صلاح يوسف
salahy8@gmail.com
Blog Contributor since:
07 May 2010



Arab Times Blogs
تاريخ تطور البشرية هو تاريخ المبدعين وليس تاريخ عامة الناس

خلاصة القول، أن تاريخ تطور البشرية بداءاً من إنسان الكهوف وحتى إنسان الإنترنت والمريخ والخلية الحية الصناعية هو تاريخ المبدعين والمفكرين والفلاسفة وليس تاريخ العامة ولا تاريخ النصابين من رجال الدين والمشائخ والقساوسة والأحبار. لو كانت مداهنة العامة واسترضاء مشاعرهم الغريبة والمتناقضة والساذجة تملي على العلماء والفلاسفة ما ينبغي كتابته والتفكير فيه لما قطعت البشرية كل تلك المراحل والتي يصعب أصلاً المقارنة فيما بينها نظراً للقدرات الهائلة والخارقة والعجيبة التي يمتلكها الإنسان المبدع وحده تحديداً.

 لنتخيل الحسن بن الهيثم في سجنه في عهد الخليفة العباسي. لقد كانت العزلة المفروضة على هذا النابغة قسراً، وكان لظروف الغرفة التي حجز فيها، سبباً في انتقالنا من معتقدات إلى معتقدات أخرى. لقد ورث علماء العرب والمسلمين معظم معتقدات اليونان العلمية، كما انبهروا بما توصلوا إليه في علوم المنطق والفلسفة والفيزياء، لذا، كان من الصعوبة بمكان أن يقوم أي مبدع بالتشكيك في مبدأ من مباديء العلم اليوناني. ولكن ابن الهيثم امتلك عقلاً ناقداً فريداً، فلم يصدق أن العين ترسل شعاعاً من الضوء إلى الجسم لكي تحدث الرؤية.

 كتب ابن الهيثم يقول: ( لو صح أن العين هي التي ترسل الشعاع إلى الجسم لتمكنا من رؤية الأجسام في الظلام !! ). وهكذا، وبهذه الجملة البسيطة حدث انقلاب بشري عظيم وفتح علمي خارق في مجال علوم الضوء والفيزياء. عندما تعرض ابن الهيثم للسجن بسبب آرائه في مفهوم الإله وطبيعة الكون وشكل الأرض، كانت الحجرة التي أشرنا إليها تتمتع بظروف خاصة محددة. كانت للغرفة نافذة خشبية مغلقة تطل على الشارع الذي يسير فيه المارة.

 كان خيال المارة يظهر على الحائط مرسوماً بشكل مقلوب !! أصيب عالمنا الجليل بالذهول في أول الأمر، ولكن عقله الخارق لم يلبث أن قام بتفسير الظاهرة. لقد وضع نظريته الأولى التي تؤكد أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة !! كانت النافذة الخشبية مثقوبة، وكان شعاع الضوء القادم من الشمس إلى رأس أحد المارين يسير مستقيماً بلا انكسار وبالمثل في الأشعة المارة بمنتصف الجسم، الأمر الذي يؤدي إلى تكون خيالاً مقلوباً لجسم الشخص المار على حائط الغرفة من الداخل. عندما ارتاح النابغة إلى هذا التفسير للظاهرة، جعل يضحك بصوت مجلجل، ويصيح مردداً. وجدتها وجدتها !! نقل الحراس تصرفات عالمنا الجليل إلى الوالي الذي أمر بحبسه، فجعل يضرب كفاً بكف قائلاً: لقد فقد الحسن عقله، غير مدرك بعقله الساذج والبسيط أنه بحبسه لابن الهيثم في تلك الغرفة قد أسدى للبشرية خدمة عظيمة لن تنتهي عند أول فكرة في التاريخ لصناعة كاميرات التصوير. السؤال المهم الآن، ماذا لو سلم ابن الهيثم بمعتقدات اليونان ؟؟!

 ماذا لو لم يتمكن بعقله الناقد من تفكيك فرضية سائدة ومتداولة وشائعة تصادم نتائج المنطق السليم ؟؟! ألم تكن البشرية كلها ( وليس مليار ونصف فحسب ) تعتقد باعتقاد اليونان القديم ؟؟! ثم، والأهم، ماذا لو سلمنا الآن بمعتقدات ( ربع البشرية من المسلمين ) وجعلنا من القتل والاغتصاب وتقطيع الأطراف وإعدام المعارضين على طريقة النبي محمد، واعتبرنا أن مسألة التدخل في ضمير المفكر والفيلسوف عقيدة يجب احترامها وعدم خدشها ؟؟! وثمة سؤال أخير لأي كاتب هوى في مستنقع استرضاء العامة ومداهنة أولي الأمر: هل كان النابغة ابن الهيثم مريضاً سيكوباتياً لأنه لم يتكيف مع معتقدات العامة والعلوم السائدة آنذاك ؟؟! لقد تناقض كبار العلماء والفلاسفة المسلمين مع عقيدة الغيب والخرافة والجن والملائكة بدءاً من أبي العلاء للمعري ومروراً بابن سينا والرازي والبيروني وابن الرواندي وأبي حيان التوحيدي والحلاج وابن المقفع، وليس انتهاء بطه حسين وسلامة موسى وقاسم أمين وفرج فودة وحسين مروة ونجيب محفوظ. إن الأمة التي تقتل مبدعيها وتلاحقهم بسبب آرائهم في الكون والوجود ومفهوم الموت والحياة هي أمة ماتت لهذه الأسباب.

 لا حل إلا بإطلاق حرية الإبداع للمفكرين والفلاسفة لكي ينتقدوا الدين وثقافة المجتمع دون أن تهدر حياتهم أو تقطع أوصالهم وتسمل عيونهم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز