لعبيد قاسم
laabeid67@gmail.com
Blog Contributor since:
04 January 2010



Arab Times Blogs
الصحراء الغربية من الاِستعمار إلى الاِغتيال ج5

  سنخصص هذا الجزء الخامس للبوليساريو  بما أننا في شهر مايو/ أيار 2010، و الذي يصادف الذكرى السابعة و الثلاثين لتأسيسها، و قد تأخرنا في الحديث عنها قصد أن تكون مقدمة لتناول الموقف المغربي الموريتاني، حتى نكون على رؤية و بينة من تفاعلات وتجليات الأحداث في هذه القضية.

 

  كان الشعب الصحراوي يعيش على وقع التيارات القومية التحررية التي طبعت تلك الفترة من التاريخ ( الستينات و السبعينات)، حيث كانت الناصرية و التقدمية في أوج اِشتعالها و تحمل لواء التحرر من القوى الاِستعمارية المهيمنة على العالم و مقدراته، لذا كان من الطبيعي أن يتفاعل مع تلك التحولات و خاصة  الصراع العربي الإسرائيلي بكل تجلياته، كما كانت معظم البلدان الإفريقية قد نالت اِستقلالها، مما هيأ لنشوء الحركة الثورية في الصحراء الغربية.

 

عرف الشعب الصحراوي طيلة الفترة الاِستعمارية التي امتدت 92 سنة العديد من المقاومات اتخذت طابعاً جهادياً نابع من التعاليم الإسلامية، و انتصرت في عدة معارك، لكنها افتقدت المشروع  السياسي و خرجت من حيزها الحدودي، مما كلفها الكثير من الوقت و الجهد على شاسعة الجبهات و ضعف الإمكانات. ومع ذلك لم تستطع إسبانيا بسط سيطرتها الفعلية على الأراضي الصحراوية إلا في نهاية الخمسينات بتعاون مع فرنسا و المملكة المغربية من خلال خطة " أوكفيون وراكان " المعروفة التي مررنا بها سابقاً في الجزء الأول، غير أننا لن نخوض في تفاصيلها الآن، كي لا نتوه عن غايتنا، لذا سنشرع في الحديث عن أهم التحركات التي هيأت لنشوء جبهة البوليساريو اِحتراماً منا لتضحيات و إسهامات رجالات الحركة الوطنية الصحراوية، فقد كانت سنوات الستينات حافلة بالأحداث على المستوى الدولي و الإقليمي، مما اِنعكس بطبيعة الحال على الشعب الصحراوي و ولد لديه الحاجة إلى فعل ثوري يحمل آماله و تطلعاته في الحرية و الاِنعتاق، فجاء أحد أبنائه عائداً من بعيد ليؤسس " المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء الغربية 1966م"، هذا الشاب  هو " محمد سيد إبراهيم  بصيري " المولود بمدينة " السمارة " سنة 1943م ، تلقى تعليمه في البداية على يد والده بتحفيظه القرآن، و واصل دراسته بعد ذلك في المدارس المغربية الاِبتدائية و الثانوية، ثم شد الرحال إلى القاهرة  ملتحقاً بجامع الأزهر حيث درس فيه لمدة سنتين، غير أنه شعر بالحاجة إلى دراسة العلوم السياسية، فاِنتقل إلى دمشق و حصل على الإجازة هناك، و زار بيروت التي كانت عاصمة الإشعاعات المتنوعة في العالم العربي، ثم عاد إلى المملكة المغربية و أسس جريدة الشموع، و كتب في إحدى إصداراتها مقال " يتحدث فيه عن حقوق الشعب الصحراوي في السيادة على أرضه" فأصبح مطارداً من قوات الأمن المغربية، و عاد إلى الصحراء الغربية متسللاً  فوصل إلى أهله في مدينة السمارة و وفروا له الحماية من قوات الأمن الإسباني و بعد سنة من عودته أسس المنظمة بعد إجراء العديد من الاِتصالات مع فئات المجتمع الصحراوي، قامت بمظهرات عارمة في مدينة " العيون " سنة 1970م، فواجهتها القوات الإسبانية بالقمع و الاِعتقال، و قتل و جرح الكثير ممن شاركوا فيها و تم للمستعمر اِعتقال المؤسس الفقيد الشهيد " محمد سيدي إبراهيم بصيري "  مما أدي  إلى وأدها في مهدها  و كانت هدافها و مطالبها الأساسية:

-          حل الجماعة الصحراوية ( غرفة تابعة للبرلمان الإسباني في الصحراء الغربية ) و إجراء اِنتخابات حرة.

-          وقف الاِستيطان الإسباني.

-          المساواة بين الإسبان و الصحراويين في الحقوق و الواجبات و إدماج العنصر المحلى في الإدارة.

و يمكن القول أن أهم أسباب وأدها يعود إلى اِنتهاج سياسة " الخطوة خطوة " بهدف التحرير، و في المقابل إسراعها في المواجهة مع المستعمر، إلى جانب ضعف الإمكانات و غياب الدعم الخارجي.

 

  كان على الشعب الصحراوي بعد كل هذه التضحيات أن يؤسس تنظيم جديد يحسن التعامل مع المستعمر و يتجنب إخفاقات الماضي و يعبر عن أماله و تطلعاته بشكل أكثر أوضوح، و على قدرة أكبر من التنظيم و الفاعلية في صنع الأحداث و تغير الحال من الاِستعمار إلى الاِستقلال، فكانت هذه المنطلقات إلى نشأة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب ( جبهة البوليساريو ).

 

 

و لكي نتحدث عن هذه الحركة الثورية لابد لنا من زيارة مؤسسها  الشهيد " الولي مصطفى السيد " المولد ببلدة بئر لحلو سنة 1948م شرق الصحراء الغربية، و حفظ أجزاء من القرآن في الكتاتيب، ثم اِنتقل مع عائلته إلي مدينة الطنطان في 1958م، وهي السنة التي سلبت هذه المدينة و مناطق جنوب واد نون من  الصحراء الغربية بموجب خطة " أوكفيون أوركان "، و ضُمت قسراً إلى المملكة المغربية، و هناك ألتحق بتعليم الاِبتدائي و الثانوي، ثم واصل تعليمه الجامعي بجامعة " محمد الخامس " فرع العلوم السياسية، و قدم أهتم بمطالعة كتابات السيد قطب و شعراء المهجر و عرف بميله للأدب و اللغة العربية و قد تعرض خلال مراحل تعليمه للعديد من المضايقات و الطرد إلى الاِعتقال من طرف السلطات الأمنية المغربية بسبب أرآه و مواقفه، كما أنه أجرى اِتصالات مع العديد من القوي الطلابية و السياسية المغربية  دون أن ينضم لأي منها، و كذا بالعديد من الاِتحادات العربية، و أسس إتحاد للطلبة الصحراويين الدارسين بالمغرب.

 

  الشهيد الولي مصطفى السيد كان رحمة الله عليه حاد الذكاء و يتميز بقدرة كبيرة على الإقناع، و يحسن مخاطبة الناس كلِ بلغته، مبالغ في التواضع، قريب من الناس، يزاوج بين القول و العمل؛ من أشهر أقواله:

 

" من أراد الكرامة عليه أن يسخى بكل شيء من أجل شيء واحد هو الحرية، و هذا يطابق ما قلناه: إذا أردت حقك يجب أن تسخى بدمائك "

 

" إن الكفاح سمة و ليس بصفة، فالصفة تولد في تابوت و السمة تنبع من عرش الزيتون "

 

" إن النضال لا يتولد إلا في ظروف القهر، فالثورة قدر، و من شك في القدر فقد كفر، و الثورة قدر الشعب الصحراوي "

  

 

  أسست جبهة البوليساريو في هذه الظروف بما فيها من تحديات على كل الأصعدة، و بهذه المعاني التي تحدثنا عنها بكثير من الإيجاز.

 

   طبعاً لابد من اِحترام التاريخ بالرجوع إلى الموقف الليبي الذي بدأ من خلال خطاب العقيد معمر القذافي في 11 يونيو/ حزيران 1972م، في ذكرى جلاء القوات الاِمريكية، حيث قال: ...إنه إذا لم تنسحب إسبانيا  من الساقية الحمراء و وادي الذهب، فإن الجمهورية العربية الليبية ستتحمل مسؤولياتها في إشعال حرب التحرير الشعبية....، غير أن هذا الخطاب ما كان ليصنع الثورة في الصحراء الغربية و لكنه شكل دعماً أساسياً لأبنائها الذين كانوا يعدون لثورةٍ ليس لها إلا العزائم بالنظر إلى الصعوبات التي كانت تحكم الواقع في تلك السنوات من حصار شبه كامل من طرف المستعمر الإسباني و البلدان المجاورة التي لا تؤيد خيار الكفاح المسلح و كل حسب رؤيته لهذا المعنى، و قد تحدثنا خلال المقالات السابقة عن بعض أسبابه و سنعود إليها كلما كانت هناك ضرورة لإبرازها.

 

  الحديث عن البوليساريو في ذكرى تأسيسها بعد العديد من الاِتصالات و الجهود التي بذلها مؤسس الحركة " الولي مصطفى السيد "، فكان مؤتمرها التأسيسي في العاشر من ماي/ أيار 73 م خاتمة للسلسلة من الاِجتماعات التي عقدها الأعضاء المؤسسيين في عدة مناطق هدفت للم شمل كل القوي السياسية و الفئات الصحراوية ضمن تنظيم وطني جامع للأهداف و الطموحات المشروعة للشعب الصحراوي في الحرية و الاِستقلال و إلى اِستعادت الهوية العربية و الإسلامية التي عمل المستعمر الإسباني على سلبها طوال 87 سنة حتى تلك اللحظة من التاريخ؛

 

لذا برزة في تقديم البيان التأسيسي  هذه العبارات: .. إزاء تشبث الاستعمار بالبقاء مسيطراً على شعبنا العربي الأبي، ومحاولة تحطيمه بالجهل والفقر والتمزق وفصله عن الأمة العربية...، وإزاء فشل كل المحاولات السلمية.. تتأسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، كتعبير جماهيري وحيد متخذة العنف الثوري والعمل المسلح وسيلة للوصول بالشعب الصحراوي العربي الإفريقي إلى الحرية الشاملة من الاستعمار الإسباني (...)، و لعل هذا التقديم يلخص النهج الذي تبنته جبهة البوليساريو كحركة تحرر وطني.

 

عقد المؤتمر التأسيسي في العاشر من مايو/ أيار 1973 باِسم مؤتمر الفقيد محمد إبراهيم بصيري، و تحت شعار" بالبندقية ننال الحرية ".

 

أفضى المؤتمر إلى تشكيل جبهتين سياسية و عسكرية و أمين عام للحركة " اِبراهيم غالي ".

 

 و في العشرين من نفس الشهر بدأ العمل المسلح بعملية الخنكة التاريخية ضد إحدى الحميات العسكرية الإسبانية  اِنتهت بأسر كل جنودها و تحرير عضوين من الحركة كانوا معتقلين لديها.

 

 كان الهدف الرئيسي للمؤتمر التأسيسي و العملية العسكرية هو إعلان جبهة البوليساريو عن نفسها و عن بدأ مرحلة جديدة في كفاح الشعب الصحراوي و أن خيار اِنتظار المنن لم يعد له مكان.

 

و خلال الفترة الممتدة من هذا الإعلان إلى المؤتمر الثاني توسع العمل السياسي على مستوى الجماهيري ليشمل فئات عديدة من المجتمع الصحراوي و خصوصاً الشباب الذين تبنوا خيارات الثورة، و عرفت أيضاً هذه المرحلة الكثير من العمليات العسكرية التي أدت بالمستعمر الاسباني إلى تسويق مشروع " الاِستقلال الذاتي " أو ما يعرف اليوم بالحكم الذاتي و ربما كان هذا هو السبب الذي دعا إلى عقد المؤتمر الثاني للجبهة البوليساريو في 25 من أغسطس/ آب 1974م، باِسم الشهيد عبد الرحمن عبد الله -الذي أستشهد تحت التعذيب- و تحت شعار حرب التحرير تضمنها الجماهير، أهم ما صدر عن المؤتمر كان أول برنامج عمل وطني و اِنتخاب الولي مصطفى أمين عام للجبهة، كما أعلن رفضه مشروع الاِستقلال الذاتي.

 

شكل المؤتمر نقطة تحول مهمة في كفاح الشعب الصحراوي  حيث قاد إلى العديد من الاِنتصارات على المستوى السياسي أهمها كان اِعتراف البعثة الأممية بجبهة البوليساريو كالقوة السياسية الأكثر شيوعاً في الصحراء الغربية، و تبني  الجزائر إلى جانب ليبيا للجبهة كحركة تحرر من الاِستعمار، كما قاد أيضاً إلى توسع العمل العسكري و حقق اِنتصارات هامة و وجه ضربات موجعة للجيش الإسباني في مواقع عديدة.

 

قبل الخوض في أهم الاستنتاجات لابد من التنويه أنه تحتم علينا الإيجاز في مسار الحركة الوطنية الصحراوية و رجالاتها، و علتنا لا تكمن في قلة المصادر فحسب و إنما كي لا نتوه في تفاصيل لا تقدم إسهاماً ذا أهمية فيما نريد الوصول إليه من نتائج، كما أننا سنتحدث مجدداً عن البوليساريو في مؤتمرها الثالث 1976م و هي سنة حبلى بالأحداث و المتغيرات، أهم هذه المعاني:

 

-         إن البوليساريو كانت وليدة حركة وطنية صحراوية صقلتها تجربة مقاومة شعبية تفاعلية طابعها العام هو رفض القبول بواقع الاِستعمار، و عليه أصبحت هي الوعاء الجامع لكل الفئات و التيارات الصحراوية المقاومة.

 

-         إن البوليساريو نشأت كحركة تحرر ضد الاِستعمار الاِسباني في الصحراء الغربية، و لم تكن بأي حال صنيعة الجزائر أو ليبيا كما يحاول المغرب تسويقه بوسائل متعددة  منذ بداء محاولته سرقة ثمرة كفاحها و نضالها وأنها لم تؤسس بهدف تعطيل وحدته الترابية كما يزعم.

 

-         إن الشعب الصحراوي كان محاصر من المستعمر و من جيرانه مما جعل خيار الكفاح المسلح مغامرة حقيقية بدون أدنى شك ليس فقط في إعلانه وإنما في استمراره، و رغم ذلك أثمر في الصحراء.

 

الحقيقة أن البوليساريو بنيت لبنتها بالعزائم و بالتضحيات و هو ما أعطها القدرة على تحمل الكثير من الطعنات طوال مسيرتها، و مع ذلك حكم خطابها الهدوء وخاصةً فيما يتعلق بعمقها العربي الذي خذلها كما خذل نفسه في مواقع عديدة، فلا هو نصر حقها من ظلم و لا هو تركها تعيش  قدرها بعيداً عن مؤامراته.

 

ختاماً، سعينا ليس موجهاً في الأساس إلى بحث كل التفاصيل و إنما الهدف توضيح بعض الحقائق التي حاولت أطراف عديدة أن تلبسها لباس بألوان مختلفة هدفها غايته التغطية على جريمة سرقت تضحيات الحركة الوطنية الصحراوية، لذا سأعمد في مقالات قادمة تكشف الكثير من الخبايا التي تؤكد هذا المعني. سلام.  






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز