د. محمد رياض
princemas@yahoo.com
Blog Contributor since:
08 November 2009

دكتور وباحث قانوني مختص في جامعة ولاية أريزونا

 More articles 


Arab Times Blogs
فتوى ماردين واللعب بالدين

مؤتمر (ماردين دار السلام) هو مشروع ديني مشبوه بل ومفضوح يشترك فيه أدعياء علم سعوديون وأتراك واّخرون، هدفه إلغاء أساسيات دينية ظلت لقرون تعتبر من البديهيات عند جموع المسلمين، وإستبدالها بنظريات تعبر عن نفاق سياسي مفضوح، وقد عقد هذا المؤتمر بتاريخ 27 أذار/ مارس لعام 2010م في مدينة ماردين جنوب شرق تركيا، وهدف المؤتمر المعلن هو تصحيح سوء فهم الأمة الذي عمره 700 سنة لفتوى شيخ الإسلام إبن تيمية الشهيرة بفتوى ماردين الصادرة عام 699هجرية.  

فتوى ماردين

فتوى ماردين هذه أصدرها شيخ الإسلام أحمد إبن تيمية حين سؤل عن ما إذا كان قتال التتار ومن حالفهم وظاهرهم  من أهل ماردين وأهل الأمصار المحيطة بها جائزاَ. وماردين هذه هي البلدة التي ولد فيها إبن تيمية نفسه وهاجر وأهله منها قبيل سقوطها بيد التتار إلى دمشق وهو في السابعة من عمره.

والسائل شخص سيىء النية وعميل تتري أراد ان يحرج إبن تيمية الذي كان يحرض الناس على التطوع في جيش السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون الذي بدأ في الزحف لملاقاة التتار في في موقعة شقحب التي إنتهت بهزيمة التتار قرب دمشق.  ونقول سيء النية وعميل لأن عملاء التتار في دمشق في ذلك الحين كانوا يعملون ضمن إطار حملة دعائية مضادة هدفها إرباك الجماهير وثنيها عن مساندة الجيش المصري القادم لمواجهة الغزو التتري القادم من العراق، وذلك بإثارة مقولة أن التتار مسلمين وأنهم أولياء الأمور في البلاد التي حكموها ولذلك وحسب فقه الإتجاه الديني السائد حينها، لا يجوز قتال المسلمين أو الخروج عن طاعة ولي الأمر، أي لا يجوز قتالهم.

وقد كان التتار فعلاَ من المسلمين حينها، حيث دخلوا في الإسلام بعيد سقوط بغداد، وقد كان لأميرهم قازان في عصر إبن تيمية قاض ومؤذن وكان ملك التتار لا تفوته أية صلاة جماعة وكان قضاة المحاكم في دولة التتار من القضاة المسلمين وكانت الحدود الإسلامية مطبقة، الخ.

وهنا تجلت عبقرية إبن تيمية في فتواه الشهيرة والتي قضى فيها ليس بجواز قتالهم فحسب ولكن بوجوب الخروج على التتار ومن ظاهرهم من اهل البلاد الواقعة تحت حكمهم ومقاتلتهم ولو كانوا مسلمين ولو اقاموا الحدود الشرعية ولو صلوا وصاموا، وذلك أولاَ، لأنهم غزاة سرقوا البلاد وخيراتها من اهلها، وثانيا لإجرامهم وظلمهم وجورهم وعدم إقامتهم للعدل.

وهنا بعد أن صعق العميل من فتوى إبن تيمية هذه التي تعد خروجاَ على المألوف شرعاَ من ناحية تقليدية ، كرر سؤاله لإحراجه، أنقاتلهم حتى وإن صلوا وصاموا (لاحظ ان الخطاب الديني التقليدي لا يجيز الخروج على الحاكم ما أقام الصلاة)، وهنا حطت صاعقة اخرى من صواعق إبن تيمية على رأسه حيث قال له ( لو رأيتني أنا في صفوف التتار وعلى رأسي المصحف فأقتلني).

ولعل أهم ما تحتويه هذه الفتوى أنها أضافت تقسيماَ جديداَ للتقسيم الفقهي السائد لمفهوم الديار (دار كفر و دار إسلام) وما يترتب عليه من احكام فقهية وهو تقسيم (الدار المركبة) التي يحكمها ويمسك بزمام الأمور فيها مسلمون ويكون قضاتها وجندها كذلك مسلمون ولكنهم فاسقون أو ظالمون أو لصوص يسرقون مال الرعية وهنا ينطبق عليها حكم دار الحرب من جواز قتالهم والخروج عليهم ولكن ينطبق على عامة ىسكانها في نفس الوقت وصف أهل دار الإسلام فتجب حقن دمائهم ولا يجوز المساس بهم أو إيذائهم.

 ملاحظة نص الحوار والفتوى موجود ويمكن الإطلاع عليه في المراجع التالية " البداية و النهاية لإبن كثير باب ماوقع عام 699هجرية، الفتاوى لإبن تيمية 530/28)

وقد إستلهمت معظم الحركات الإسلامية السياسية الحديثة فكرها في جواز التمرد على الانظمة القائمة الفاسدة أو المتعاونة مع اعداء الامة من روح ونص  فتوى ماردين هذه.

المهم نعود لمؤتمر ماردين

حيث إتفق المؤتمرون على التالي:

 أولاَ: إلغاء التقسيم التقليدي للديار في الإسلام فلا دار كفر ولا دار إسلام بعد اليوم وإنما يوجد (فضاء سلام عالمي)!!

ثانياَ: عدم إباحة الخروج على الحاكم مهما فعل إن كان مسلماَ يصلي في جماعة ولو كانت صلاة العيد مرة في السنة.

ثالثاَ: إلغاء مفهوم الولاء والبراء التقليدي  لأنه غير عصري وغير ضروري في عالم يؤمن بتعدد الأفكار وحرية الممارسة الدينية!

ثالثاَ: إعادة طبع كتاب الفتاوى لإبن تيمية مع إجراء تعديل بسيط جداَ جداَ على نص الفتوى وذلك بشطب جملة (دار مركبة يقاتل فيها الخارج عن ملة الإسلام ومن ظاهرهم...........)

إلى التالي (دار مركبة يعامل فيها الخارج عن ملة الإسلام بما يستحقق........)يعني جملة لا معنى لها من ناحية فقهية. والتعليل جاهز طبعاَ، حيث زعم أحد المؤتمرين أنه اكتشف مخطوطة قديمة في مكتبة ما في دمشق لكتاب الفتاوى تحتوي النص الجديد وليس القديم...يعني ان المسلمين يتداولون طوال 700 سنة نسخ فيها خطأ مطبعي حتى جاء أبو العريف ليحل اللغز.
وبعيداَ عى الدخول في متاهات بوليسية حول صحة المخطوطة المكتشفة فجأة، والذي إستند المؤتمرون إليها في تحريم قتال الحاكم المسلم!

 نقول  ما صدر عى المؤتمرين ماهو إلا دجل رخيص يراد تمريره على الناس، ظاهرة الإصلاح الديني وتنقيح التراث وباطنه شرعنة وجود الحكام الظلمة الفاسدين وسارقي ثروات الشعوب والمظاهرين والمساعدين والمؤتمرين بأمر الكفار الغزاة أعداء الأمة، وإليك الأدلة:

 

أولاَ: إبن تيمية فسر فتواه بنفسه  وعملياَ حين قاد المتطوعين من أهل دمشق لقتال التتار ومن كان معهم من جند وأمراء مسلمين غير تتار كما هو ثابت تاريخياَ في وقعة شقحب وقد شارك في قتالهم بنفسه مع كونهم مسلمين واصيب بجروح عقب المعركة. فلا مجال للإدعاء بأنه لم يقصد من فتواه إباحة قتالهم او أنه وقع خطأ مطبعي لاحق أوهم الناس والعلماء بذلك.

ثانياَ : الفتوى بمفهومها موجودة في الفقه التقليدي السني عند أبي حنيفة مثلاَ والذي قضى في سجن المنصور بتهمة مراسلة جعفر الصادق بغرض القيام بثورة. كذلك العز بن عبد السلام الذي أجاز قتال المتحالفين مع التتار (ولم يكونوا قد اسلموا بعد) من المسلمين في موقعة عين جالوت.

ثالثاَ: أبو بكر الصديق وبموافقة معظم الصحابة قاتل مانعي الزكاة عن المركز في المدينة مع أن كثيرين منهم لم يرتدوا عن الإسلام وإنما إمتنعوا عن دفع الزكاة لأبي بكر وأرادوا أن يوزعوها على المحتاجين من بني قومهم، ومع إقرار أبو بكر لعمر في حديثهما المشهور بإسلام القوم إلا أنه إعتبرأن تمردهم سيؤدي لتفكيك الدولة فقاتلهم.

 

وفي الختام يتضح أن القوم في مؤتمر ماردين بتركيا إن ارادوا إلا التلفيق وخداع البسطاء من الناس الذين لم يعطوا من العلم إلا قليلاَ.

 

(بالمناسبة لم يشارك في مؤتمر الدجل هذا أي عالم معروف بإستثناء مفتي البوسنة وإمام من باريس  متهم بالعمالة للسلطات من قبل افراد الجالية المسلمة في فرنسا وبعض مدعي العلم الأتراك وقاضي من موريتانيا وشيخ من اليمن عرف عنه تكفيره لإبن تيمية ولفيف من مشايخ قناة العربية )







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز