نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا نستبدل حصص التربية الدينية بحصص الموسيقى والفن والباليه والفلسفة والرياضيات؟
قالوا قديما التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، وما يتلقاه الطفل في صغره يظل "منقوشاً" في ذاكرته حتى اللحظات الأخيرة في حياته. وتحدد هذه الذكريات والتعاليم والتربية شخصية الطفل ومن الصعب خروج سلوك الفرد مستقبلاً عما تلقاه من تربية وتعاليم، فالمرء في النهاية هو محصلة تراكمية لجملة من المعارف والعلوم والسلوكيات المكتسبة منذ الصغر. وإذا كان رحم الأم هو الحاضن الطبيعي للطفل، فإن التربية والتعليم هي الحاضن الجيني لذات الطفل. وقل لي أين يدرس هذا الطفل، فسأقول لك من سيكون. فالطفل الذي تتلقفه المدارس السويسرية، ليس بالطيع كالطفل الذي تتلقفه المدارس الدينية الباكستانية، أو الوهابية السعودية والمصرية. والنتيجة العملية الإبداعية التي أعطتها التربية المدرسية الغربية، هي مختلفة بالطبع عن "النتائج الباهرة" التي أعطتها المدارس الوهابية والتعليم الديني في مصر والسعودي، بن لادن والظواهري، نماذج. وتقوم اليوم ذات المدارس بإعداد الملايين من النسخ المصغرة عن هاتين الشخصيتين، وستلمع في سماء المنطقة، مستقبلاً، وبمشيئة الله وفضله، عشرات من الأسماء، التي قد تنافس الظواهري وبن لادن، فانتظروها.

ويحتل التعليم الديني والضخ الحشوي التعبوي " الصحوي" التحريضي التسميمي التخديري الذي يشوه عقول الأطفال ويدمر أدمغتهم الغضة والطرية في مراحل عمرية مبكرة من حياتهم ويلغي دورها في الحياة، حيزاً هاماً في مناهج وزارات التربية وتهيمن عليها، وخطط ما يسمى بالثقافة العربية، ويوجه تفكيرهم باتجاه أحادي مغلق ومسدود الآفاق، وذلك في واحدة من أكبر وأخطر وأشمل عمليات التطهير الثقافي والعقلي في تاريخ العالم المعروف، ما يعطل مداركهم وقدرتهم على البحث العلمي بسبب حرف تفكيرهم عن التفكير وأدوات البحث العلمي التطبيقي والنقدي والتجريبي، وذلك عبر ربط أي عمل وإنتاج وجهد وإبداع بالغيب، ونزع الصفة وفضل الإنسان على الإبداع، وتصغير شأن الإنسان الحي والمنتج أمام بشر ماتوا وانقضوا وراحوا وعاشوا في زمن ومعطيات مختلفة كلياً عن زماننا ومعطياتنا ولم يعد بإمكانهم تقديم أي شيء.

وتعطي معظم مناهج المنظومة البدوية المسماة دولاً عربية، اهتماماً خاصاً للتعليم الديني، وتوجيه الناشئة باتجاه ثقافي وفكري معين وأحادي، واستبعاد المنهج العلمي المعرفي التجريبي والتطبيقي والنقدي الذي ينمي الشخصية الإنسانية ويوجهها باتجاه الإبداع والابتكار فيما يعطلها الفكر الديني ويخدرها ويجعل أي جهد وإبداع إنساني فرض كفاية، يجعل الطفل متقاعساً على الإبداع طالما أنه لا يستطيع مجاراة ومنافسة من عاشوا قبله بقرون من الزمان، إن التعليم الديني يمسخ شخصية الفرد الإبداعية، ونادراً ما نرى متفوقين ومبدعين على المستوى العالمي في الطب والفيزياء والكيمياء ممن تخرجوا من تحت عباءات وزارات التربية والثقافة في المنظومة البدوية. وتأتي هذه الحصص التربوية على حساب مواد وحصص تؤهل المرء بشكل أكبر وتعده للإبداع والعطاء، وهي حصص الفنون والموسيقى والرياضة والرياضيات، التي لا تعطى ذات الاهتمام الذي توليه وزارات الثقافة والتربية البدوية للحصص الدينية. وفي بعض دول الخليج الفارسي (التي تقف وراء تصدير الإرهاب للعالم)، هناك أكثر من ثماني حصص مخصصة لعلوم الشرعية، ومن دون وجود أية حصة للموسيقى والتربية الفنية، التي تعتبر محرمة وحراماً.

إن التحكم بعقل الطفل وتوجيهه باتجاه معين وممنهج ومعد سلفاً، وسلبه حقه الإنساني والطبيعي في الاختيار وتلبية غريزته العقلية وميوله الإبداعية، هو الإكراه بالدين بعينه، وهو تواطؤ من قبل وزارات التربية والثقافة والأنظمة الرسمية العربية مع الجماعات السياسية، وجريمة تطهير عرقي والتفاف وإنكار لحق هذا الطفل ممارسة إفراغ ما جبلته عليه الطبيعة من مؤهلات وإمكانيات واستعدادات نفسية وحرمانه من هذا الحق والاختيار الذي هو مطلب مقدس. ومن هنا ندعو مرة أخرى لمحاكمة وزراء التربية والثقافة العرب بتهم التطهير العقلي والثقافي ضد الأطفال، وحرمانهم من حقهم الطبيعي في الاختيار الذاتي، وعدم توجيه تفكيرهم وعقولهم باتجاهات لن تجلب لنا سوى نسخ مستنسخة لنجوم الإرهاب والتكفير بالعالم الذين تحفل وتزخر بهم هذه المنطقة دون سواها من مناطق العالم. ونطالب بنفس الوقت بأن تؤجل حصص التعليم الديني حتى سن البلوغ والرشد كي يكون الاختيار طوعياً وذاتياً وليس إجبارياً، ومبنياً على محاكمة واقتناع عقلي، فمن شاء عند ذاك فحلال عليه، ومن لم يشء فأمره لله، وهذا في جوهر وصلب القرآن. وليس للمطاوعة ولجان الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف (لا يوجد كالعادة خطأ إملائي ها هنا. أما السطو على عقول أطفال صغار واللعب بها وتسييرها وفق مسارات معينة وباتجاهات معينة، فهي أكبر من حجم جريمة تطهير عرقي.

وما المانع في زرع الفرح والسرور والابتهاج والقدرة على التفكير المنطقي والعقلاني والتنافس الحر والشريف وتنمية المهارات الإبداعية عبر حصص الفنون والموسيقى ورقص الباليه والرياضة والرياضية، بدل زرع الاكتئاب والقلق وتنمية النزعات العنصرية والمتطرفة والرغبة في الانتقام من "أعداء الله"، وقصص الرعب والثعبان الأقرع والجن والعفاربت وجنس الملائكة وعذابات القبر وأنكر ونكير والموت وجهنم والنار التي وقودها الإنسان والحجر والتي لا تشبع من لحم بني البشر، وكأننا في أفران النار النازية ( ما الفرق بين هذا وذاك؟؟)....... إلخ، وبكل ما في ذلك من تدمير لعقول الأطفال وتشويه لأرواحهم ونفسياتهم الغضة والبريئة وقتل لإنسانيتهم وبراءتهم، وحرمانهم من طفولة طبيعية، وإن هذا لعمري، كفيل، بتقليص عدد الإرهابيين والقتلة والسفاحين، والتكفيريين الذين يخرجهم لنا ما يسمون بوزراء التربية والثقافة والإعلام العرب، إلى أدنى الحدود. وفي الغرب "الكافر" لا يوجد شيء اسمه تعليم ديني، لأنه بكل بساطة سطو وغزو وإغارة غير قانونية على عقول الأطفال. وإن هؤلاء الأطفال الصغر هم أمانة في أعناقنا ومسؤولية كبرى ومن حقهم علينا أن نقدم لهم ما ينير عقولهم ويضيء دروبهم ويحفزهم على التفوق والنجاح والحب والإبداع والعطاء، عبر تزويدهم بثقافات وعلوم ومناهج حضارية ومعارف إنسانية متمدنة منفتحة وراقية تهذب من شخصياتهم وتخلق منهم أفراداً مثاليين مسالمين منتجين وعشاقاً للحياة والكون وكل من عليه.

لم يؤد كل ذاك التطهير الثقافي، والبطش الممنهج بعقول الأطفال، وحملات تديين الطفولة، والتركيز المحموم على الفكر والتربية والتنشئة الدينية إلى تقدم أي من دول هذه "الأمة" بوصة واحدة على سلالم النهضة والعلم والإبداع العلمي، وظلت هذه الإمارات الدينية القروسطية المسماة دولاً عربية في ذيل القوائم البشرية علمياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وتعليمياً، ولم تفلح جامعة واحدة من جامعاتها، برغم رفعها للرايات المقدسة، من أن تحتل مركزاً متواضعاً في قائمة الخمسمائة جامعة على مستوى العالم، ولعل التركيز على القيم البحثية والمنهجية العلمية والمواد الإبداعية والتفاعلية وحتى الفلسفية التي تطرح من الأسئلة أكثر مما تعطي من الأجوبة، ينهض بها قليلاً، بعد أن أدمنت التركيز على المنهج التسليمي والأسطوري الغيبي وتلفقي الأجوبة الجاهزة على أعقد القضايا الفلسفية والعلمية التي تلغي العقل وتعفيه من مسؤولية العمل والإبداع ودون أن تكلف هذه العقول نفسها عناء البحث والكشف..

استبدلوا حصص التربية الدينية وما يسمى بالتاريخ والثقافة العربية وكل الخطاب الآخر "العجين" والسحر المبين وأساطير الأولين وكل هذا الإكراه في الدين، بحصص الموسيقى والفن ورقص الباليه والرياضة واللهو والفرح الطفولي البريء الذي يبعث في النفس البهجة والسرور ويفتح العقول بدل قصص العبوس والرعب والتكشير، ولاحظوا الفرق، ولو بعد حين، وذلك رحمة وحباً بأطفالكم، وليس من أجل أي شيء.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز