نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
نعم لإرضاع الهندي الفقير


ثقافة الصحراء العنصرية التي تؤمن بالعبودية، والسبي والاضطهاد والتسيد والتفوق والتمييز بين الناس، لا يوجد فيها ما يحول دون أي من تلك الممارسات أو يمنعها واستعبد الناس وسبيهم واسترقاقهم أمر بدهي لا يثير أحداً من سكان الصحراء. وكان العبيد والأقنان والمسبيات والإماء والجواري وهذه كلها خلائط ومنتجات لوضع اجتماعي وإنساني شاذ وغير طبيعي، نقول كانوا جزءاًٍ طبيعياً من التشكيلية المجتمعية الصحراوية قديماً، وحين عاد سكان الصحراء البدو إلى مسرح الحياة والوجود، وبمحض صدفة جيولوجية كما وصفها أحدهم، أعادوا هذا النمط العبودي إلى الوجود ومارسوه دونما رادع ووزاع في منظومة لا دساتير ولا قوانين ولا تشريعات عصرية وحقوقية وإنسانية لديها. ويشكل، اليوم، الهنود والآسيويون والخدم والخادمات، نفس طبقة الجواري والإماء والعبيد التي كانت معروفة في البيئة الصحراوية قديماً.

واهتمام الشيوخ وهوسهم الفظيع بمنع الاختلاط، لأنهم لا ينظرون للإنسان كقيمة إنسانية مثلى تتمتع بأخلاق ومثل عليا، واحترام للنفس والآخر، بل كمجرد حيوان جنسي غريزي شبق مجرد من أي عاطفة سرعان ما سيثب على أية أنثى تأتي في طريقه، هكذا هي نظرة الفكر الديني التقليدي للرجل والمرأة، على حد سواء.

وقلما تلحظ أي بعد إنساني في فتاوى الشيوخ، وجل فتاويهم تنبع وتصب وتعود وتلف وتدور في مدارات الجنس. وفي فتوى رضاع الكبير الأخير، ولا تعير أي بال للناحية الإنسانية، فالإرضاع ها هنا ليس من أجل ناحية إنسانية، بل من أجل ناحية جنسية بحتة ولكي تحل مشكلة جنسية وليس مشكلة إنسانية، ولو تعلق الأمر بناحية ومشكلة إنسانية فلن يتطلع لها الشيوخ ولن يبتوا بها لأسباب معروفة ونابعة من صلب ثقافتهم المهجوسة بالجنس.

وبرأينا المتواضع أن هناك الكثير من العمال الفقراء والجياع الهنود الآسيويين في الخليج، هم فعلاً بحاجة لإرضاع، ليس كي يمتنعوا عن النظر والاختلاط بسيداتهم الخليجيات، ولكن لكي يتناولوا الحليب والدسم والفوسفور والكلس والبروتين الموجود في الحليب والذي يؤمن لهم البقاء والاستمرار في الحياة، لاسيما بأن معظمهم يعيش ظروف إنسانية قاهرة وصعبة تنعدم فيها أبسط الشروط الإنسانية في ظل استغلال واضطهاد واضح يمارس عليهم من منظومة الخليج الفارسي التي يعنى شيوخها بقضايا الجنس أكثر من اهتمامهم بالقضايا الإنسانية.

هذه واحدة، والأخرى أن أولئك الآسيويين المساكين إن اختلطوا أو لم يختلطوا بسيدات الخليج فهم لن يروا منهن شيئاً كونهن عبارة عن خيام سود متنقلات بدون تضاريس ولا يميز المرء بين "خيمة" وأخرى من الخيام السود، ولا يمكن لخيمة سوداء أن تثير غريزة رجل جائع جنسياً. ثم إن "الفحولة" تتطلب غذاءً كاملاً من بروتين وفيتامينات وحديد و"فضة" وفوسفور. ثم فات مولانا الشيخ الجليل أن الخيمة السوداء التي تغطي المرأة الخليجية المعنية بالرضاع، تشكل خط دفاع طبيعي أول، أكثر من الإرضاع، في وجه أية إثارة جنسية محتملة قد تعتمل في نفس المقيم الآسيوي المسكين الذي يريد "سلته" بلا عنب.

بوجود خط الدفاع الأول وحاجز الحماية الرئيسي وهو الخيمة السوداء، لا داعي البتة لفتوى إرضاع الكبير. فهناك اليوم كثير من خطوط الدفاع التي يقيمها الفقه في وجه الاختلاط، وهي ناجحة وناجعة وكل الحمد والشكر لله. إن فتوى إرضاع الكبير، وبوجه من وجوهها، تنفي الحاجة للنقاب والحجاب الذي يعتبره الفقهاء عفة وصوناً للمرأة من الوقوع في الخطيئة والإثم والفاحشة والعياذ بالله. فإذا لم يستطع هذا الحجاب والنقاب والخيمة السوداء من صيانة المرأة فهل يستطيع إرضاع الكبير؟

ولعلم السيد الفقيه الألمعي فهناك نوع من الشذوذ الجنسي لدى البعض، ويتعلق بالإرضاع، ويقع ضمن سياق الممارسة الجنسية وليس رضاعة الأم الطبيعية. وهناك بعض الشواذ والشاذات ممن يتمتعون جداً بمص حلمة الثدي، ولاسيما إن كان فيها لبناً طبيعياً، وحتى الإرضاع والرضاعة ومترافقاتها، وحسب فرويد، تدخل في إطار الجنس وليس الغذاء، أو الروح أو أي اعتبار آخر، وله أبحاث مطولة في هذا الشأن، حين تكلم عن غريزة "الليبيدو" الجنسية باعتبارها المحرك الأول والأخير لحياة الإنسان وإن ما يحرك العقل الباطن البشري هو الغرائز الطبيعية والأنا السفلى وحتى التاريخ البشري، بعكس فلاسفة المثالية الـIdealism الذين يتكلمون عن القيم العليا باعتبارها محركاً للتاريخ. وكثير من أفلام البورنو والإثارة تبدأ بمداعبة الثدي ومص الحلمة، وتنتهي بما تنهي عليه، والعياذ بالله.

المهم إن إرضاع الفقير، كي يشبع ويبقى على قيد الحياة، هو أهم بكثير من إرضاع الكبير كي لا يثب على "سيدته" ويفترسها، كما يتخيل ويهجس جناب الشيخ الجليل.فإرضاع الفقير، وإعطاؤه حقوقه كاملة وغير منقوصة، فيه تقوى وتقرب من الله "العادل الرؤوف الرحيم"، وحسب الخطاب إياه، وأكثر جدوى من فتوى لم تفلح إلا في سرقة ابتسامة ألم وحسرة على الوضع البائس والتفكير العقيم السقيم الذي وصل إليه أعاريب الكبوة الصحراوية، في ليل النفط البهيم الذي حمل لنا كل هذا التهريج وأعاد مجتمعاتنا إلى حقب التعتيم. وشخصياً أقف بقوة لجهة تطبيق هذه الفتوى إن كانت الغاية منها إشباع المسكين غذائياً ورمرمة عظامه المنهكة جراء استغلاله من قبل كفلائه العنصريين واحترامه إنسانياً.

الكارثة الكبرى في الموضوع، هو أن تجد هذه الثقافة الصحراوية المتهافتة والبائدة الخالية من أي بعد ومضمون أخلاقي وإنساني، وينتفي منها كل ما فيه ذوق وجمال، انبعاثاً، ومكاناً لها في الألفية الثالثة، وأن يربطها كثيرون بالمقدس، والأنكى من كل ذلك أن هناك من لازال يتقبلها، ويأخذها على محمل الجد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز