نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
عولمة رياضية

قد يبدو رفع علم دولة أجنبية في شوارع أية مدينة ذات دلالات غير وطنية إذا ما أخذ الأمر بسوء نية، لكنه في المجال الرياضي لا يغضب أحداً فلكل دولة متميزة، رياضياً، هناك عشاق لفريقها وفرسانها الذين يصنعون اسمها ومجدها. وبات لذلك من الطبيعي أن ترى علماً لدولة أجنبية يرفرف عالياً وشامخاً، وربما منافساً، وبشكل أكثر غطرسة وغروراً بجانب أعلام وطنية تبدو متواضعة وقليلة الحيلة أمام هذا المد العولمي الرياضي الجبار الذي لا يقدر أحد على وقفه، سوى بالتميز والإبداع وصنع البطولات البريئة والسلمية.

 

الأعلام مقدسة أحياناً، وهي رمز لكرامة الأمم والأوطان والشعوب. وحين اشتداد الغضب أو التوتر بين دولة وأخرى لسبب ما فعادة ما يقوم المتظاهرون أو المحتجون على سياسة هذه الدولة أو تلك بحرق أعلام الدولة الأخرى تعبيراً عن الرغبة في إيقاع المهانة والإذلال نظراً لما يمثله العلم الوطني عادة من رمز للشموخ والإباء والسيادة الوطنية والكبرياء، لاسيما أن معظم أعلام الدول تعكس، أو ترمز لطبيعة البلد أو أمر جوهري فيه عسكري، أو اقتصادي أو زراعي، وهناك ورود، وأوراق شجر، ونسور، ونجوم، كما سيوف وحيوانات في أعلام  دول هنا وهناك، كلها تعكس مزاجاً وجوهراً في هذا البلد أو ذاك.

 

واليوم ومع اقتراب حفلة المونديال العالمي تزهو جميع دول العالم، وكنتيجة للعولمة المباركة في جوانبها الطيبة، التي تكتسح العالم من أقصاه لأقصاه، بأعلام الدول المتأهلة للأدوار النهائية في جنوب إفريقيا، ومعظم هذه الأعلام وبكل أسف باتت كلاسيكية واحتكارية، كما تحتكر العولمة الاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية والتجارية والإعلامية ...إلخ، كل شيء. فأعلام إنكلترا، والبرازيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولندا، والأرجنتين، ولكل-العلم- جمهوره الخاص به، قد باتت من كلاسيكيات هذا المونديال التي لا تفارقه أبداً. وكأنما خلقت له، وخلق لها. وبات الطفل الصغير يعرف مثلاً علم فرنسا، وإنكلترا، والبرازيل..إلخ ويستطيع رسمه إن طلب منه، في الوقت الذي قد لا يعرف فيه علم بلاده، وبالكاد يعرف علم دولة مجاورة مغمورة رياضياً، وعسكرياً، وسياحياً، أو تجارياً. ويلاحظ أن هذه الأعلام ودولها، التي تهيمن تقريباً على الفضاء السياسي، والاقتصادي، والعسكري، والسياحي والمالي، هي ذاتها التي باتت تهيمن أيضاً على الفضاء الرياضي لا بل وتحتكره، كلياً، ومنذ نشوء هذا المونديال الرياضي. ويلاحظ أيضاً، وبكل أسف ، ومن جملة الأعلام المرفوعة، والتي أتابعها، غياب أي احتفاء، أو اهتمام، بها، كالعلم الجزائري، "الشقيق" (باتت هذه الكلمة بمثابة التهمة)،  رغم أنه علم "عربي"، و"إسلامي"، حسب الخطاب الرسمي والتقليدي المعروف والمألوف، ومن المفترض أن يرفعه العرب وأطفالهم، ومشجعوهم قبل أي علم آخر، فهل هذا يعكس الحقيقة المفزعة، وهي تقدم العولمة الرياضية والثقافية، على  قيم الثقافة المحلية، وجرفها أمامها، في عملية حتمية، باتت فيه فكرة القومية ضعيفة وواهية وعاجزة أمام زحف العولمة الهائل الذي لا يرحم، ويبدو أنه لن يرحم المتقاعسين والنائمين والشاخرين. نعم علم الجزائر العربي غائب عن سماوات العرب، واسمها الذي كان يطربنا، مع نشيد القسم بالنازلات الماحقات، قد غاب وأفل، ولم تعد حناجرنا تهتف به، وربما لا تريده منعاً للإحراج، ولا أيادي أطفالنا الصغار ترغب بحمله، على ما يبدو. وقد عكست مباراة الجزائر ومصر الشهيرة، وتداعياتها، شيئاً من هذا القبيل وهذه الحقيقة المرة التي لا يريد أحد الاعتراف بها، والتسليم بهشاشة وهزيمة الأفكار والمفاهيم التقليدية أمام القيم والمفاهيم الحداثية الناشئة والضاغطة بقوة على عنق كل ما هو سالف وقديم ويبدو عاجزاً عن أية مقاومة وحراك والإتيان بأي فعل فقد سحقت الثورة المعرفية والعلمية الخارقة عالم الأساطير ونسفت أباطيله من جذورها. وما لم تبادر تلك الدول المتواضعة والمتدروشة علمياً للمبادرة، فقد لا تغيب أعلامها فقط عن المونديال، فقد تغيب هي ذاتها عن الخارطة السياسية كلياً. إنها نواقيس الخطر التي تدق بعنف، وهنا يبرز ويلوح صداها. وتتباهي الجزائر اليوم ببناء أكبر مسجد وأعلى مئذنة في العالم فلن يكون لهذا أي معنى أمام التنافس الرياضي، ورغم أن القاهرة تسمى مدينة الألف مئذنة فإن مآذنها لم تساعدها في التأهل للمونديال الرياضي الذي يحتكره "الكفار"و "الصليبيون" والملاحدة العلمانييون والعياذ بالله، من حفدة القردة والخنازير الذي لا يبدو أنهم "خاسئون" البتة في هذا المضمار. كما سيكون فريق الجزائر كما هو متوقع كومبارس و"مكسر عصا" للفرق العولمية الجارفة الذي ستأخذه في طريقها بسبب الفارق الحضاري والتقني بين الجانبين، كما حصل، في مونديال سابق، مع فريق "التوحيد"، الأخضر الذي مني بنصف دستة مخجلة وربع "دستة" فوقهم  من الأهداف من الفريق الألماني الذي استباح مرماهم بلا رحمة.  

 

لا شك أن رفع الأعلام الأجنبية وبتلك الطريقة الاستفزازية أحياناً، تدخل ضمن إطار التشجيع البريء والعفوي، لاسيما أن أصحابه هم من أصحاب الأعمار الصغيرة وليست لديهم أية خلفيات سياسية وإيديولوجية، ولكنهم مأخوذون ومبهورون بسحر الكرة وبريقها بالإضافة إلى عامل التفوق والإبداع والإتقان الذي يزيد من عشقهم وولههم بها. لكن دلالات الأمر خطيرة جداً، ومؤرقة على صعيد العامل الوطني "لصغار" العالم، ودروايشهم المعتاشين على "السبحانية" في كل شيء.

 

وهذا يعني، بالمحصلة، أن لا مكان لغير المتميزين والمبدعين والمتفوقين في عالم العولمة اليوم، وأما الدروايش البهاليل فلن يجدون من يذكر حتى أسماءهم. فلنعمل على رفع أعلامنا في مدنهم كما ترفع في أعلامهم وراياتهم خفاقة، في مدننا، وبين يدي أطفالنا، عنوة وغصبا عنا، ونحن واقفون نتفرج، وفي قلوبنا حسرة، وفي حلوقنا غصة، وفي مآقينا دمعة تجثم وتأبى أن تترجل.

 

الزحف العولمي قادم، فاجتنبوه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز