نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أيهما أفضل الاستعمار البدوي أم الاستعمار الروماني؟

يقول الخطاب البدوي ورموزه الكبار في معرض دفاعهم عن البدو الغزاة العرب حين قاموا بجريمتهم التاريخية الكبرى في غزو دول الجوار وتدمير الحضارات الشرقية العظيمة، وحلوا مكانها، تلك الحضارات الرفيعة التي كانت تتناسل كل فجر وترفد البشرية بشتى الإبداعات، في مصر وسورية والعراق وشمال أفريقيا، نكرر يقولون بأنهم قد حرروا إنسان وشعوب المنطقة من الاستعمار الروماني، الذي كان يستعمر هذه البلدان، ويسخرها، وينهب ثرواتها وينكـّل بشعوبها، وبهذا القول فهم يعترفون، وإن بشكل غير مباشر، باستعمارهم لهذه البلدان والشعوب التي لم تكن لهم، ولم يكن لهم فيها وجود قبل ذلك، ولا حق شرعياً لهم في ذلك، ولا ندري كيف من يزدري قيم الجمال والإبداع، وتقوم ثقافته على السطو والغزو والنهب الفظاظة والغلاظة والإكراه والإلزام والفرض والجبر ونبذ الآخر وسلبه قراره ورأيه وفكره، ومن كانت العبودية والرق والنخاسة وسبي النساء والمتاجرة بهن في الأسواق كأية سلعة أخرى، شعاراً، وهدفاً، وعرفاً وتقليداً وممارسة مشرعنة ومقوننة ومحترمة وفي بنية ثقافته، يمكن أن يؤمن بالحرية والقيم العظيمة، أو بتحرير شعوب أخرى من نير الاستعباد، أو يكون عاملاً على إسعادها ورفاهيتها ورقيها، ونشلها من قيعان الظلم والظلام؟ ولا ندري من يعتبر نفسه فوق شعوب الأرض، ويطرح نفسه على أنه خير أمة أخرجت للناس، ولا يؤمن بقيم العدالة والمساواة وسياسته قائمة على البطر والظفر، ويقع الاستعلاء على الآخر في صلب بنيته الإيديولوجية أن يكون محرراً للآخر ومؤمناً بحقه في العيش؟ كما لا ندري كيف كان هذا محرراً ويدعي بأنه خلص الشعوب من القهر والإذلال الروماني، ثم عاد ليفرض الجزية والعهدة العمرية على الآخر الذي حرره من الاستعمار الروماني وبعد "التحرير" المزعوم ألغى وقضى على أي شكل ونمط سياسي وفكري وسياسي وفرض ثقافة أحادية اللون استبدادية الطابع وأنظمة حكم قهرية ظلامية خلافية مستبدة وملكاً عضوض لا تداول فيه للسلطات ولا انتخابات ولا أي نوع من الحريات؟ وإذا كان ثمة من سبب لإدانة الاستعمار الروماني، والتصفيق للاستعمار البدوي، فسينطبق على الوضع عندها المثل الشعبي الرائج "من تحت الدلف إلى تحت المزراب"، أي أن هذه الشعوب المنكوبة انتقلت من السيئ إلى الأسوأ، وكم هي الكارثة كبيرة ألا نتمكن من مقاربة أوضاعها إلا في صيغ بين أسوأ وأسوأ، وأردأ وأردأ وأقبح وأقبح، وليس بين جميل وأجمل، أو جيد وأفضل، فهل هي لعنة تاريخية أصابتها منذ الأزل؟

وبداية القول، وفصله، لا فرق بين استعمار، واستعمار، ولا غزو وغزو آخر. ولا يوجد استعمار حميد وآخر خبيث وتظل الجريمة في الاعتداء على الآخرين واستباحة أراضيهم قائمة ومدانة. وإذا كان الاستعمار الروماني كما يقولون قد استعبد شعوب المنطقة، فعلى الأقل ترك وراءه ثقافة وكتباً وفنوناً في المسرح والموسيقى والرقص والتمثيل وأوابد تاريخية كالمسارح الرومانية التي تقف حتى اليوم شامخة بوجه الزمان، لتدلنا على المستوى الحضاري الرفيع والمتقدم التي وصلت إليه تلك الشعوب، حين كانت تقضي لياليها المقمرة الرومانسية الحالمة بمتابعة الإلياذة والأوديسة والاستمتاع بفنون الرقص والغناء والطرب الأصيل. وفي كل مرة أزور فيها المسارح الرومانية في جبلة، وبصرى الشام، وتدمر، أقف بخشوع، وتسري في جسدي قشعريرة غريبة وغامضة، وأنا أتخيل تلك الأصوات العذبة والألحان في أرجاء المكان، والتي كانت تنطلق، في يوم ما، من هذه الأماكن، لكنها، وبكل أسف وألم، صمتت إلى الأبد بعد دخول البدو الغزاة الأعاريب إليها، حيث حرّموا كل أنواع الفنون والرقص والموسيقى والتصوير والرسم، والإبداع واحتقروا كل قيمة وجمال وقضوا على كل نشاط بشري مبدع، ولا يعشقون سوى الدم، ولا يستمتعون إلا برؤية الرقاب المتدحرجة ولا يقدسون إلا القتلة والسفاحين الكبار. وقد دمر ورثتهم في الأمس القريب في قندهار الطالبانية، في إجراء يعطي فكرة واضحة عن طبيعة الثقافة الصحراوية الهمجية التي تشربوها، تماثيل بوذا العظيم، الذي كان آية في الروعة والجمال، ومدرسة قائمة بحد ذاتها، في فن النحت والتعبير الحركي وله قدسية خاصة عند مليارات من الشعوب الشرقية، وجاء ذلك كتجسيد عن احتقار ثقافة البدو لكل ذوق وفكر وجمال وإبداع وعدم احترام واضح من قبل "المحررين" للآخر ومهما كان. وإلى اليوم يعلن إخوان مصر بأنهم سيدمرون الإهرامات والآثار المصرية العظيمة، في حال استيلائهم على الحكم لأنها مجرد أصنام ورمز لحضارة مصر القديمة التي يبدو أنها تؤرقهم ويغارون منها كثيراً.

ولا ندري كيف يؤمن بالحرية، و"حرّر" الشعوب الأخرى من الاحتلالات الفارسية والرومانية والبيزنطية وما زال إلى اليوم يستعبد الإنسان ويقهره ويعمل على تحطيم أمانيه وآماله ويلجم تطلعاته المجتمعية والإنسانية في الحياة والعطاء، ويحرّم عليه حتى الضحك والابتسام، وممارسة أي نشاط لأن كل شيء حرام وغير مباح حتى تبادل الورود والاختلاط والتنزه في الحدائق من غير "مـُحـُرم"(هؤلاء بالذات، وتصوروا، يريدون أن يقنعوا العالم بأنهم "محررون" للآخر وأصحاب رسالة عظيمة وحضارية وفوق ذلك خالدة). وإلى اليوم ما زالت المرأة لدى "المحرّرِين" و"عشاق الحياة"، لا تملك من أمرها شيئاً، واستعباد المرأة وتشييئها وتبضيعها وتسليعها وقبرها في الحياة واحتقارها وسلبها حرياتها كما هو معمول به في عموم المنظومة البدوية وإباحة ملك الينين والزواج من القاصرات هو المسلمات المعاشة والممارسة، وكل هذا خير دليل على "تحرير" أولئك البدو للإنسان من الاستعمار الروماني وأزعومة عشقهم المفضوحة للحرية. ونرى كيف يتم استعباد المهاجرين والعمال الفقراء عبر نظام الكفيل المعمول به في المنظومة الفارسية التي تقول بأنها حاملة رايات المقدسة ويعلنون بتبجح واضح بأنهم ورثة "المحررين" الأعراب الذين "جلبوا" الرفاهية والحرية والسعادة لدول الجوار؟ وإلى اليوم الرق والنخاسة والاتجار بالأطفال والدعارة الدينية "الحلال" بشتى صورها، هي من الممارسات اليومية المعتادة للشعوب التي ترزح تحت الاحتلال البدوي وتئن تحت وطأة وقسوة القهر والظلم والفقر والمجاعات وبطر السلالات وغيها، فعن أية حرية وتحرر يتكلم هؤلاء، كما أن الحروب الأهلية والتباغض المجتمعي والخلافات الأزلية التي أشعلها "دعاة التحرر" لن تنطفئ في المستقبل والقادم من الأيام . والسؤال هل الدول التي يحكمها البدو اليوم، هي واحات للحرية والازدهار، أم بؤر للجهل والفقر والاستعباد والقهر يشتى صوره بعدما "حرروها" من الاستعمار الروماني كما يزعمون أم ساءت أمورها عن ذلك الاستعمار بما با لا يتخيل ولا يقاس؟ والدول التي يحكمها ورثة الرومان هل هي بؤر للفقر والاستبداد والجهل والاستعباد أم واحات للحرية والجمال والإبداع؟

والأخرى والأهم والأشد وطأة على النفس والقلب، هو أن لا مجال، البتة، لمقارنة الدول التي خضعت للاحتلال والاستعمار البدوي، بتلك التي بقيت تحت الاحتلال الروماني والبيزنطي. وبنظرة عابرة على المنظومة البدوية التي "تحررت" كما يقولون ويزعمون من الاستعمار الروماني، سيدرك المرء حجم الفاجعة والكارثة التي تعيشها هذه الشعوب التي استعمرها البدو الأعراب "المحررين"، وفي شتى مجالات الحياة، في السياسة والمجتمع والاقتصاد، حيث تعيش جميعها تحت خطوط الفقر، وتتربع بكل فخر واعتزاز على قوائم الديكتاتورية والتخلف والفساد والمجاعات والحروب الأهلية والتشرذم والانقسام والاستبداد، فيما الدول التي "نفذت" بريشها من "المحررين" البدو تنعم اليوم برغد العيش ورفاهيته، وتحديداً في الغرب الأوروبي الذين هم ورثة "المستعمر الروماني"، وتتطور باستمرار ويقصدها ضحايا الغزو البدوي التحرري"، قطعاناً ووحدانا وزرافات، وبالقوارب، هرباً من جحيم الاحتلال البدوي القابع على رؤوس العباد وصدورهم، ويقفون طوابير أمام سفارات الرومان للحصول على "صكوك" الغفران الفرار والنجاة والتحرر الحقيقي لدخول جنة الكفار هرباً من جحيم الإيمان البدوي "التحرري" المزعوم.

إن أية مقارنة بحثية وعلمية ومنطقية، ووفق أدق الإحصائيات والمعطيات، بين الاستعمار الروماني الذي تحكمه الديمقراطيات الليبرالية والعلمانية التنويرية، والاستعمار البدوي الذي تحكمه السلالات العائلية المستبدة المؤلهة القدرية الكهنوتية الظلامية الخارجة من كهوف الزمان، لن تكون، وبكل أسف في صالح هذا الأخير على الإطلاق. وكم نحسد ونغبط جميعاً تلك الشعوب التي استمرت تحت حكم الاستعمار الروماني، ونشفق ونرأف ونتألم ونبكي بحرقة على تلك الشعوب التي وقعت تحت حكم الاستعماري البدوي الذي أذاقها المر والذل والهوان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز