نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هزيمة النقاب ومشروع بدونة أوروبا

أَعـْجـَبُ لمن يتباهي ويتفاخر بسجنه وسجانيه وجلاوزته وجلاديه، ويفرح بمازوشية فاقعة لاضطهاده وقهره. إذ لا تجد المرأة المسلمة في أوروبا، وبكل أسف، من شيء تتباهي به سوى أسرها وسجنها واضطهادها وتسليعها وتنميطها وحبسها داخل حجابها ونقابها، لأنه ليس لديها، في الواقع، أي شيء آخر يمكن أن تتباهي به، وحالة عجز وإحباط تاريخي تلازمها، كظلها، بسبب قرون من الاضطهاد والتغييب القسري المجتمعي والظلم الممنهج، والمحمي بالقانون.

وإذا كانت قوانين المنطقة المحكومة بالشريعة تسمح باضطهاد وتسليع المرأة وتنميطها وحبسها في أطر جنسية معينة فإن القوانين الأوروبية العصرية والوضعية لا تسمح بهذا، بتاتاً، وهي تعطي المرأة احتراماً وتقديراً، بأكثر مما تعطيها تلك الدساتير التي تقول بأنها تحكم باسم السماء. فالعدالة والأخوة الإنسانية والمساواة هي الثالوث المقدس التي تقوم عليه الحضارة الغربية التنويرية الفولتيرية، ولا سبيل لتفضيل أي كان على الآخر، وتحت أي مسمى وادعاء

فالنقاب، وناهيك عن مسخه لشخصية المرأة وإلغائها وشطبها من معادلة الحياة والوجود، هو نمط سلوك وعيش صحراوي له خصوصياته الصحراوية ومحاولة تعميمه وفرضه على الآخر واعتباره الأفضل والأنسب وربطه بغيب ومقدس هو المشكلة، وهو في المحصلة زي غير قانوني، ولا يمكن القبول به في مجتمعات تسود فيه القوانين ولها الكلمة العليا. فكثير من اللصوص "يتلثمون" و"يتنقبون" حين يهمـّون بسرقة شيء ما كي لا يفتضح أمرهم، وما أدرانا من يقف وراء ذاك النقاب، هل هو امرأة فعلاً أم أي شخص آخر رجل، لص، هارب من وجه العدالة.

وهنا في أوروبا لا يمكن ولا يجوز توظيف الدين، في المجتمع والسياسة والتجارة بالغيب والماورائيات، واستغلاله في الحياة فالدين شأن روحي خاص، وليس عاماً تحت أي ظرف اللهم بالنسبة للمتاجرين بالأديان الذين ينصبون من أنفسهم وكلاء حصريين لله على الأرض . وقد حاولت الجماعاة الدينية، ومن يقف وراءها، وكثير من المسلمين الذين يعيشون على هامش الحياة في أوروبا أن يقولوا أننا ها هنا، ويثبتوا وجودهم، ليس من خلال الانخراط في الإنتاج والعمل والبناء واحترام القيم الأوروبية، ولكن من خلال مظاهر التأسلم والدروشة الدشداشة والنعال والنقاب، تلك الرموز التي لا تقدم ولا تؤخر ولا تعني أي شيء بحال سوى استفزاز الغربي وخوض معارك فارغة وخاسرة لن تساهم إلا في مزيد من تشويه صورة المسلمين في أوروبا، وبأكثر مما هي سوداء، ولأن الحضارة ثقافة وسلوك مكتسب وتراكمي يتم عبر عقود من الإعداد.

وبدا لوهلة أن القيم الغربية والأوروبية التنويرية بدأت تتراجع أمام هجمة بدوية شرسة استغلت التسامح الأوروبي، واعتقدت أنها في موطنها الأصلي حيث يتواطئ الكهنوت السياسي مع الكهنوت الديني بهدف تجهيل الشعوب وإحطام البساطير على رقابها. وقد بلغ الاندفاع والغرور والعزة بالإثم والحلم حداً استدعى المتفائلون إلى وضع مدى منظور هو خمسين سنة لأسلمة أوربا عن بكرة أبيها، وإلحاقها بالمنظومة البدوية الاستبدادية الأبوية القهرية التي لا تقيم وزناً لا للرجل ولا للمرأة على حد سواء، ولا لأي قيمة وجمال. فهدف هؤلاء البدو النهائي هو تدمير كل قيمة ومبدأ إنساني وجمال، وهدم الحضارات الإنسانية كما فعلوا سابقاً بالحضارات الشرقية التي انقرضت وأبيدت على أيدي البدو الغزاة. ويبدو أنهم يضعون أوروبا اليوم على رأس أولوياتهم لغزوها وتدميرها بالحجاب والنقاب والدشداشة والنعال وفرض القيم البدوية الأخرى عليها وأظلمتها كما هو حال منظوماتنا التي يخيم عليها الظلام.

ويبدو أن أوروبا قد استفاقت، ووعت الدرس جيداً، ولم يعد من السهل الضحك على وخداع الأوروبيين بتلك البكائيات الزائفة. وهي عازمة اليوم على التصدي للهمجية البدوية الشرسة والعاتية،وإن تنامي التيارات اليمينية والمتطرفة خير دليل على ولادة وعي أوروبي جديد فيما يتعلق بالحرب على بدونة أوروبا. فها هي هولندا، وبلجيكا، قد أصدرتا حظراً تاماً على النقاب، واليوم فرنسا تسير بخطى وئيدة وواثقة من النفس لإنقاذ أوربا من البدونة وإعادة الوجه الحضاري لها. ويتوقع أن يصبح هذا لحظر تشريعاً وقانوناً رسمياً في فرنسا اعتباراً من اليوم إذ سيناقش النواب الفرنسيون الثلاثاء مشروع قرار يعتبر النقاب مخالفا للقيم الجمهورية، في مرحلة أولى تشهد توافقاً كبيراً قبل النظر في تموز/ يوليو في مشروع قانون موضع جدل يحظر النقاب والبرقع في الأماكن العامة، وذلك كما أوردت وكالات الأنباء .

ها هي فرنسا اليوم تحظر النقاب، كما فعلت هولندا وبلجيكا، والحبل على الجرار، ويبدو أن نبوءة الجماعات حول أسلمة أوروبا، خلال خمسين، قد لا تحقق، وبكل أسى، وأسف ومع خالص المواساة، وأصدق العزاء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز