نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الأساطير الدينية تحت الاختبار: إنتاج أول خلية حية والإنسان الصناعي قادم

بعد الروبوتات الذكية جداً، والاختراعات الهائلة، والخارقة التي قدمها العقل الغربي العلماني النقدي التنويري اللاديني، يبدو أن الإنسان الكامل- اللحم والدم والعقل- هو هدف علماء الغرب القادم.

ففيما كان ما يسمى بالعالم العربي والإسلامي، بقضه وقضيضه، مشغولاً ولـ"شوشة" أذنيه بالفتوى الخارقة لأصحاب الحضارات والثقافات الصحراوية العظيمة، التي صدّروها للبشرية، حول الاختلاط بين الجنسين وإرضاع الكبير، والتي أفتى بها، طويل العمر، فضيلة الشيخ الجليل والعالم الفهيم عبد المحسن العبيكان، المستشار في القصر الملكي السعودي، فجرت البشرية، ووسط صمت إعلامي مريب، ها هنا، وبعد أبحاث استمرت خمسة عشر عاماً، قنبلة علمية مدوية ومن العيار الثقيل إذ تمكن فريق علمي بمختبرات معهد "كريغ فنتر" Craig Venter الأمريكي من إنتاج أول خلية حيةFirst Living Cell لبكتيريا صناعية. وتم الإعلان على هذا الحدث العلمي البارز يوم الخميس الماضي على لسان العالم البيولوجي، كريغ فينتر، الذي يقود فريق العلماء الباحثين، حيث قال في تصريح لـ "تايمز": "رغم أن هذه خطوة صغيرة، لكنها تسمح بإحداث تغيير في الفلسفة والتفكير". وقد هدفت إلى تركيب سلسلة موروثات جينية "كروموزومات" مستقلة. وقال العاملون على المشروع إن استخداماته المستقبلية أكبر من أن تعد، لأنها تمتد من خلق مكونات مجهرية مفيدة في المجال الطبي وصولاً إلى توفير وسائل لإنتاج طاقة بديلة أو تنظيف البيئة. من جهته، وطبقاً لمصادر مختلفة، قال مارك بيدو Mark Bedu، كبير علماء معهد بوتولايف Botolife في فينيسيا الإيطالية: "نحن نتحدث عن أمر سيغير حياتنا بصورة جذرية."وأوضح بيدو أن إنتاج خلية أولية بسيطة تحتوي على المواد الأساسية في الحمض النووي قد يبدو أمراً بسيطاً للبعض غير أنه "سيكشف النقاب عن أحد أكبر الأسرار المتعلقة بالخلق والكون وموقع الإنسان"، (مصادر مختلفة).

لا مستحيل أمام العقل البشري الجبار، ولا حدود للفكر والخيال البشري الذي نقل الإنسان من الكهوف والمغاور وحياة الصيد والرعي البدائية إلى القمر والزهر والمريخ والمشتري، والقادم أعظم، طالما أن هذا العقل يعمل دونما قيود ودونما تابوهات ودونما وصايات وقيود وأغلال أسطورية تكبله وتمنعه من الإبداع والابتكار كما هو الحال في منظومتنا البدوية البدائية التي توقف العقل بالنسبة لها عند إرضاع الكبير، في القرن السابع الميلادي، وكيف حل الإشكالية المستعصية الشائكة الكبرى بالاختلاط بين الجنسين، الذي هو-الاختلاط- أصل الحياة والفطرة، وليس منع الاختلاط. فالفطرة تقتضي اختلاط الجنسين لاستمرار الحياة وتكاملها، وليس العزل والفصل بين الجنسين لتدمير الحياة الاجتماعية التي هي أصل الابتكار والإبداع والانتاج. وسيثير هذا الاختراع زوابع فكرية وأخلاقية وفلسفية كبرى، وسيلقى علامات استفهام كبرى على قضية الخلق التي ما زالت الرؤية والرواية الأسطورية تسيطر عليها، ويتقبل بها ويسلم بها كثيرون، ولكن السؤال الهام الذي يتردد في الذهن، وبعد نجاح عملية الاستنساخ الـ Cloning، التي أثارت عاصفة أخلاقية ودينية وفكرية وفلسفية، ماذا لو تم اليوم، أو غداً اختراع إنسان بكامل المواصفات البشرية، لحم وعظم ودم ودماغ وأعصاب...إلخ، وها هي الخلية الحية أولى هذه الخطوات، ولم لا؟

وقد تطيح هذه الاختراعات، وغيرها بالكثير من الفلسفات والأفكار والعقائد والتصورات المسبقة، وتنسفها من جذورها، وتخلخل بنيتها الإيديولوجية في جوهرها، وقد تسفـّه نظريات وأفكار فلاسفة ومفكرين ومنظرين كبار حول الوجود والروح والخلق والحياة بشكل عام، ليس ابتداء بسقراط وكونفوشيوس، ولا انتهاء بهيغل، وتؤكد بم لا يدع مجالاً للشك رؤى فلاسفة التنوير والوجوديين الغربيين، وعلماء عظام كداروين، قالوا بتطور الأنواع، ونشوء الخلية الحية عبر تفاعلات كيماوية، كما أثبته مؤخراً كرايغ فنتر، وليس عبر تصور أسطوري جاهز.

ويضع هذا الفتح العلمي الكبير والمثير عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام حول قضية الخلق الأسطورية السائدة ذاتها؟ كما يثير تساؤلات أخلاقية جدية قد تبدو مؤلمة ومحزنة حول الانتماء الأسروي والهوياتي وحول طبيعة العاطفة والوجدان والضمير ومنظومة القيم التي سيتمتع بها هذا الإنسان، ولتلخيص كل هذه الإشكاليات يمكن القول إن أي تغيير على الصعيد المادي سيعقبه تغيير على الصعيد القيمي والأخلاقي، كما حدث لمجتمعاتنا التي انهارت فيها القيم والأخلاق في عصر النفط العربي، الذي لا يتمتع بأي قيم وأخلاق وجمال.

قد لا يزال من المبكر الحديث عن "خلق" إنسان صناعي وتطويره من خلايا حية، وقد لا نعيش، وهو المرجح، حتى نبصر ذلك اليوم الذي نرى فيه إنساناً "مخلوقاً" من قبل إنسان، ومصنعاً في المختبرات العلمية تماماً كما تصنع الروبوتات الذكية،، ولكن لا نستطيع إلا أن لا نتخيل إمكانية حدوث ذلك، ولا نستطيع أن ننفي وننسف وجود الفكرة من الأساس، ولو حتى كمجرد احتمال، بنسبة واحد بالمليار، طالما أن هذا العقل البشري الجبار يعمل وينتج ويبدع كل شيء، وآخر إبداعاته قد تكون إنساناً كامل المواصفات، وإيماننا بالعقل، وليس بالأساطير والجهل، يبدو أقوى من أي إيمان.

الإنسان المخلوق والمصنـّع في المختبرات قادم إليكم، ولا ريب، وما عليكم سوى الانتظار، ولا عزاء البتة للعقول الصغيرة المشغولة والنائمة في عسل الأوهام الكبيرة والأساطير المستحيلة.


 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز