نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الجهاد الإسلامي بين الأنموذج الأردوغاني والأنموذج البن لادني

لا يخفى على  ذي لب الخلفية الإسلامية للحكومة الأردوغانية التي كانت العلمانية الأتاتورية سبيلها للوصول إلى سدة القرار في شبه القارة الطورانية، ويعتقد، بالمطلق، وإلى حد كبير بأنها-الخلفية- كانت وراء التحول الجذري في السياسات التركية حيال الدولة العبرية، فبين الإسلام واليهودية ما صنع الحداد. غير إن إحدى أهم القراءات لتظاهرة الأرمادا التركية الاستعراضية، هي إعادة شيء من ماء الوجه لبعض العرب، وللحركات السلفية العربية، عموماً، بعد أن اختطفت واحتكرت وتزعمت إيران للدور المقاوم في المنطقة وسط صمت يتخلله إحراج كبير لعرب الاعتدال، الذين لم يكونوا فقط في موقع المتفرج أو الحيادي فيما يخص أحداث المنطقة، بل كان قسم كبير منهم في موقع التواطؤ والتآمر في قضايا حساسة مثل العراق وأفغانستان، وإن الانتفاضة التركية الأخيرة، قد خطفت الأضواء الجهادية الإسلامية، وإن بشكل سلمي، من يد الملالي الإيرانيين الذين بدوا حتى اللحظة أسياد المقاومة بلا منازع في سماء المنطقة، واحتكروا الخطاب الجهادي المقاوم، بينما كان "سكان الجنة"، والمبشرين بها، من عرب الاعتدال، والمتقاعسين عن نصرة غزة، العاطلين عن أي عمل في الدار الدنيا، لأنهم قد وفروا كل طاقاتهم الذهنية إن وجدت، و"الجنسية" من أجل الاستمتاع بالحوريات والغلمان، ويكتفون بأضعف الإيمان، ألا وهو سب إيران وتخوينها، وإطلاق القنوات الفضائية كي يمرروا من خلالها فتاوى الإرضاع التهريجية، نقول اكتفوا بالفرجة من بعيد على ما يجري في المنطقة وكأن الأمر لا يعنيهم.

 

وفي إحدى قراءات الحدث، وبصرف النظر فيما إذا كان التنظيم الدولي، "إياه"، يقف خلفه ويموله، فهو في النهاية ليس أكثر من  تبديل لأساليب الصراع ربما بسبب العجز عن استخدام وسائل علاج أخرى في ظل وضع دولي وإقليمي معقد ومتشابك قد لا يخدم الخيارات القديمة، كما يبدو الحدث كمحاولة من عدة أطراف إقليمية ودولية، ذات مصالح وتوجهات متباينة، لتعويم أي دور "غير إيراني" همد واستكان تاريخياً، فيما يتعلق بالصراع، ولو عن طريق تركي بعد أن يئس العالم من دور عربي نشط، ولاسيما بعد أن خرج معظم العرب ونفضوا أيديهم من القضية، في مقابل دور إيراني "شيعي" ، فاعل ومتنام،  لإعادة تركيا، ومعها العرب المهاجرين من حلبة الصراع، إلى واجهة الحدث ربما للعب دور مستقبلي ريادي مقبول على الصعيد الإقليمي بعد أن فشل من يسمون بالعرب في القيام بأي دور إيجابي لصالح ما يسمى بقضاياهم. وأصبح يحق لبعض العرب "المسالمين" من "ركاب" الأسطول، التباهي والتفاخر، اليوم، بالحدث وتبني القضية، تماماً كما يفعل ملالي إيران الذين يظهرون لوهلة، ومن خلال دعمهم المطلق واللا محدود لحماس وحزب اله، بأنهم أصحاب القضية الفعليين، فيما العرب منشغلون بفتاوي التهريج.

 

ومهما كانت التفسيرات والتأويلات والخلفيات للحدث الغزاوي، فإنه ولا شك أنموذج جديد، وفعال، على المدى البعيد، من النضال والمقاومة السلمية المطلوبة، والتي أفلحت في غير مكان، كما هو الحال بالنسبة للنضال السلمي الهندي ضد الاستعمار البريطاني، والنضال الجنوب إفريقي ضد سياسات الأبارتهيد والفصل العنصري والتي أفلحت في تبوء أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا في تسعينات القرن الفارط، ولا ننسى الثورات البرتقالية والقرمزية السلمية الأخرى في غير مكان. إن هذا النمط من النضال والمقاومة السلمية مطلوب إلى حد كبير، وقد أفلح في فضح إسرائيل، وكسر هيبتها وشوكتها، أكثر من آلاف الصواريخ الكرتونية العشوائية التي كانت تطلق بين الفينة والأخرى محدثة ضجيجاً أكثر مما تحدث من إيلام لإسرائيل. وبما أن أصحاب "التظاهرة"، الأرمادية الأتراك هم من خلفية إسلامية، فهل نحن أمام تحول جديد في الرؤية إلى مفهوم الجهاد الإسلامي الذي لم يعد "لهم" ما استطاعوا من قوة، بقدر ما استطاعوا من حشد إعلامي ومعنوي وبواخر، هو أقوى بكثير في عالم تحمكه، وتتحكم به وسائل الإعلام أكثر مما تتحكم به الرشاشات والبساطير. لقد كان الحدث التركي بحق، واحداً من أكثر المبادرات النضالية في تاريخ ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي. (لأنه  ليس صراعاً حقيقياً بين مصالح وطنية وتطلعات إنسانية بقدر ما هو صراع بين أصوليات وأساطير دينية وشوفينية ضيقة على كلا الجانبين من أجل الاستيلاء على، وإثبات ملكية حائط المبكى وبعض من صخور وحجارة أخرى).

 

وشتان ما بين هذا النمط الجهادي الذي يبدو أنه أتى أكله، وطرق أسماع العالم، وجهاد ابن لادن، ورهطه وصحبه الميامين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، الذي أضر وأساء لصورة من يسمون بالعرب والمسلمين في أصقاع الأرض. وبات جهاد بن لادن، ومن والاه، مصدر حرج وضرر للقضايا التي يقولون بأنهم يدافعون عنها، من خلال الأنموذج البدوي الصحراوي الدموي الفظ في مقابل ما يبدو جهاداً تركياً مدنياً سلمياً عصرياً أبيضاً أحرج إسرائيل ومن ورائها من سدنة النهب الإمبريالي. (طبعاً هم يقولون، وغيرهم يقول ما يحلو لهم، ولكنا، وعذراً،  غير ملزمين ولنا حرية الخيار في تصديق أي كان فيما يقول).

 

لا فرق بين قاتل وآخر وأياً تكن الذرائع، وحين يقتل البعض، وبدم بارد، وكما يفعل الإسرائيليون فهؤلاء جميعاً في ذات التصنيف، ولكل شعاراته ومبراراته.  فلم يعد القتل، الذي هو عقيدة وأسلوب حياة بالنسبة للبعض، مرحباً به في عالم اليوم الصغير، كما لم يعد القتلة في مأمن من القضاء الدولي، وإن تهرب مسؤولين إسرائيليين كبار من مطارات أوروبا، وخشيتهم من زيارتها، دليل على تنامي دور كبير لقوة الرأي العام التي تلاحق القتلة والمجرمين. وإن مجابهة إسرائيل، أو غيرها من "الأعداء" المفترضين، وعلى مستوى أية قضية،  وبنفس أساليبها الدموية والإجرامية ما هو، لعمري، إلا سقوط في فخ الإجرام وسفك الدم المدان وانجراف نحو همجية أفلحت إسرائيل وأمريكا، تاريخياً، في جر من يسمون بالعرب إليه، وكسبت معها إسرائيل تعاطفاً وتأييداً دولياً، غير مسبوق، في سالف الأيام، لكنه يبدو اليوم في موقع التراجع والخفوت والتضاؤل الملحوظ، فحتى أعتى مؤيدي إسرائيل بدا محرجاً في تبرير فعلتها الشنعاء تجاه مدنيين عزل ومسالمين أتوا بصدور وأيد عارية، وفي المياه الدولية، للدفاع والتضامن وفك لحصار عن شعب مسكين جائع وفقير.

 

فهل وصلت الرسالة لأساتذة الأصولية الدولية؟  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز