نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
كلهم يصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن

يتحول يوم الجمعة في الدول التي تطلق على نفسها صفة الإسلامية إلى يوم شلل وكسل وملل وحالة طوارئ وأحكام عرفية ممتدة لـ1400 عام، حيث يذر الناس البيع والشراء ويتوقفون عن كل نشاط، ويسود الحياة التوقف التام، وانقطاع العمل والنشاط ، وهدر مليارات ساعات الإنتاج، فيما يسميه المسلمون يوم عبادة وطاعة حيث أصبحت العبادة والطاعة تقترن بالشلل وتعطل المصالح العامة وانعدام الإنتاج وتوقف العمل فكم من مصلحة عطلت، وكم من مريض مات، وكم من فعالية أجهضت، وكم هدر من الساعات والأموال في لحظات العبادة والإيمان؟  لكن السؤال المهم، ما دام الأمر على تلك الأهمية القصوى والفائدة الكبرى في الطاعة والعبادة، فلـِمَ لا تكون كل أيام الأسبوع، بل أيام العمر، أيام جمع وعبادة متواصلة وطاعة تامة لا نفعل بها شيئاً على الإطلاق، وما زالت تحقق لبني البشر كل تلك السعادة والمنجزات العظيمة وكفى الله المؤمنين شر العمل والإنتاج؟ ولماذا تصر دول الإيمان على الاستمتاع بالعبادة والطاعة وحالة الطوارئ والأحكام العرفية فقط يوم الجمعة التي نتج عنها هدر تريليونات التريليونات من  الساعات في العبادة والطاعة من دون أثر ملموس، تقدم الغرب خلالها  بنفس تريليونات الساعات التي أنفقها المؤمنون في العبادة والطاعة، ومثلها من السنين الضوئية في التقدم والنجاح وأصبح الفارق الحضاري بين ما يعرف بدول الإيمان التي تقضي أوقاتها بالصلاة والعبادة، ودول الكفر والضلال كبيراً وهائلاً جداً.  ولا يمكن للدول المؤمنة، اليوم، ومهما حاولت وبذلت من تشدق كاذب وخطب عصماء، من أن تلحق بدول الكفر والضلال بشيء رغم أنها تنفق مليارات الساعات في العبادات والطاعة. وأصبح أولئك الذين لا يتعبدون ينعمون بالحياة وملذاتها ويرفهون عن أنفسهم، فيما نعاني من الفقر والبؤس والحرمان.

 

وحين ترى حشود المصلين والمؤمنين تتخيل أنك في واحة أمان وأن لا خطر عليك وأنك ستعيش للأبد في عواصمهم ومدنهم وقراهم، لكن الواقع يقول بأنك لن تدري بأية لحظة ستقع كارثة كبرى وتنفجر براكين وشلالات الدماء؟ وتتحول الخطب الدينية والوعظ والإرشاد إلى مناسبة لإخراج أسوأ ما في جوف هذه الثقافة من لعن وتكفير ودعوات بالقتل والموت وفتاوى للتهريج والإضحاك، و"اللي ما يشتري يتفرج ببلاش."

 

وفي نفس الوقت الذي يكون فيه قانون الطوارئ الدينية والأحكام العرفية سائداً في دول الإيمان أيام الجمع والأعياد، حيث لا حركة، ولا بركة، ولا عمل ولا إنتاج، (وطبعاً هذا يسري على أيام الدوام الرسمية إذ لا كبير فرق بين أيام العطل والأعياد)، يكون الغرب "الكافر" يعمل كخلية نحل بكافة طاقته، تدب الحياة والحركة والدماء والحيوية  كافة أوصاله وشرايينه ويستغل كل ثانية في الإنتاج والإبداع والعطاء وتقديم الرفاهية لمواطنيه وللإنسانية جمعاء. وتتحول أيام السبت والآحاد والأعياد إلى أيام فرح وسعادة  ومناسبات للاستمتاع والتمتع بالحياة، ولحظات تلاق واختلاط ووئام بين الأحبة والأصدقاء  وتبادل للتهاني والورود كما للشجون والأحلام والتطلعات،  وللتنزه في الحدائق والجبال والمنتجعات وتزدهر الأسواق وتعج المحال التجارية بالمتسوقين والزبائن والزوار.

 

وحين تتابع تلك الحشود الهائلة من "المؤمنين" والمتعبدين وهم يقومون بكل تلك الطقوس من الورع والتقوى والإيمان وإقامة الصلوات، في دول الإيمان، تعتقد أنك في الجنة أو في واحات من القديسين والملائكة الأطهار الأخيار، ولكن حين تذهب للشارع وتنخرط في الحياة العامة فيما يسمى بديار الإسلام، ترى العجب العجاب من الفساد والرشوة والدجل والنصب والاحتيال، وتتساءل في نفسك أين ذهب أولئك، ومن أين هبط هؤلاء؟ والأنكى أنك حين تطالع وسائل "إعلامهم" ما غيرها، ترى الرسميين بأبهى حللهم والابتسامات العذبة البريئة على وجوههم، وفي حالات من الورع والتقوى، ولا يبدؤون الكلام إلا ببسملة ولا ينهوه إلا بتحمد وتنسك وآيات من القرآن،  يتخلل حديثهم حوقلة وتعوذ ودعاء مع الديكورات والإضافات ولوازم المشهد الأخرى كالمسبحة واللحية أو عمامة وعقال وما شابه من وسائل نصب واحتيال، وتتساءل من أين تأتي إذن كل تلك القصص "الكاذبة" و"المغرضة"، عن الفساد والرشوة والظلم والتهب والتشليح والإفقار واللصوصية والقتل والسحل وتهريب الثروات والتنكيل وإذلال وقهر العباد ولماذا أثرى أثرياء العالم من دول الإيمان رغم الحديث والخطاب اللوذي والوردي عن ضرورة الزهد وهجر الحياة والملذات واحتقار المال والنهي عن كنز الذهب والفضة الذي يطالعنا به نفس وعاظ وأجراء أولئك الأثرياء الذين لا تسبع عيونهم إلا "كمشة" التراب؟ حتى صرت تخاف وترتعب، في الحقيقة، من هؤلاء بالذات أكثر من رعبك وخوفك من المشركين والكفار.  

 

كلهم يصلون، ويصومون، ويقرؤون القرآن، ويتعبدون، ويتضرعون، ومع ذلك لا تشعر بأي تغيير نوعي في السلوك والحياة ولا تشعر بذلك القدر الكافي والمطلوب من الراحة والاطمئنان والتقدم والنجاح الوطني وتحقيق الإنجازات بل نسب الفقر والبطالة والفساد والأمية بتزايد وارتفاع وكل الحمد والشكر لله، والأزمات في ارتفاع حاد كما الأسعار والانسداد العام في مجالات الحياة كافة. ولا تحس بأي أمن ولا أمان ولا سلام داخلي ولا اطمئنان وراحة مع أي من هؤلاء، ولا تقدر أن تعيش في مدنهم وبينهم إلا والوسواس الخناس يضرب دماغك صباح مساء من انفجار محتمل، ونيران كامنة تحت الرماد، وكوارث قادمة لا محال، ونفوس متوثبة ومتأهبة للثأر والانتقام، فلا أمن ولا أمان ولا تقدم ولا إنتاج ولا أمل البتة في عواصم ومدن الإيمان.

 

كلهم يصومون ويصلّون ويقرؤون القرآن ويتمسحون بالورع والتقوى والإيمان، والحمد لله، ولكن النتيجة كانت صفراً على الدوام وعلى كل المستويات، ولم يتقدموا ولا خطوة واحدة أو قيد أنملة إلى الأمام. إذ أن ثمة فجوة وهوة كبيرة وخطيرة بين الصورة والأصل، وبما لا يقاس، ورغم كل مظاهر الورع والدروشة والبهللة والإيمان، ومعظم دول الإيمان هي دول مهددة بأمنها واستقرارها، ودول فاشلة بامتياز، وكل الحمد والشكر لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز