أسعد أسعد
assaad_for_jesus@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 April 2007

أسعد شفيق أسعد
كاتب من مصر مقيم في امريكا
الميلاد : 18 أغسطس 1942 المنصورة - دقهلية - مصر
المهنة : مهندس بولاية ماساتشوستس - امريكا
المؤهلات : بكالوريوس الهندسة الصحية و البلديات
كلية الهندسة جامعة الاسكندرية - 1969
دبلوم الصحة العامه - الهندسة الصحية
المعهد العالي للصحة العامة - جامعة الاسكندرية - 1974
الحالة الاجتماعية : متزوج من المهندسة عايده حبيب عبد الشهيد خريجة نفس الجامعة و نفس التخصص و تعمل معي في نفس المجال . لنا ابن واحد فيليب - مهندس و ابنه واحدة فيبي - صيدلانية
المجال الثقافي : الدراسات و الابحاث الدينية "المسيحية - الاسلامية - اليهودية" مع الدراسات التاريخية المتعلقة بها
النشر :بدات الكتابة منذ اقل من سنة وقد نشر لي حتي الان مقالات دينية و سياسية و البعض لم اقم بنشره بعد

 More articles 


Arab Times Blogs
إنكار صَلب المسيح مثال آخر لعدم صحّة التفسير العربي للقرآن

في حديث رِضاعة الكبير إتّهم عُلماء المسلمين و المفسرون الاسلاميون النبي محمد بأنه أصدر حكما برضاعة رجلا كبيرا من إمرأة ليُحَرم عليها . و ثبّتَ العرب علي النبي محمد هذا الاتهام بسبب عدم دقتهم في تحليل النصوص التراثية بتجاهلهم ظروف الكلام الذي ورد علي لسان النبي و الملابسات التي صاحبته و شخصية المرأة التي سألته الحُكم و ظروفها و منطقها في السؤآل , فراحوا يؤكدون أن النبي محمد أصدر حُكما بوجوب رضاعة الكبير من أي إمرأة يختلي بها لتُحرَم عليه . و أنا أتعجب كيف يصدر هذا التفسير من رجل مسلم يحترم نبيه و يتبعه؟ و هذا الرجل هو عَلَم من أعلام التربية الاسلامية فهو أستاذ و رئيس قسم الحديث و عميد كلية أصول الدين , أي مسؤل عن تعليم و تدريس الدين بل و تخريج مدرسين للدين الإسلامي يدرّسون الدين للأجيال القادمة.

كيف لم يقرأ الاستاذ الدكتور عزت عطية في كتب التراث أحوال الاشخاص المَعني بهم كلام النبي محمد و لم يقرأ إنفعالات النبي و إسلوبه في الكلام؟ و كيف لم يستنبط المخفي وراء العبارات التي نطق بها النبي محمد لكي يخرُج الاستاذ الكتور بالمعني الصحيح الذي قصده النبي من كلامه؟ و الأدهي و الأمـرّ إن العلماء الذين ثاروا عليه ثبّتوا الحديث علي النبي و دافعوا بأن النبي كان يقصد رخصة خاصة لسالم , و هو الشخص موضوع هذا الحديث , مثبّتين بذلك تلك الفتوي الشاذة حتي لو إقتصرت علي شخص واحد فقط , و أنا أعتقد إن النبي محمد برئ منها براءة الذئب من دم إبن يعقوب فلم يقصدها و لم يأمربها و كلامه كان تحدي و سخرية من سهلة و ليس أمرا لها و لا حُكما و لا فتوي لأن سهلة أتت لتوقِعَ النبي في مأزق ربما بسبب غيظها هي الاخرى من حُكم النبي بالغاء التبني , فأدرك النبي هذا بفطنته و ذكائه و بسبب معرفته بسهلة و زوجها و أحوالهم.

 لقد أساء الدكتور إلي النبي بفتواه و أساء المدافعون بتثبيت الحكم بها حتي لو قالوا بإنكار تعميمها, و أساء البعض الآخر لنصوص التراث بوصفها إنها مليئة بالإسرائيليات و القصص المدسوسة الكاذبة و ما أسوأ هذا من دفاع.
يقودنا هذا الي موضوع مقالنا و نحن أمام نص قرآني قد تعرّض هو أيضا لتفسيرات من أسوأ التفسيرات البعيدة عن الصحة ترسّخَت في الاذهان لتاريخ طويل , و قد شكّل سوء تفسير هذا المقطع من سورة النساء في العقلية الاسلامية خطأ لم يقصده القرآن بل نسبه العرب إلي القرآن العربي لكي يعادوا به المسيحيين الذين يؤمنون بصلب المسيح و موته و قيامته بشهادة الحواريين و المؤرخين و الباحثين , و اليكم النص القرآني من سورة النساء :

" وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154)فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155)وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَل ُوهُ يَقِينًا(157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159) فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا(160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(161) لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرً ا عَظِيمًا(162) "

من هذا النص "و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم " رأي العرب أن المسيح لم يُصلَب و أكدوا ذلك بالكلمة "و ما قتلوه يقينا" ثم زادوا عليه في التأكيد بالنص "بل رفعه الله اليه".
في هذه المـرّة لم يتهم العرب النبي محمد بإصداره حكما لا أخلاقيا يخالف الشرع الذي نادي به هو شخصيا ـ كما في قضية رضاع الكبير ـ بل الآن يتهم العرب رب العزة الله سبحانه تعالى بالغش و الخداع و التزوير و الكذب, و ذلك حتي يَسهل غرضهم من تكفير الامم الذين حولهم المؤمنين بصلب المسيح و قيامته حتي يجوز غزوهم و قتلهم و سلبهم و نهبهم , فلم يتورعوا عن أن يسلكوا لذلك أي سبيل حتي إتهام الله ذي الجلال بأنه مخاتل و مخادع و غشاش تعالي الله عما الصقه به الأعراب.
لكن الآن قد أتي الوقت ليتبين لعلماء المسلمين ـ من يعقل منهم ـ بطلان هذه الدعوى فحاش لله بأن يكذب و أن يغِش و أن يُضلل 

 وأرجو أن يتأمل القارئ العزيز في النقاط التالية:
أولا: عن من يتكلم القرآن في هذا النص:
إن هذا النص يتكلم عن اليهود فقط و ليس عن أتباع عيسي ولا الحواريين , فلم ينقُض القرآن هنا إيمان المسيحين و لا حتي إيمان النصاري بصلب المسيح , و لم يلصق القرآن عبارة "شبه لهم" بالحواريين و لا بالمسيحيين و لا بالنصاري بالرغم من أن القرآن قد إنتقد جميع عقائد النصارى الفاسدة و التي تظهر أنها مشابهة لعقائد المسيحيين و هي في الواقع مضادة لها تماما, لكن من جهة إيمان النصارى بصلب المسيح فالقرآن لم ينسب لهم ولا لغيرهم من أهل الكتاب و لا للحواريين و لا لأتباع عيسي أيّ خطاء بهذا الصدد , و لم يُذكر في القرآن أنه كفّر إيمانهم بصلب المسيح و قيامته لا في هذا المقطع و لا في أي موضع آخر في القرآن. إن الاختلاف و الشك و إتّباع الظن نَسَبَه القرآن لليهود فقط و لم ينسِبه للنصاري و لا للمسيحيين أتباع عيسي.
الكلام هنا عن اليهود فقط الذين نقضوا ميثاقهم و كفروا بآيات الله و قتلوا الانبياء بغير حق , و لاحظ كلمة بغير حق لأنهم أقاموا للمسيح محكمة ظلم ـ لم يذكر عنها مفسروا القرآن أي شئ ـ و أدانوه في هذه المحكمة بأنه هرطوقي , و كانت هذه المحاكمة بغير حق, و لكن الكلام ليس عن كل اليهود ففي الآية 162 يقول القرآن" لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون يؤ منون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و المقيمين الصلاة و المؤتون الزكاة و المؤمنون بالله و اليوم الآخر اولئك سنؤتيهم أجرا عظيما".
ولاحظ أن القرآن هنا يفرّق بين الفئة الاولي من اليهود الذين قال فيهم "ما لهم به من علم إلا إتباع الظن" و بين الفئة الثانية الذين و صفهم بأنهم "الراسخون في العلم منهم" , و نحن نعلم إن جميع طوائف اليهود ـ علي إختلاف شيَعِهِم ـ من قَبل النبي محمد و في أيامه و حتي الان يقرّون و يؤمنون بحادثة صلب عيسي . و اليهود كانوا و مازالوا يرفضون مقولة "صلب المسيح" و ذلك لانهم لا يعترفوا بأن يسوع هو المسيح , كما إن في ديانتهم و كما هو في إعتقاد المسلمين اليوم إن المسيح لا يصلب . أما البعض الآخر "الراسخون في العلم" فيعترفون أن يسوع قد صُلِبَ و هم راسخون في علمهم هذا بجانب إنكارهم أيضا إن يسوع هو المسيح. فهذا النص يتكلم عن اليهود فقط و ليس عن النصاري و لا عن المسيحيين و لا عن أي فئة أخري من البشر.
ثانيا: كلام اليهود:
"إنا قتلنا المسيح عيسي إبن مريم رسول الله" ماذا يقصد اليهود بقولهم هذا؟ و هنا لنا أيضا سؤآل هو هل يعترف اليهود إن عيسي إبن مريم هو رسول من الله؟ طبعا لا, فلم يعترف اليهود أبدا في تاريخهم إن عيسي إبن مريم هو رسول الله. و نلاحظ هنا أنهم قالوا كلام بهتان علي مريم و كلام إفتراء عن المسيح أورده القرآن في عبارة "إنا قتلنا المسيح عيسي إبن مريم" و نلاحظ أيضا إن كلام اليهود هنا فيه لهجة و لغة التّعاظم و التّكابر "إنا قتلنا" فلا شك أن تكون عباراتهم هذه موجهة الي النصاري الذين كانوا يعبدون عيسي و أمه مريم من دون الله , و هي عبادة باطلة كما ورد عنهم ذلك في القرآن , فقول اليهود "إنا قتلنا المسيح عيسي إبن مريم" هو قول سخرية من جانبهم و إستكبار و إفتخار و معايرة للنصاري بأنهم يعبدون ربا مصلوبا و إنهم هم اليهود قد قتلوه , و يفاخرون بهذا كأنه فعل بطولي تتباهي به قبائل اليهود علي قبائل النصاري . فكان اليهود يسخرون من النصاري الذين يعبدون المسيح عيسي إبن مريم علي أنه رسول الله . فهل حقا قتل اليهود المسيح عيسي إبن مريم؟
و قبل أن نترك هذه النقطة ينبغي أن نلاحظ إن معني القتل في كلام اليهود الذين تآمروا علي المسيح ـ و هم طائفة الكهنة المدعون "الصديقيون"ـ هو الموت بلا رجعة و ليس كالمفهوم الاسلامي و المفهوم المسيحي الذي يقول بانفصال الروح عن الجسد إلي أن يأتي يوم البعث. لأنه بحسب المفهوم اليهودي السائد بين هذه الطائفة إنه لا توجد قيامة للأموات بل يفني الانسان بموته و تكون هذه هي نهاية وجوده أي الفناء الأبدي. فالذي يقصد اليهود أن يقولوه هنا هو "إنا قد أفنينا المسيح عيسي إبن مريم و لا شيناه".
ثالثا: نقض القرآن لكلام اليهود:
"و ما قتلوه و ما صلبوه " قد يظن البعض لأول وهلة إن هذا الكلام هو نفي لصلب المسيح , و كان من الممكن أن يكون هذا التفسير صحيحا لو لم يسترسل القرآن في الكلام عن اليهود فيقول "و لكن شبه لهم و إن الذين إختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به علم إلا إتباع الظن و ما قتلوه يقينا" و لا حظ يا قارئي العزيز إن الكلام هنا مازال عن اليهود فقط و عن إدّ عائهم و ليس الكلام هنا عن المسيح و لا ما جري له فعلا. لأن المصادر التاريخية مثل كتب يوسيفوس المؤرخ اليهودي و تاريخ و سجلات الإمبراطورية الرومانية تقول إن الذي نفّذ عملية الصلب هي الحامية الرومانية في أوروشليم , و كان الرومان يعتبرون إن هذا إستهزاء باليهود و إذلال لهم , لأن اليهود إدّعوا علي المسيح أنه يزمع أن يقيم نفسه ملكا علي إسرائيل فقالوا للحاكم الروماني بيلاطس البنطي " إن أطلقت هذا فلست محبا لقيصر . كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر" .
فلقد أسلم اليهود المسيح إلي الرومان بتهمة سياسية و هي التمرد علي قيصر روما , و هددوا الوالي الروماني بأن يشوا به الي قيصر إذا أطلق المسيح , بإعتبار أنه ثورجي مقاوم للسلطة الرومانية. و قد قصد اليهود بهذا أن يتم إعدامه بالطريقة الرومانية . فالإعدام الروماني في ذلك الوقت كان يتم بإحدي طريقتين إما بقطع الرقبة بالسيف إذا كان المحكوم عليه يحمل الجنسية الرومانية أو بأن يُصلب إذا كان من جنسية أخري غير رومانية . و يلاحَظ أن اليهود لم يكن مسموحا لهم تحت الحكم الروماني أن ينفذوا حكم الاعدام في أحد إلا بالرجم فقط أما التعليق علي الصليب أو خشبة فقد إحتفظ به الرومان لأنفسهم كمظهر من مظاهر قوتهم لإذلال الشعب اليهودي. و كان قصد كهنة اليهود أن يُظهروا عيسي للشعب أنه معلق علي خشبة أي ملعون من الله بحسب الناموس اليهودي فهو ليس المسيح و هم بهذا قد غشّوا العالم لأن حُكم اللعنة بالناموس ليس ينطبق علي كل من عُلّق علي خشبة تحت أي حكم و تحت أي سلطة , لكن فقط للمحكوم عليهم من مجمع يهودي و حسب نص شريعة موسوية و أن يحكم عليه المجمع اليهودي بأن يُعلّق علي خشبة . فالمجمع اليهودي لم يستطع أن يحكم علي المسيح بأنه يقاوم السلطة الرومانية و إلا أصبح في نظر الشعب مواليا لها و لم يستطع اليهود أن يقيموا عليه أي دعوى تجديف لأن كلامه و أفعاله كانت كلها سليمة تماما ـ و إلا كانوا قد رجموه ـ فلم يكن أمامهم إلا التهمة السياسية ليتم صلبه بواسطة الرومان. و كانوا يستطيعون أن يبرروا فعلهم هذا لباقي الشعب لأن المسيح بحسب إعتقادهم ينبغي أن يهزم الرومان و يحرر شعب إسرائيل و يجعل شعب اليهود حاكما لكل العالم فاذا قتل الرومان يسوع فيستطيع الكهنة أن يقولوا للشعب أنه كان مسيحا كاذبا.
لذلك فان كلامهم "إنا قتلنا المسيح عيسي إبن مريم رسول الله" كان كلام إفتراء و إستهزاء بالنصاري فرد عليهم القرآن إفتراءهم و إستهزاءهم بقوله "وما قتلوه و ما صلبوه" لأن القرآن كان يعتبر النصاري أقرب مودة للمسلمين (لأن منهم قسيسين و رهبان و هم لا يستكبرون) مذكرا اليهود بأنهم أمة أذلاء تحت الاحتلال الروماني إلي وقت النبي محمد ليس لهم أن يحكموا علي أحد و لا أن يقتلوا أحدا و إن إفتخارهم هذا "إنا قتلنا" باطل و كاذب. فهل نفي القرآن صلب المسيح؟
رابعا: كلام القرآن عن واقعة الصَّلب:
"و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم" عبارة نافية مانعة تماما. لكن هل تتكلم هذه العبارة عن المسيح؟ لا حظ يا عزيزي القارئ كلمة "لكن" و حتي حرف الاستطراد قبلها "و" فيقول القرآن "ولكن" أي أن ما يدعيه اليهود له وجه آخر . و الجملة كلها تقول "و لكن شبه لهم". و لا حظ يا قارئي العزيز إن الكلام هنا مازال عن اليهود و ليس عن المسيح. فما هو إثبات ذلك؟ الاثبات هو غياب حرف الهاء "ه" من كلمة "ولكن" فلو كان القرآن قد قال "ولكنه شبه لهم" فيكون الكلام في هذا المقطع عن المسيح و تكون الهاء عائدة علي المسيح و بغياب الهاء من كلمة "ولكن" فيكون المقصود هنا ليس إن شخص المسيح قد شبه لهم ,أي ليس أن ينفي القرآن الصلب عن المسيح , بل المقصود هنا هو نفي تنفيذ عملية الصلب عن اليهود المفتخرون بها في قولهم "إنا قتلنا" , و بذلك تكون "و لكن" هنا لا تعود علي المسيح بل تعود علي واقعة الصلب التي نفّذها الرومان و ليس اليهود. حرف واحد يا قارئي العزيز يغيّر المعني تماما.
ثم تأتي هذه الكلمات "شُبّه لهم" شُبّه فعل مبني للمجهول أي مجهول فاعله و "لهم" عائدة علي اليهود بحسب سياق الحديث فهم ـ أي اليهود فقط ـ الذين شُبّه لهم واقعة الصلب و القتل و ليس لأي أناس آخرين فلم يُشبّه ذلك للنصاري و لا الحواريين أي تلاميذ المسيح و لا لأتباع عيسي الذين إتبعوه و لا للمسيحيين من بعدهم فالقول بأن التشبه حدث علي شخص أخذ شبه المسيح و إن الخلط في الاشخاص حدث لقوم غير اليهود لهو حكم مخالف لنص القرآن. و السؤآل الذي يلح علينا هو: من فعل هذا التشبه؟ هل نستطيع أن نقول إن الله هو الذي فعل هذا الفعل؟ حاشا لله أن يكون كاذبا أو مخاتلا . الله لا يشبه الامور فالله يريد أن تكون الامور واضحة و ظاهرة و مفهومة للكل و هو إذا أراد أن يرفع المسيح من وسط أعدائه من دون تشبه و لا تضليل لكان قد رفعه أمام الكل. و لا ينكر الله أفعاله أو يداريها فلو كان الله هو الفاعل لقال القرآن "و لكنني شبهته لهم" أو "و لكن الله شبه ذلك لهم" فالله لا يمكن أن يكون هو الفاعل المستتر في هذا الفعل المبني للمجهول.
فهل فعل المسيح ذاته هذا التشبه أو التشبيه؟ لا يمكن لأن هذا الفعل من الغش و الخداع و هذا ليس من طبيعة المسيح فلو كان المسيح يريد أن يختفي من بين أيدي صالبيه لكان قد فعلها و مكتوب في الكتاب المقدس أنه فعل ذلك مرتين من قبل أي أنه إختفي من وسط الناس الذين كانوا يريدون القبض عليه و في كلتا الحالتين لم يلقي شبهه علي آخر فكيف يلقي شبهه علي آخر و يتركه يموت في مكانه بدلا منه؟ لم تكن هذه أخلاقيات المسيح الذي كان يُحي الموتي باذن الله و لا يُميت الاحياء.
فمن فعل هذا التشبه؟ لقد فعل هذا اليهود لأنفسهم أي أنهم تصوروا الأمر بحسب شهوات قلوبهم الردية. و كيف يحدث هذا؟ لأن اليهود حينما قرروا قتل المسيح كان مفهومهم عن الموت هو إنتهاء و تلاشي المقتول بحسب عقيدتهم أنه لا قيامة كما شرحت سابقا , فلما قام المسيح من الاموات و ظهر لتلاميذه الذين أذاعوا هذا الخبر إستهزأ بهم اليهود و لما إستفحل الامر إتهم اليهود تلاميذ المسيح بسرقة الجسد الميت و إخفائه و الادعاء بقيامته و هو الادعاء السائد بين اليهود منذ حادثة الصلب و في أيام النبي محمد و حتي اليوم. و يُعَقّب القرآن علي فكرهم بالقول "و ما قتلوه يقينا" فما معني هذه الآية؟ إن المسيح بعدما صلب و مات قام من الاموات بشهادة الحواريين فزال عن اليهود اليقين بقتله, و تشبه لهم أنهم قتلوه و ما قتلوه يقينا. فالأمر إذا أنهم أي اليهود دفعوه إلي الرومان فقتله هؤلاء لكن الله هو الذي توفاه , فلقد قال المسيح من علي الصليب "يا أبتاه في يدك أستودع روحي" فتوفاه الله , و لما توفاه الله مات لأن القتل بيد الانسان أما الوفاة ففي سلطان الله هو الذي يتوفي الانفس. عزيزي القارئ لايمكن أن الله يخدع الانسان, الإنسان هو الذي يخدع نفسه و يبقي في الضلال. اليهود حينما أسلموا المسيح الي الرومان ليصلبوه و يقتلوه تشبه لهم بهذا أنهم قضوا علي حياته فليس في عقيدتهم قيامة و لا بعث , فهم الذين فعلوا هذا التشبه عن قتل المسيح لأنفسهم فإختلفوا فيه.
خامسا: كلام القرآن عن المسيح و ماذا حدث له:
عني القرآن بكثير من التفاصيل عن المسيح إبتداء من ولادته كما أورد كلامه هو نفسه عن كل مراحل حياته, فيقول في سورة مريم 33 "و السلم علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا" و نحن نعرف إن يوم الولادة هو خروج الانسان للحياة من بطن أمه و هذا حدث للمسيح بشهادة القرآن و الكلمة "ولدت " هنا فعل ماض عن زمن كلام عيسي عن نفسه . ثم نحن نعرف أيضا أن الموت هو خروج نفس الانسان من جسده و كلمة يوم أموت هنا تعني فعلا سيحدث للمتكلم ـ و هو المسيح ـ في وقت يعقب كلامه هذا , أي أنه كان يتكلم عن يوم موته فهل حدث هذا للمسيح؟ وهنا لابد أن ننتقل إلي آية أخري من آيات القرآن لنفحصها. في سورة آل عمران 55 "إذ قال الله يا عيسي إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا و جاعل الذين إتبعوك فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم تختلفون" و هنا أمرين ينبئ الله عيسي بأنهما سيحدثان له و هما الوفاة و الرفع , و كان الكلام وقت وجوده في الأرض مع حوارييه قبل رفعه, فهل يرفع الله أمواتا؟ أليس يجب أن يكون المسيح حيا لكي يرفعه الله إليه فلابد أن الله يبعث المسيح حيا قبل رفعه اليه فهل حدث هذا؟ يقول القرآن في سورة المائدة 117 "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي و ربكم و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم و أنت علي كل شئ شهيد" كلام يتضح منه إن عيسي توفاه الله ـ في زمان سابق لهذا الكلام ـ ثم بعثه حيا ليتكلم بهذا الكلام قبل أن يرفعه الله إليه , لذلك فالمفروض أن يكون هناك شهود لهذه الاحداث التي صنعها الله بعيسي أي التوفي بالموت ثم البعث حيا ثم الرفع الي الله , أي لا بد أن يكون هناك شهود رأوا عيسي و هو يموت و رأوه بعد بعثه حيا و أيضا رأوه حين رفعه الله إليه , فالشهود في هذه القضية هم الحواريون ثم أتباع عيسي و أهم الشهود هي مريم أمه التي كانت واقفة عند الصليب و سمعته يتحدث اليها و إشتركت في دفن جسده .
فإذا كان الحواريون قد شهدوا وفاة المسيح و هم الذين دفنوه ثم ظهر لهم بعد بعثه حيا ثم عاينوا رفعه الي السماء فلماذا يصدق العرب كل هذا عن الحواريين و ينكروا عليهم شهادتهم أن المسيح قد مات علي الصليب؟
إن صلب المسيح و موته و دفنه و قيامته و ظهوره حيا ثم صعوده الي السماء إنما هي حوادث تاريخية مثبتة بشهود عيان لم يقصد القرآن أن ينفيها بل قصد أن ينفي إستهزاء اليهود بالمسيح و بالنصاري.
سادسا: التفاسير المختلفة لهذا الجزء من القرآن:
في الحقيقة تعتبر دراسة التفاسير المختلفة لهذا الجزء من القرآن دراسة شيقة للغاية , فمقارنة أقوال و آراء المفسرين و إسناداتهم و الإختلافات فيما بينهم تستحق أن يُفرد لها مقالا خاصا و هذا ما سأفعله بإذن الله , أما الآن فسأكتفي بتقديم بعض الملاحظات الأولية علي ما قرأته من تفاسير لهذه الآيات كما وردت علي موقع
http://www.altafsir.com
فلقد عرض هذا الموقع العديد من التفاسير منها الطبري ـ القرطبي ـ إبن كثير ـ الجلالين ـ فتح القدير/ الشوكاني ـ إبن عباس ـ السمرقندي ـ الماوردي ـ البيضاوي ـ الزمخشري ـ الرازي . هذا الي جانب العديد من مواقع أخري بها الكثير من التفاسير أيضا. و سأقوم بتقديم دراسة للتافاسير فيما بعد

 و أكتفي الآن ببعض هذه الملاحظات في ختام هذه الدراسة:
1ـ أورد الرازي رأيين متعارضين : أولهما إنه إن جاز أن يقال: إن الله يلقي شبه إنسان علي إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة. و الثاني : إن تواتر النصاري ينتهي إلي أقوام قليلين لا يبعد إتفاقهم علي الكذب.
و لم يجب الرازي علي السوآل المهم و هو لماذا يكذب النصاري أو بالاحري تلاميذ المسيح و أتباعه بالقول إن المسيح قد صلب؟
2ـ تعتمد الروايات و القصص التي أوردها المفسرون علي روايات لأشخاص عاشوا علي الأقل ستمائة سنة بعد المسيح و لم يعاينوا ماحدث و لم يكونوا حتي موجودين أيامها و ليس أحد من هذه المصادر ينقل عن شاهد عيان.
3ـ إختلفت القصص عن من صُلِبَ مكان المسيح (بحسب تفاسيرهم) فالبعض قال واحد من تلاميذه و البعض قال يهوذا الاسخريوطي الذي أسلمه و البعض قال شخص آخر قتله اليهود لما لم يجدوا المسيح ثم إدعوا أنه المسيح و البعض أورد أسماء أشخاص آخرين و البعض قال جندي روماني.
4- لم يتفق المفسرون علي مكان الحادثة أي قتل المسيح , هل تم في بيت أم في الطريق الي الصلب أم في بستان؟
5ـ العديد من المفسرين قالوا إن اليهود قتلوا الشخص الذي حسب تفسيرهم ظنوه أنه المسيح و لم يذكروا شيئا عن صلبه , و الواضح إن الحادثة في ذهن و تفسير معظم المفسرين تنقسم الي شقين أولا القتل ثم ثانيا الصلب بعد القتل و هذا يستحق الكثير من الدراسة و التعليق علي أفكارهم و هي مأخوذة من التعاليم الموسوية اليهودية و هي تقضي بأن يُقتل الشخص أولا ثم إذا كان محكوم عليه باللعنة يُعلّق علي خشبة أثناء النهار فقط و تدفن الجثة قبل الغروب . فلم تكن الشريعة الموسوية تنادي بتعليق الانسان حيا أو بصلبه حيا كما حدث للمسيح . فصلب الانسان حيا هو طريقة إعدام رومانية و ليست يهودية.
6ـ لم يذكر المفسرون أي شئ عن المحاكمة التي جرت قبل الصلب و التي تَنَقّل فيها المسيح بين بيلاطس و هيرودس و قيافا و مجمع السنهدرين في ستة جلسات مختلفة للمحاكمة و بتهم مختلفة أهمها التجديف و كسر الناموس أو نقضه ثم التمرد السياسي علي السلطة الرومانية.
عزيزي القارئ إن نفي صلب المسيح ليس تعليما قرآنيا و إن كان يظهر كذلك , و الخطأ في فهم القرآن يرجع الي عدم الدقة في قراءة و تحليل النصوص و أيضا في القذف و الاتهام الكاذب بأن الكتاب المقدس محرّف و هو تعليم يتهم الله بالكذب و يفتري علي القرآن بما لم يقله.

عثمان   قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء   October 27, 2011 5:28 PM
اليهود هم اول من إدعى وقال بقتل وصلب المسيح عيسى ابن مريم ، فقال بقولهم هذا الرومان، وبالتالي تكذيب الله لليهود ـ أي المصدر ـ هو تكذيب لكل من قال بقولهم ، والله أعلم ولا إله إلا الله وحده لا شريك له







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز