نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين فقط

على هامش سقوط الطائرة الليبية القادمة من جنوب أفريقيا، وردتنا بعض الرسائل حول هذا الموضوع، من مجموعات سلفية، وعروبية ،وبعد الاستفاضة والحديث عن الكارثة الجوية التي ألمت بالإنسانية جمعاء ومرفقة ببعض الصور، ، ذُيـّلت تلك الرسائل، بعبارة اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، علماً بأن معظم من كان على متن الطائرة هم من غير المسلمين، وفي هذه العبارة، ولعمري، هناك تضمين واضح بعدم الرغبة بالترحم، أو طلب الرحمة منه سبحانه وتعالى عما يفعلون، على غير المسلمين، وهذا أمر قاس وصعب جداً أن تتقبله النفس البشرية. فالشماتة، ها هنا، ومن خلال موت غير المسلمين الذين لا يجوز الترحم عليهم، واضحة ولا تحتمل التأويل والالتباس، وهو أمر غير جائز من مؤمنين يفترض فيهم سعة القلب والصدر، لا الحقد والكراهية والشماتة، الأمر الذي ينسف، وبالمطلق، وبكل أسف أي حديث وكلام وخطاب يحاول البعض تسويقه عن التسامح، وحوار الأديان، والحضارات، وتضرب هذه الأنانية الدينية غير المتسامحة بعرض الحائط بكل القيم والمشاعر الإنسانية النبيلة التي تتوحد في هكذا مناسبات.

لقد كان القسم الأعظم من ركاب الطائرة، بالفعل، من غير المسلمين، وركاب الترانزيت، المتخذين من طرابلس الليبية كمحطة ترانزيت باتجاه أوروبا، وهم من الأوروبيين، وتحديداً الهولنديين بقسمهم الأكبر، إضافة لجنسيات أوروبية أخرى. كما كان هناك عدد ضئيل من المسلمين من ركاب الطائرة، و طاقم الطائرة الإيرباص المنكوبة، وهم بمعظمهم من الليبيين العرب المسلمين. أي أن الكارثة والموت لم تفرق بين ديانة وأخرى، وهذا هو المصير المحتوم للجنس البشري برمته، الموت الذي لا يفرق بين دين وآخر، وجنس وآخر، فلم التفريق، في طلب الرحمة والمغفرة بين هذا وذاك؟ هل هي محاولة للتميز والاستعلاء حتى في الموت كما هو التميز والنفور والاستعلاء والبراء قائم وجار على قدم وساق في الحياة؟

لكن المفارقة ذات الدلالة التأملية البالغة أن الناجي الوحيد، من الكارثة، كان الطفل الهولندي روبين، الذي كان مرافقاً لوالديه الذين قضيا في الحادثة، وهو لم يزل بعد بسن العاشرة من العمر، وهو إن لم يكن يهودياً، فهو نصراني بالقطع، ولكنه ليس مسلماً، بالتأكيد، ولم يكن ولا مسلم واحد ناج من الحادث بكل أسف، فلماذا أنقذت العناية الإلهية يهودياً، أو نصرانياً أوروبياً، ولم تنقذ مسلماً، أليس في هذا عبرة يا أولي السمع والبصر، ونفس الأمر حصل مع الطائرة اليمنية التي هوت قبالة شواطئ جزر القمر في العام الماضي، وكانت الناجية الوحيدة طفلة غير مسلمة أيضاً، فهل هناك عبرة في ذلك يا أولي الألباب؟

لا نفهم، كما لا يفهم الغربي الذي يتلقى مثل هذا الخطاب، سر هذا التشفي والسرور بموت الآخرين، وبالحقد عليهم حتى وهم أموات، ولا كيف السبيل لمعالجة هذه الإشكالية المستعصية؟ ألا يجلب أصحاب هذا الخطاب العداء لأنفسهم، في وقت هم في أمس الحاجة فيه إلى الأصدقاء، وخاصة في الغرب الذي يشهد اليوم تحولات بنيوية عميقة في نظرته لهؤلاء بالذات، ويدفع ثمن هذا الخطاب، مسلمون أبرياء، لا ناقة ولا جمل لهم في كل هذا العك والبلاء. وهل أضحت مصائب الناس وكوارثها مدعاة لسرور وتشفي البعض؟ وهل هذا السلوك من الأخلاق في شيء، قبل أن يكون فيه أي شيء من الإيمان؟ وماذا يريد هؤلاء الناس من تسويق هذا الخطاب الناري العدواني الصدامي والاستفزازي؟ ألا يحزنهم موت غير المسلم، ولذا لا يطلبون له الرحمة لاعتقادهم بأن مصيره المؤكد، سلفاً، هو جهنم وبئس المصير.

لماذا لم يترحم هؤلاء على كل الأموات؟ أليس هذا أقرب للمنطق والتقوى، وأحب لله "الرحمن الرحيم" قبل أي شيء آخر، أم أن هناك ثمة اعتقاد راسخ وثابت ولا يتبدل، أنه لا يجوز الترحم على غير المسلمين، وأن المسلمين هم لوحدهم من يحتكرون رحمة الله، كما يحتكرون أشياء أخرى، رغم أن الله سبحانه وتعالى قال لهم في فاتحة قرآن بأنه رب العالمين، وليس رب المسلمين لوحدهم. ومن المفترض، والضروري، حظر هذه العبارة في الخطاب الرسمي والإعلامي العربي والإسلامي نظراً لما لها من تضمينات غير إنسانية في عالم يتعولم وينفتح ويتقارب باستمرار، ناهيك عما تشكله من ضرر وعداء للمسلمين في المنافي بشكل خاص.

ورحم الله جميع ركاب الطائرة الليبية، وكل طائرة، وكل كارثة إنسانية، برية، وبحرية وجوية، وسواء كانت تلك الكارثة الإنسانية بفعل الطبيعة، أو بتدبير فاعل سيء النية والطوية.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم على كل حال، والله المستعان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز