صائب مراد
jadhardan@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 January 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
بسبب هذه الخاصيّة ... الشريعة الإسلاميّة صالحة لكل زمان

كثيرون هم اصحاب النوايا الطيبة من المثقفين والتنويريين ، الذين حاولوا ان يجدوا اعذارا لما ظنوه تعارضا بين اعتبار نصوص الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان ، وبين عدم امكانية او همجية تطبيق بعض النصوص في عصرنا الحديث ، وحين استعصى الأمر عليهم ، اضطر بعضهم الى القول بتاريخيّة بعض النصوص وعدم امكانية تطبقيها في عصرنا الحديث ، وملائمتها فقط لحياة وثقافة الناس في القرن السابع ، والبعض الآخر ذهب الى ابعد من ذلك حين اعتبر ان الشريعة الإسلامية بمجملها من الألف الى الياء غير صالحة لإنسان هذا الزمان ، في مخالفة صريحة للقرأن الذي قال على لسان خاتم النبيين يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا ، والناس جميعا تعني كل الناس على اختلاف زمانهم ومكانهم الى قيام الساعة .

 

ورغم كل ما يقال فالمشكلة ليست في نصوص الشريعة الإسلامية ، وانما في مدى فهم وتفسيرهذه النصوص ، فالتفسير الخاطىء هو البديل الوحيد عن التفسير الصحيح ، فالذي لا يجد الصواب لا بد ان يقع في الخطأ ، والخطأ الذي وقعت فيه التفسيرات انها اتجهت دائما للنظر الى السطح ، المتمثل في تقليد  الفقهاء لاحبار اليهود وتلاميذ المسيح في تعاملهم مع نصوص التوراة والإنجيل ، فتعاملوا مع نصوص القرأن بنفس الطريقة ، دون ان ينتبهوا الى امر حاسم جدا ، وهو ان شريعة التوراة شريعة عينيّة مشخّصة ، لذلك جاءت شريعة موسى بـ 613 بند تشريعي ، اما شريعة القرأن فهي حدوديّة مجرّدة ، لذلك  جاءت بـما يقارب ستين بند فقط ، والقاضي بشريعة التوراة يجب عليه ان يقف على النص حرفيا ويتقيّد به ، اما القاضي بشريعة القرأن فلا يجب عليه الوقوف على النص وانما الوقوف عند النص ، والفرق كبير وحاسم بين الوقوف على النص او الوقوف عند النص ، وبهذا الفرق الحاسم ، تميّزت شريعة محمد عن شريعة موسى وعن الشرائع السابقة ، فاصبحت صالحة لكل اهل الأرض وفي كل زمان .

أن الشريعة الإسلامية بما أنها الخاتم فيجب أن تكون متطورة عن الشرائع التي قبلها. وبما أن الشرائع التي قبلها إلاهية، ومع ذلك تم نسخها أو نسخ جزء منها، فيجب أن تكون هناك خاصية في الشريعة الإسلامية تجعلها قابلة للحياة في عصر ما بعد الرسالات وعصور التقدم في العلوم الطبيعية والإنسانية على أنها الخاتم. وهذه الخاصية غير موجودة في الشرائع ما قبلها ، فما هي هذه الخاصية؟؟

الخاصيّة التي تميّز الشريعة الإسلامية عن كل الشرائع التي قبلها انها شريعة حدوديّة ، ومعنى حدوديّة اي ان الله اعطانا حدود التشريع ولم يعطنا عين التشريع ، اي ان اعدام القاتل هو العقوبة القصوى لجريمة القتل وليس عين عقوبة القتل ، اي لا نستطيع ان نطبّق عقوبة اعلى من هذه العقوبة ، لكن بالتأكيد نستطيع ان نطبق عقوبة اقل من هذه العقوبة ، وبالتالي اذا كان هناك بلد يطبق عقوبة الإعدام ، وبلد لا يطبقها ويرضى بحكم المؤيد مثلا ، فكلاهما صحيح اسلاميا ، وكلاهما ضمن حدود الله ، الأول يريد ان يطبق الحد الأعلى والثاني لا يريد ان يقف على النص وطبق عقوبة اقل ، وكذلك المواريث فحدود الله فيها حدود دنيا وحدود عليا ، هذه الشريعة الإسلاميه وفيها تكمن الصلاحية لكل اهل الأرض .

معنى ذلك أنه يمكنك أن تتحرك دائما ولكن ضمن هذه الحدود التي وضعها الله سبحانه وتعالى، ولو خرجت بمليون احتمال هنا، لا الفقيه ولا علم القياس يمكن أن يحدد لك حركتك وإنما وضعك ، والحقيقة المثيرة ان   99 % من احكام مجلس العموم البريطاني والكونغرس الأمريكي هي ضمن حدود الله ولا تخرج عنها اطلاقا ، الا في عقوبة واحدة هي عقوبة ممارسة الجنس العلني ( الزنا ) .

عقوبة الزنا او ممارسة الجنس في العلن هي العقوبة العينية الوحيدة فقط في الشريعة الإسلامية التي ارادها  الله تعالى لكل الناس في كل زمان وكل مكان وحدّدها بــ 100 جلدة لا تزيد واحدة ولا تنقص واحدة ، ولأنها عقوبة عينية حدد الله تعالى بنفسه شرط ثبوتها ولم يتركه لرأي الناس وهو الشهود الأربعة .

 

الفقهاء لم يفرقوا بين العقوبة والحد ، واعتبروا الحد هو العقوبة  وهذا سبب اشكالا في فهم النصوص ، الحد لا يعني العقوبة ، فعل ( حـدَّ ) هو أصل صحيح وتعني طرف الشيء والحاجز بين الشيئين، ولا يمكن أن يقال أن حد الشيء هو الشيء ذاته، فحد السيف طرفه وليس كل السيف ، أي أن هناك شيئاً له طرف أو طرفان أو أكثر أو حاجز بين أشياء. فعندما قال عن الصوم (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة 187):

الطرف الأول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) يفصل بين الإفطار والصيام.

الطرف الثاني : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يفصل بين الصوم والإفطار . وهذان الطرفان من الثوابت .

 

وهناك حقل بين هذين الحدين هو الصوم وهو المتغير، فمدة الصوم متغيرة مع الزمان في مكان واحد ومتغيرة مع المكان في زمان واحد.

 

فعندما نتكلم عن حدود الله في التشريعات يجب أن نبحث عن الحقول التي تحدها هذه التشريعات، إن كان في العقوبات أو الإرث أو محارم النكاح أو المأكولات أو الربا أو التعددية الزوجية أو لباس المرأة، كلها تقوم على نظرية الحدود هذه وذلك يضمن صلاحياتها في الزمان والمكان.

 

فإذا أخذنا آية المواريث نرى أنها تقول (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) في الآية وتقول (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ).

 

نلاحظ أن هناك نوعين من الحدود كالصوم (حدود الله فلا تقربوها)، وكالإرث والطلاق (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) وفي الطلاق (تلك حدود الله فلا تعتدوها). فما الفرق بين (لاتقربوها) و (لاتعتدوها)؟

 

لتوضيح ذلك نضرب المثال التالي : إذا كان لدينا حقل له حدود (سور) وهذا السور مكهرب ، نضع لافتة تقول (لاتقترب السياج مكهرب) أي أنه يجب أن لايمس السياج وأن يبقى مسافة أمان بينه وبين السياج. أما إذا كان السياج عادياً، فنضع إشارة تقول (لاتتعدَّ السياج) أي يحق للمار أن يمس السياج ولكن لايحق له تعديه إلى الطرف الآخر.

 

فحدود الله التي قال عنها (لاتقربوها) مثل الصوم ، علينا أن نبقي مسافة أمان بيننا وبين هذه الحدود، وهذا ما سماه أهل السنة بالإمساك قبل الفجر بدقائق، وعند الشيعة بالإفطار بعد المغرب بدقائق. أي أن كل واحد منهما لم يقترب من حدود الله عن أحد أطرافها. وكذلك الزنا من حدود الله التي قال (لاتقربوها) (ولاتقربوا الزنا) وكذلك مال اليتيم ولا تقربوا مال اليتيم).

 

أما حدود الله الذي قال لاتعتدوها فيمكن الوقوف عليها أو مسها ولكن لايمكن تجاوزها مثل الإرث.

 

لذا يجب علينا أن نبين آيات الأحكام ونبين الحقل الذي يمكن التحرك فيه بدون أن نتعدى حدود الله، أي أن التشريع الإسلامي الإنساني يقف عند حدود ، ماسـّاً إياها أحياناً. وهذه الحدود تسمى حدود الله وهي الثوابت.

 

حد السرقة على سبيل المثال : (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ..) نرى عقوبة القطع هي الحد الأعلى لعقوبة السرقة. وتطبيق عقوبة الحد الأعلى تتم على المهني لذا قال (السارق والسارقة). أما في القتل فيكفي أن تقتل مرة واحدة لإمكانية أخذ حكم بالإعدام أو المؤبد، لذا قال تعالى (ومن يقتل). أما في السرقة لم يقل (ومن يسرق). فإذا فهمنا القطع فهماً بدائياً وحشياً فيعني (بتر اليد) . ومع ذلك فهي الحد الأعلى لعقوبة من امتهن السرقة. وإذا رأينا الآن كل أهل الأرض لاتطبق هذا الحد الأعلى فهم على حق، وهذا شأنهم وهم ضمن حنيفية الإسلام، ولا يوجد فيه تعدٍّ على حدود الله، والذي يقرر العقوبة هو مجالس التشريع ولا تحتاج إلى إفتاء أو فقهاءاشباه اميين.

ومع ذلك فإن مفهوم البتر لليد هو مفهوم غريب، فكيف يقول (فاقطعوا أيديهما) وليس يديهما، ثم يقول بعد ذلك (فمن تاب فإن الله غفور رحيم) فما هي هذه التوبة بعد بتر اليد؟!

نحن نقول بمفهوم حضاري إن من امتهن السرقة فيجب أن نقطع يديه عن المجتمع (كف اليد) وذلك بعزله عن المجتمع (السجن). وقد يصل إلى مدة مختلفة طويلة. في هذه الحالة نرى أن التوبة والمغفرة لها معنى . وقد ورد كثيراً في التنزيل الحكيم القطع بمعناه المجازي كتقطيع الأرحام (وتقطعوا أرحامكم) أو (قطع دابر الكافرين).

 

كنت احاول ان اقول لكم ،  الشريعة الإسلامية منحت الناس حرّية التشريع المناسب لمجتمعهم وزمانهم ضمن حدود الله .

 

 المراجع : كتاب  نحو اصول جديده للفقه الإسلامي

المؤلف : الدكتور محمد ديب شحرور







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز