي المجرمين الساديين في غوانتانامو وباغرام وتعرضوا لأبشع أصناف التعذيب الممنهج ،وتعرضت زوجاتهم وبناتهم للتنكيل والاعتداء، وتواترت الأخبار عن بحث الأوباش عن العربي كسلعة ثمينة تؤسر وتباع للأمريكي السادي ،وكأن هذا جزاء العرب بعد أن تركوا ديارهم وجاءوا إلى تلك البلاد لمساعدة أهلها ورفع الظلم عنهم،من يتحمل وزر هؤلاء ،أو لنقل جزءا من هذا الوزر؟يجب أن يتحلى أهل الفكر والدعوة بالحكمة والشجاعة وتقديم دراسة نقدية تنشر على أوسع نطاق حول ما جرى،وأحسب هؤلاء الرجال حين خرجوا للجهاد من بلادهم طلبا للنصر أو الشهادة وليس للسقوط في براثن مجموعة من القتلة الوحوش ،وأن يسلمهم لهم من يفترض أن يحموهم ويؤووهم ،أليس كذلك؟!

ثالثا:  بعض الذين جاهدوا في أفغانستان وجدوا لهم مأوى في بلاد أوروبية،فتحت لهم أبوابها،وعاشوا فيها،وخصصت لهم مصاريف تسد رمقهم،بل ربما سمح لبعضهم بالعمل بحرية،وهؤلاء يدركون أنهم لو كانوا في بلادهم لكانوا مطاردين ملاحقين ،وهم في حالة اتهام إلى أن يثبت العكس من وجهة نظر النظم البوليسية ولن يثبت حتى يكونوا من أصحاب القبور،وإذا نجوا من المشانق والسجون،فإن أبواب الرزق تسد في وجوههم ،وإذا كان أحدهم يحمل شهادة في الطب لن يسمحوا له بممارسة المهنة،بل لربما لم يمنح أحدهم رخصة لفتح كشك بيع العصير والصحف في أحد شوارع مدينته،وبات كل من يتواصل معهم مشبوها،أعلم أن هناك بعض الدول العربية أعادت دمجهم في المجتمع فيسرت لهم سبل العلم والتعلم وغيرها،لكن السمة العامة كانت التضييق والملاحقة،فيما نعموا في ملاجئهم الأوروبية بحرية يشتهيها مواطنون عاديون في بلاد العرب،فكيف قابل هؤلاء هذه المعاملة؟أو العديد منهم،كي لا نقع في التعميم الذميم،لقد أخذوا يحرضون على البلاد التي فيها يقيمون ،وينعتونها بأوصاف سمعناها جميعا،بل تورط بعضهم في عمليات ضد أمن البلاد  التي آوتهم ،وفي ذلكم مخالفة شرعية،وعدم اتباع النصيحة الذهبية:يا غريب كن أديبا،أنا لا أدافع عن سياسات الدول الأوروبية،فهي معروفة،ولكن من اختار أن يقيم بينهم عليه أن يلتزم بقوانينهم،أو أن يسعى لتغييرها بالوسائل المتاحة،وألا يتسبب في مشكلة للجاليات المسلمة هناك،وهذا ما حدث بالفعل،وبإمكانه استغلال مساحات الحرية هناك لمحاربة وفضح الصهاينة،وتشكيل مجموعات ضغط (لوبيات) ومحاولة انتزاع نظم وقوانين تحفظ حقوق أبناء جاليته المسلمة،لا أن يكون السبب في انتزاع ما بيدها من حقوق ومكتسبات لطالما عمل غيره على تحقيقها.

رابعا:  هناك من دعا فور بدء الغزو الأمريكي لمبايعة طالبان والملا محمد عمر؛ولوضع النقاط على الحروف أقول:إن تأييد جهاد طالبان ودفاعها عن أرضها وشعبها في وجه الغزو الأمريكي الهمجي الظالم ،لا يعني تقبل رؤيتها لنظام وطريقة الحكم في الإسلام،فكلنا يتذكر كيف انشغلت طالبان بسطحيات المسائل والمظاهر،وكيف خالفت حتى المذهب الحنفي الذي يفترض أنها تنتسب إليه،وهو مذهب الاستحسان،ونتذكر كيف جعلوا شغلهم الشاغل تمثال بوذا ونسبوا لأنفسهم فقها يفوق فقه الصحابة في هذا الموضوع،ولم يسمعوا لنصائح علماء أفقه منهم وأدرى بالكتاب والسنة.

يقال بأن الاسكندر المقدوني قائد عسكري فذّ لا يشق له غبار،ولا يعرف تاريخه الهزيمة،ولكنه من الناحية الإدارية على نقيض ذلك،وهذا ما حدث مع العديد من التجارب الإسلامية قديما وحديثا،وهو ما لا يجوز،لأن الإسلام نظام متكامل وفيه أجوبة عن كل شؤون الحياة،ووجب على طالبان ومن يتبنى منهجها أن يستخلصوا الدروس وألا يعودوا بعد دحر الغزاة إلى المربع المنغلق الذي لا يقيم الدين القيم ولا يصلح أمر الدنيا.

مراجعة وتجديد الفكر

لدينا مشكلة فكرية كبيرة؛ليس لقلة وجود المفكرين وأهل الرأي والحكمة،بل لانقطاع جزء من هؤلاء عن التواصل مع القوى الفاعلة والمؤثرة في المجتمع،أو لعدم قدرة من يتواصلون على التأثير لأنهم لا يملكون أدواته كالمال والقوة؛فقبل نحو 110 سنوات صرخ السيد عبد الرحمن الكواكبي مشيرا إلى أصل الداء والبلاء «الاستبداد السياسي» دون جدوى ،بل ذهبت صرخاته في واد،وتكاد تقتلع كل الأوتاد كما توقع هو رحمة الله عليه.

نحن ننتصر في دحر الغزاة،ولكن في نظام الإدارة لدينا مشكلة،فلا لوم على صلاح الدين ،رضي الله عنه،فقد كان مشغولا بالجهاد،ولم يكن الوقت مناسبا للدخول في السجالات الفكرية،أو بناء نظام سياسي جديد يختلف عن القائم،ولكننا نكتشف الحاجة لنظام سياسي متجدد قائم على الشورى عند كل منعطف؛فالملك الكامل الأيوبي (ابن الملك العادل أخو صلاح الدين) سلّم القدس للصليبيين بعد تحريرها بخمسة وثلاثين عاما  وضيّع ما بذل من جهد لتخليصها من الصليبيين،ولكن لم كان القرار له ولمن نازعه هو ووالده الملك؟لأن التوريث كان صنو البلاد منذ قرون وهكذا تكون النتيجة.

وبعد ذلك حين دخل المغول إلى بغداد وداسوا على الخليفة في قصره بعد أن أذلوه،وقد عرف عنه اللهو،وإهمال الجند والعلماء،فأين هو من أحد أجداده الذي خاطب أحد العلوج بـ«كلب الروم»، وآخر قطع السهول والوديان والجبال إلى عمورية لأن امرأة استصرخته...وما حال الدولة العثمانية التي وصل بها الحال يوما إلا منع السفن الأوروبية من الإبحار في البحر الأحمر باعتباره امتدادا لمكة المكرمة ووصلت إلى عتبات فينا عن أسلافها ببعيد،فقد أصبحت الرجل المريض وتقاسم أراضيها الروس والإنجليز والفرنسيون والطليان،وأقاموا إسرائيل فوق فلسطين التي كانت من ضمن أملاكها،وهكذا يكون التوريث ،أشبه بحال بعض العائلات والطوائف التي لا تتزاوج إلا فيما بينها،ومع الزمن يذوي النسل ويتولد مشوّهون في العقل والخلقة.

لقد ضاعت الأندلس من المسلمين ولم يتبق منها إلا قصورا ودورا وموشحات بسبب نظم الحكم الفاسدة التي تقبل السقوط أمام الغزاة،وضاعت جهود ودماء الأجداد من الشهداء والمجاهدين الذين بذلوا الغالي والنفيس ليوصلوا الأمة إلى المجد.

وها هي فلسطين محتلة منذ عقود والمسجد الأقصى مغتصب منذ أكثر من أربعة عقود،وخطر الهدم يتهدده، وعملية تهويد القدس تتسارع،وحال الأمة بين باك ومتفرج وشامت ومتواطئ وعاجز وحائر ومنشغل بالفروع عن الأصول ،ومنصرف نحو توافه الأمور،لأنه ليس للأمة بين الأمم منبر للسيف أو للقلم كما قال عمر أبو ريشة ذات يوم!

إن النظام السياسي المختل يقود إلى الضعف أمام المحتل،ومن أهم المظاهر نشوء مراكز القوى أو الممالك أو الدول أو غيرها بحيث تختلف وتتقاتل وتنسى الخطر المركزي المحدق بالأمة،فلو تمعنا في التاريخ؛فكيف بقي المسجد الأقصى محتلا وإسطبلا لخيول الفرنجة نحو تسعين عاما؟وحتى ونحن نتحدث عن أفغانستان لا ننسى أنه وبعد انسحاب الجيش الأحمر صمدت حكومة نجيب الله نحو ثلاث سنوات رغم أن العديد من المحللين توقعوا سقوطها خلال أشهر معدودة،والسبب هو أن قوى المجاهدين وأحزابهم اختارت التناحر،وهناك من يفسر الأمر تفسيرا مذهبيا ساذجا،ولكن للتذكير كان هناك سبعة أحزاب سنية وثمانية شيعية،والكل تقريبا تحالف وتقاتل مع الكل،وحتى بعد سقوط كابل بأيام قليلة اندلعت الفتنة والاقتتال.  

إن التوريث وغياب الشورى التي عمل بها النبي،صلى الله عليه وسلم،وصحبه من المهاجرين والأنصار،وعمل بها أبو بكر مع عمر،وعمل بها عمر مع علي،رضي الله عنهم،وحين ترك المسلمون الشورى،ضعفوا وساد بلادهم الفقر وعمّ الاقتتال والظلم والفساد.

إن واجب علماء وحكماء الأمة أن يبلوروا نهجا متنورا قائما على فهم صحيح للإسلام على قاعدة «لا إفراط ولا تفريط» وما الجناس اللغوي بين مفردتي الحاكم والحكيم في لغتنا من فراغ،ولكن الحال لا يسر فعلى مدى قرون كان العلماء والحكماء ينقسمون إلى ثلاث فئات:فمنهم من اعتزل وانشغل بحاله أو بما لا علاقة له بالشأن العام،ومنهم من اختار أن يصدح بالحق فكان مصيره النفي أو السجن أو الجلد أو القتل،ومنهم من لعب الدور القبيح بتزيين سوء العمل للحاكم والسير في طريق الضلال واستمراء التضليل لتظهر الخسارة على كل الصعد والمستويات،ولكي تكون الهزيمة أمام الغزو الخارجي تحصيل حاصل،فمتى تعقد مصالحة بين الحكام والحكماء؟متى يكون لنا ابن عبد السلام(العز) جديد مع أمير ككقطز؟

إن من مقاصد الشريعة الأساسية حفظ النفس؛فهل ما يجري في الصومال يتلاءم مع هذا المقصد؟وهل الذين ينظِّرون لنماذج حكم غير قائمة على الشورى،ولا تأخذ من الأصالة إلا قشورها،وتأبى المعاصرة أو تخشاها يقودون الأمة نحو سعادة الدنيا والفوز بالآخرة؟كلا والله.

لقد امتنع محمد،صلى الله عليه وسلم،عن إعادة بناء المسجد الحرام،لأن العرب حديثو عهد بالإسلام،فكيف بمن يطلب من أمة عاشت قرونا من الاستبداد وغياب الشورى ،وسنينا طويلة من الغزو والاحتلال،وخضعت لمؤثرات ثقافات أخرى ،ومؤامرات مدروسة ومحكمة،أن تكون كمثل الصحابة والتابعين؟قليل من الحكمة يا قوم.

الغزو الأمريكي لأفغانستان يوشك على الزوال،كغيره من محاولات الهيمنة عبر التاريخ،التي كانت الأمة ،ولو بعد حين تتغلب عليها وتدحرها،ولكن أزمة الفكر،ومشكلة الإدارة السياسية،يجب أن يتصدى لها أهل العلم والحكمة والفكر،وأن يكون لهم من أهل الحكم والإدارة مؤازرة وسندا،لأن الأصل في العلاقة التكامل لا التنافر،وعسى الله أن يغير ما بأنفسنا ليتغير ويزول ما حلّ بنا. 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز